كيف تعلم أوباما حب إسرائيل؟
علي أبو نعمة *
11/02/2008م
لقد قابلت المرشح الديمقراطي الواعد السيناتور باراك أوباما لأول مرة منذ عشر سنوات مضت عندما أتى لإلقاء كلمة في جامعة شيكاغو بكونه ممثلي في مجلس ولاية ألينوي، لقد أبهرني باراك لكونه شخص تقدمي، وذكي، وذو شخصية ساحرة، أستطيع بكل وضوح تذكر أننى قد فكرت في أنه "يا ليت يصل شخص من هذا العيار لمنصب الرئيس في يوم من الأيام"
وكان قد ألقى أوباما خطاباً للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية بشيكاغو، لقد كان من المتوقع في الدوائر السياسية الأمريكية اليهودية التي التفتت إلى جهوده المكثفة من أجل التودد إلى مانحي الأموال في حملة تدعيم إسرائيل الذين حتى الآن لا يزالون يميلون باتجاه منافسته الرئيسية السيناتور هيلاري كلينتون.
خلص مراسل هآرتس في واشنطن بعد استعراض خطابه إلى أن أوباما "يبدو في مثل قوة هيلاري، ومشجع مثل بوش، وودود مثل جولياني، ولقد نجح أوباما في أي اختبار أراده أي شخص الخوض فيه بأقل مجهود، إذن فإن أوباما مؤيد لإسرائيل بشكل تام".
تحدث أوباما قائلاً: "إن إسرائيل هي أقوى حليف لنا في المنطقة بديمقراطيتها الراسخة"، استمر أوباما في حديثه مؤكداً على مشاهديه أنه "يجب علينا الحفاظ على التزامنا الكامل لعلاقتنا الدفاعية الفريدة من نوعها مع إسرائيل عن طريق إمدادهم كليةً بالمساعدة العسكرية، والاستمرار في العمل على برنامج "الرمح"، وبرامج الدفاع الصاروخي المتعلقة بذلك"، وأكد أوباما بعد ذلك على أن مثل تلك البرامج المتقدمة، والتي تتكلف المليارات من الدولارات؛ سوف تساعد إسرائيل "على ردع أي هجوم صاروخي موجه من أي منطقة بعيدة مثل: طهران، أو من مكان قريب مثل غزة" هذا إذا كان شعب غزة الجائع والمحاصر والمجروح على وشك تطوير بعض القذائف البالستية العابرة للقارات.
لم يوجه أوباما كلمة انتقاد واحدة لإسرائيل، ولاستيطانها القاسي، أو لبنائها لجدار الفصل هذا، أو للمعابر التي تجعل حياة الملايين من الفلسطينيين لا تُحتمل.
وبالإضافة إلى ذلك؛ لم يكن هناك أي نوع من المواساة لمئات الآلاف من شعب غزة الذين يعيشون في ظلام دامس، أو لهؤلاء المرضى الذين لا يستطيعون الحصول على علاج الديلزة نتيجة لما أقرته مجموعة بيت سالم لحقوق الإنسان الإسرائيلية باتخاذ "قرار جماعي بارد اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير الدفاع، ورئيس قوات الدفاع الإسرائيلية في الصيف الماضي بأن يتم قصف مصنع الطاقة الوحيد الموجود في غزة، "وأن هذا القرار ليس له أية صلة بمحاولات إطلاق سراح أحد الجنود المأسورين، أو بأي حاجة عسكرية أخرى".
لقد كان هذا القرار بمثابة جريمة حرب غير مبررة، وواحدة من الجرائم التي تدينها منظمات حقوق الإنسان ضد شعب مدني محتل، والذي يجب على إسرائيل حمايته طبقاً لبنود اتفاقية جنيف الرابعة.
لم يذكر أوباما أي شيء عن التهديد الواضح الأكثر قدرة على الإبادة، والذي يمثله الإسرائيليون للفلسطينيين، بينما كان يركز اهتمامه بصورة دائمة على التهديدات التي يواجهها الإسرائيليون من الفلسطينيين، وطبقاً لما ذكرته جمعية بيت سالم فإن قوات الاحتلال الإسرائيلية قامت في عام 2006م بقتل 660 فلسطينياً كان من بينهم 141 طفلاً، وهو ما يساوى ثلاثة أضعاف عدد القتلى الذين سقطوا في عام 2005م، وفي نفس الفترة قام الفلسطينيون بقتل 23 إسرائيلياً، والذي يمثل نصف عدد القتلى الذين سقطوا في عام 2005م، وعلى النقيض يموت حوالي 500 إسرائيلي في حوادث طرق".
ولكن لم يكن أوباما متبلد المشاعر بصورة كلية تجاه حياة المدنيين، فلقد تذكر أوباما زيارته التي قام بها في شهر يناير من العام 2006م لمدينة كيريات شمونا الإسرائيلية، والتي تمثل واحدة من الضواحي الأمريكية المألوفة أينما استطاع أوباما أن يتذكر أصوات الأطفال الإسرائيليين "وهى تتطاير فرحاً من اللعب مثل بناتي"، ولقد رأى أوباما منزلاً قال له الإسرائيليون عنه: إنه قد تم تدميره باستخدام أحد صواريخ حزب الله "ولم يصب أحد بأذى في هذا الحادث".
ثم قال أوباما بعد ستة شهور "لقد شن حزب الله أربعة آلآف هجمة صاروخية مثل تلك التي دمرت المنزل في كيريات شيمونا، وقام باختطاف بعض أعضاء الخدمة الإسرائيلية".
تدل جملة أوباما على أن حزب الله قد قام بإطلاق ألآف الصواريخ في هجوم غير مبرر، وبدون وجود أي إثارة لحدوث هذا الهجوم، ولكن ما قاله أوباما ما هو إلا تحريف تام، وفي خلال خطابه الذي ألقاه أظهر أوباما ميلاً مقلقاً بشأن تقديم الدعاية الكاذبة على أنها حقيقة واقعة، وإذا قام أي شخص بمراجعة الترتيب الزمني لحرب لبنان التي وقعت في الصيف الماضي فسيكتشف بسهولة أن حزب الله قام بإطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية بعدما قامت إسرائيل بقصف المناطق المدنية في لبنان مودية بحياة المئات من المدنيين، ومما أدى أيضاً إلى فرار العديد من الأشخاص من الهجوم الإسرائيلي الضاري.
لقد أدان أوباما بشدة حزب الله لاستخدامه "للأبرياء كدروع بشرية"، وفي الواقع طبقاً للبيان الذي أصدرته منظمة حقوق الإنسان في الثاني من أغسطس، وبعد وقوع العشرات من المدنيين في الهجوم الجوي الذي شنته إسرائيل مما أدى إلى وقوع مجزرة قانا في الثلاثين من يوليو "ادعت إسرائيل أن الجيش قد استهدف هذا البيت مبدئياً نتيجة لإطلاق مقاتلي حزب الله بعض الصواريخ من تلك المنطقة"، وأضاف البيان قائلاً: "لم يجد باحثو منظمة حقوق الإنسان الذين قاموا بزيارة قانا في الحادي والثلاثين من يوليو - أي بعد يوم من الهجوم - أي أثر لأي أسلحة عسكرية مدمرة في البيت أو بالقرب منه، وبالمثل لم يشر أي من العشرات من الصحفيين أو عمال الإنقاذ أو المراقبين الدوليين الذين زاروا قانا في يومي 30 و 31 يوليو لرؤية أي دليل على أي تواجد عسكري لحزب الله بداخل المنزل أو حوله، ولم ينتشل عمال الإنقاذ جثامين أي مقاتل من مقاتلي حزب الله من داخل المبنى أو بالقرب منه"، ومن ثم بدّل الإسرائيليون روايتهم، ولم تجد إسرائيل أو المحققون الدوليون أي أدلة في قانا أو في أي مكان آخر دخلوه تدعم ادعاء أنه كان لدى حزب الله سياسة لاستخدام المدنيين كدروع بشرية.
وفي النهاية قتلت صواريخ حزب الله ثلاثة وأربعين مدنياً إسرائيلياً في خلال الحرب التي استمرت لأربعة وثلاثين يوماً، ولقد قتل أكثر من خمسة وعشرين لبنانياً مقابل كل قتيل إسرائيلي نتيجة للقصف الإسرائيلي الذي لا يفرق بين المدنيين والجيش - وهو ما يعنى مصرع أكثر من الألف قتيل، والذين يمثل الأطفال ثلثهم تقريباً -، حتى إن إدارة بوش قد قامت مؤخراً بانتقاد استخدام إسرائيل للقنابل العنقودية ضد المدنيين اللبنانيين، ولكن دافع أوباما عن الهجوم الإسرائيلي على لبنان باعتباره ممارسة "لحقها المشروع في الدفاع عن نفسها".
لم يكن هناك على الإطلاق في خطاب أوباما أي شيء خرج عن الإجماع المتطرف المؤيد لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، لقد أبرز هذا الخطاب نوع المبالغة واستثارة المخاوف التي أدخلت الولايات المتحدة في حرب العراق، ولقد أطلق أوباما على إيران أنها "واحدة من أكبر التهديدات للولايات المتحدة ولإسرائيل وللسلام العالمي"، ولقد أكد أوباما أثناء دفاعه عن استخدام الأساليب الدبلوماسية "العنيفة" مع إيران أنه "لا يجب علينا إبعاد أي خيار - بما فيه الخيار العسكري - عن الطاولة".
اعترض أوباما أيضاً على عمل حكومة وحدة فلسطينية بين حماس وفتح، وصمم على أنه "يجب علينا تدعيم عزل حماس" حتى تنصاع لشروط اللجنة الرباعية أحادية الجانب، وقال أوباما: "إن حزب الله يمثل تهديداً للحركة الأولية للديمقراطية"، وألقى أوباما باللوم على حزب الله بسبب "إيقاع الأمة كلها في غمار العنف والصراع".
ولقد رأيت أوباما حوالي خمس مرات في خلال السنوات التي تبعت رؤيتي له للمرة الأولى، وكنت غالباً ما أراه في بعض أحداث المجتمعات الفلسطينية أو في أحداث المجتمعات العربية الأمريكية في شيكاغو بما فيها أحد الاجتماعات لرفع المعونات والذي أجري في شهر مايو من العام 1998م، والذي قيل فيه: إن ادواردز هو الذي سيقوم بإلقاء الكلمة الرئيسية، وفي عام 2000م، وبعد خسارة أوباما في انتخابات الكونجرس سمعته يتحدث في حملة لرفع المعونات والتي كان يستضيفها أحد أعضاء هيئة تدريس جامعة شيكاغو، ولقد كان أوباما في تلك المناسبة وغيرها مباشراً لانتقاده للسياسة الأمريكية، ومطالبته باستخدام حتى ولو وسيلة يدوية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ولقد كانت آخر مرة أتحدث فيها مع أوباما في شتاء 2004م في تجمع بجوار حديقة هايد بارك بشيكاغو، وقد كان في غمار حملة أولية لتأمين الترشيح الديمقراطى للحصول على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي حصل عليه الآن، ولكن أوضحت استطلاعات الرأي في هذا الوقت أن موقفه كان متراجعاً في مركزه.
ولقد ذهبت إليه وألقيت عليه التحية بمجرد أن أتى من الصقيع، وخلع معطفه، رد على التحية بكل حرارة، وقال متطوعاً: "أنا آسف فإنني لم أقل شيئاً أكثر عن فلسطين الآن، ولكننا لا نزال في سباق أولي محتدم، آمل أن أصبح أكثر صراحة عندما تهدأ الأمور"، ولقد أشار أوباما إلى مذهب الفعالية الذي اتبعه بما فيه الأعمدة التي كنت أشارك في كتابتها لجريدة شيكاغو تريبيون انتقاداً لسياسة إسرائيل والولايات المتحدة قائلاً: "فلتستمر في القيام بالعمل الجيد".
ولكن قد بدا تحول أوباما التدريجي لمعسكر لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية منذ عام 2002م، حيث خطط لتحركه من سياسات الينوى الصغيرة إلى داخل المشهد الوطني، وفي عام 2003م أوردت جماعة فورورد تقريراً عن كيفية "مخاطبته لجمهور الناخبين المؤيدين لإسرائيل"، فلقد شارك في رعاية تعديل قانون ولاية الينوى للمنح لأن يسمح لولاية الينوى بإقراض أموال للحكومة الإسرائيلية، ولقد كان بيني بريتزكر من بين أوائل مؤيديه - وهو ألان يرأس تمويل حملته الوطنية -، وهو سليل أسرة تحررية ولكنها ذات ولاء صهيوني، والتي تمتلك سلسلة فنادق حياة، "ولقد تم بناء فندق حياة ريجنسى على جبل مونت سكوبس على الأرض بعد أن تم مصادرتها من ملاكها الفلسطينيين بالقوة بعد احتلال إسرائيل للقدس في عام 1967م"، ولقد قام أيضاً بتعيين العديد من المستشارين المؤيدين لإسرائيل.
لقد كان أوباما أيضاً قريب الصلة ببعض العرب الأمريكيين، وكان يحصل على نصائحهم واستشاراتهم، تعمل طريقته الصارمة على تقوية وتدعيم درس بأن الدوائر الضعيفة سياسياً قد تعلمت العديد من المرات، وهذا يعنى أنه لا يمكن ترجمة الوصول إلى الناس بالقوة فقط إلى نفوذ على السياسة، يعتبر المال والأصوات الانتخابية التي يتم ضخها - وبخاصة المال - من خلال شبكات عمل معقدة ومنسقة والتي بإمكانها "تجميع" المنح الصغيرة، وتحويلها إلى العديد من الملايين من الدولارات هي الأشياء التي تؤثر على السياسة، وحالياً لا يزال أمام مؤيدي الحقوق الفلسطينية المئات من الأميال للوصول إلى تلك الشبكات في تدبيراتهم، فإذا لم يخرجوا ويبذلوا قصارى جهدهم من أجل بناء تلك الشبكات؛ أو أن يعملوا على تدعيم القيام بإصلاح ذي مغزى لحملة التمويل؛ فلن يوجد هناك تأثير واضح للهمس في أذان الساسة، "ولقد قمت بأداء دوري فيما يستحق العناء والجهد، فلقد تقابلت مؤخراً مع مساعد أوباما التشريعي، ولقد كتب إلى أوباما طالباً منه اتباع سياسة أكثر توازناً تجاه فلسطين".
لن يكون لوجه أوباما المرتقب وقع المفاجأة بالنظر إلى علاقاته التاريخية مع الفلسطينيين الأمريكيين، حتى وإن كان الأمر محبطاً، إنه يفعل فقط ما يعتقد أنه ضروري من أجل أن يتم انتخابه، وسوف يستمر في القيام بهذا إذا أبقى عليه هذا في مركز السلطة، يقع الفلسطينيون الأمريكيون في نفس موقف المؤيدين المحليين لمبدأ الحرية الذين شاهدوا - والرعب يملأ قلوبهم - حينما صوت أوباما لصالح إعادة الترخيص لقانون الولايات المتحدة لصواريخ الباتريوت، أو أولئك المدافعين عن حقوق الهجرة، والذين ارتعدوا بسبب أنه صوت في صالح مشروع قانون جمهوري يقضي بالترخيص ببناء سور بطول 700 ميل على الحدود مع المكسيك.
ربما هناك أمل في تحويل المسار الكارثي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فقط إذا كان هناك أشخاص كثيرون يعلمون ما يمثله أوباما ومنافسوه، وإذا قاموا أيضاً بتنظيم أنفسهم من أجل إجبارهم على الانتباه إلى اهتماماتهم، وما يعتبر هذا المشروع في أفضل حالاته إلا مجرد مشروع طويل المدى لا يمكنه أن يحل محل تدعيم الحملة المتزايدة للمقاطعة، وإعادة الحقوق المسلوبة، والعقوبات التي نحتاج لفرضها لكي تقف إسرائيل في موقف المساءلة عن عنفها المتزايد، وتدعيمها للفصل العنصري.
__________________________
* مؤسس مشارك في موقع "الانتفاضة الالكترونية" ومؤلف كتاب: "وطن واحد: مقترح صلب لإنهاء المأزق الفلسطيني الإسرائيلي".