مقتدى وركوب المخاطر (1-2)
باتريك كوكبرن - Patrick Cockburn - مراسل صحيفة
ترجمة: يوسف شلي
11- 4- 2008م
يعتبر مقتدى الصدر أهم وأغرب أنموذج ظهر في العراق منذ الغزو الأمريكي، فهو زعيم ديني وسياسي لشرائح الشيعية الفقيرة التي تعرضت حياتها للخراب قبل ربع قرن بسبب الحرب والقمع والعقوبات.
ومنذ اللحظة التي ظهر فيها فجأة في الأيام الأخيرة من حياة نظام صدام حسين؛ سعت الولايات المتحدة من خلال مبعوثيها - إضافة إلى المبعوثين السياسيين العراقيين - إلى التقليل من شأنه، وبعيداً عن كونه "مثيراً للقلاقل بصفته رجل دين" كما جاء وصفه في الكثير من الأحيان في وسائل الإعلام الغربية، إلا أنه أثبت في مرات كثيرة قدراً كبيراً من الحذر في قيادة أتباعه.
وأثناء معركة النجف مع مشاة البحرية الأمريكية المارينز في 2004م، واندفاع الولايات المتحدة عام 2007م للتصدي له، والحرب المتصاعدة مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق؛ سعى الصدر من أجل حل وسط بدل المواجهة، إذن وبعيداً عن كونه شاباً عديم الخبرة، وإن كانت صورته المتجذرة عند منتقديه - كما ظهر للوهلة الأولى - أقرب إلى صورة "الطفل الجاهل" في اللهجة العراقية، فإنه كان على مستوى عال من الخبرة السياسية، والحنكة والدهاء، حين كان يعمل في مكتب والده في النجف منذ أن كان مراهقاً.
كما كان حوله نشطاء من رجال الدين من نفس العمر، أو أصغر منه سناً؛ الذين كانوا يتمتعون بالخبرة، والتواصل مع الشارع السياسي داخل إطار المجتمع الشيعي القابع تحت وطأة نظام صدام، وكان إدراكه المبكر لمعاناة العراقيين العاديين، وإحساسه بآلامهم جعله أكثر اهتماماً بهم مقارنة بالسياسيين العراقيين المعزولين في المنطقة الخضراء في بغداد.
غالباً الحركات الجماهيرية التي يقودها قادة دينيون لها تاريخ على نحو ساطع وباهر غير متوقع عند انطلاقتها، ثم تنحسر بعد ذلك، وتغرق في التفاهة، هذا كان يمكن أن يحدث لمقتدى والصدريين، لكنه لم يحدث بسبب أرضيتهم السياسية، ومعتقداتهم الدينية؛ التي فرضت نفسها لصالح استمرار مشروع انعتاق الحركات الجماهيرية الشيعية من هيمنة واستغلال الطبقة السياسية التي جاءت ومشروعها على ظهر الدبابات الأمريكية.
ومنذ اللحظة التي أطيح فيها بصدام حسين فإن مقتدى نادراً ما انحرف عن معارضته للاحتلال الأمريكي، حتى عندما كانت أغلبية المجتمع الشيعي على استعداد للتعاون مع المحتلين.
وكلما مرت السنوات زادت درجة خيبة الأمل من الاحتلال، ونمت في صفوف الشيعة، حيث وبحلول سبتمبر 2007م أظهر استطلاع للرأي أن 73% من الشيعة يعتقدون أن وجود القوات الأمريكية في العراق جعل الوضع الأمني يزداد سوءاً، وأن 55% يعتقدون أن رحيلها من شأنه أن يقلل من احتمالات حدوث الحرب الأهلية الشيعية - السنية.
الحكومة الأمريكية، والسياسيون العراقيون، ووسائل الإعلام الغربية؛ لم يعتادوا الاعتراف بحجم عداء العراقيين لاحتلال بلادهم، وعدم شرعية القيادة المرتبطة به.
جميع الحكومات التي توالت في بغداد فشلت بعد 2003م، وتقريباً لم يؤيد أحد صدام حسين، بل إن وحدات الحرس الجمهوري الخاص "المنحل" الموالية له تركت مواقعها، وعادت إلى بيوتها، وكان العراقيون على وعي عميق بأن بلدهم يتربع على أحد أكبر احتياطات النفط، ولكن صدام حسين الذي كان يشبه المفتش كلوسو (clouseau) في السينما، الذي اشتهر بقدرته على ارتكاب الأخطاء الكارثية في السلم والحرب وتكرارها؛ دفع بالشعب إلى حالة من الفقر والعوز، حتى أصبح أبناؤهم لا يحصلون على ما يكفي من الطعام.
إن بداية انفجار غضب المحرومين في العراق ضد السلطات القائمة آنذاك تجلت في نهب بغداد عندما سقط النظام البائد، ونفس الغضب لزم أنصار مقتدى في وقت مبكر، وكان من المتوقع أن يكون العيش في العراق أكثر سهولة بالنسبة إلى الشيعة "المضطهدين سابقاً" في السنوات المقبلة، وربما كان هذا ما قوض الحركة الصدرية مع بداية الاحتلال.
وبدلاً من ذلك رأى الناس مستويات معيشتهم تدهورت بموازاة نقص الحصص الغذائية، والمياه النظيفة، والكهرباء.
كان المسؤولين في عهد صدام فاسدين بما فيه الكفاية، ولكن الحكومة الجديدة المنحصرة في المنطقة الخضراء تحولت بسرعة إلى (كليبتوقراطية - kleptocracy) وهو مصطلح مشتق من كلمتي (klepto+cracy) بمعنى الحكم عبر اللصوص أو حكم اللصوص مقارنة بما يحدث في نيجيريا أو الكونغو.
مقتدى لمس عن قرب بغض الناس للحكومة القائمة، وعرف تياره كيف يراوغ بكفاءة عالية من خلال وجوده في الحكومة وخارجها، وتمتعه ببعض ثمار ومكاسب السلطة، في حين شجب أولئك الذين أفسدوا فيها، ولا يشك أحد في ذكاء مقتدى السياسي، ولكن شخصية هذا الرجل الغامضة يصعب حصرها.
سابقاً عاش مقتدى في ظل والده وأخيه الأكبر؛ حتى بعد اغتيالهما في عام 1999م، وكان له كل الحق ليلفت نظر الآخرين إلى افتقاره القدرة أو الطموح إلى القيادة حتى لا يعطي المخابرات [الشرطة السرية لصدام حسين] مبرراً لقتله، فهو كان المشتبه به الرئيس في الحركة، كما أن حركته كانت تحت طائلة المراقبة، وعندما سقط صدام كثف مقتدى مطالبه بخصوص استرجاع "الإرث السياسي" للعائلة، وكانت هناك ملصقات تظهر جنباً إلى جنب مقتدى الصدر الأول والصدر الثاني (صهر مقتدى والأب، اللذان تم اغتيالهما من قبل صدام) على خلفية العلم العراقي، وكان هناك أكثر من زعيم شيعي يحلم باستغلال ارتباطاته بقريب له محترم من طرف الطائفة، وله صيت وسمعة، في حين أكد مقتدى الصدر وبإصرار على التركة الإيديولوجية للحركة: خليط من إسلام شيعي صارم في مواجهة الامبريالية.
* التيار الصدري وركوب المخاطر:
المرة الأولى التي فكرت فيها جدياً حول مقتدى كان في يوم قاتم خلال أبريل 2003م، عندما سمعت أنه وجهت له تهمة قتل أحد أصدقائي سيد مجيد الخوئي، الرجل الذكي والبارع، الذي كان لي معه مناقشات حول مستقبل العراق، ومهما كانت درجة تورط مقتدى - وهي من الموضوعات التي تشكل بؤرة نزاع حقيقي في الوسط الشيعي -؛ فإن تورط أفراد من أنصار التيار الصدري في الاغتيال ثابت فعلاً بالوقائع، وكان نقطة بداية وجود نمط ما يكرر نفسه على مر السنين داخل هذا التيار.
كان مقتدى دائماً رجل يغامر بركوب المخاطر، أحياناً من خلال ترأسه الحركة، وأحياناً من خلال سيطرته على الحركة الجماهيرية باسم العائلة، كلماته وإجراءاته غالباً ما كانت بعيدة عن بعضها، وكان قد ناشد من أجل الوحدة بين الشيعة والسنة ضد الاحتلال، إلا أنه بعد تفجير المزار الشيعي المقدس في مدينة سامراء ذات الغالبية السنية في فبراير 2006م كان السنة ينظرون إليه وكأنه غول ينسق المذابح ضدهم، ولا يكبح فرق الموت التابعة لجيش المهدي.
الحجج التي قدمها مقتدى إلى السنة بعد افتضاح ميليشياته المتهمة بالمجازر لم تكن مقنعة بزعمه أنها من فعل "العناصر المارقة" في صفوف الميليشيات الصدرية؛ لأن مذبحة بهذا الشكل المنظم لا يمكن أن يكون من عمل عناصر هامشيه فقط، ولكنَ الصدريين والشيعة بصفة عامة يمكنهم الادعاء أنهم لم يكونوا المبادرين في هذه المجازر ضد السنة، بل إن الطائفة الشيعية عانت كثيراً من المذابح على أيدي القاعدة لسنوات عديدة قبل أن ينفذ صبرهم.
وطالب مقتدى مراراً من الزعماء السياسيين والدينيين السنة، وبشكل قاطع لا لبس فيه؛ إدانة تنظيم القاعدة في العراق لهجماته المروعة ضد المدنيين الشيعة، إذا كان يأملون منه التعاون معهم ضد الاحتلال، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، وهذا الفشل كان قصر نظر من جانبهم لأن الشيعة يسيطرون على جزء كبير من الشرطة، والجيش، ومفاصل الدولة، وعندما يتعلق الأمر بالانتقام لابد وأن تكون عواقبه مدمرة.
توالت الانتقادات في حق مقتدى لأنه لم يفعل الكثير لوقف هذه المجازر "نحن نحاول معاقبة أولئك الذين يقومون بهذه التجاوزات باسم جيش المهدي" يقول حسين علي الزعيم السابق لجيش المهدي، "ولكن هناك الكثير من المناطق الشيعية التي ليست من السهل التحكم فيها، ونحن أنفسنا - ونتحدث هنا بصراحة - خشينا في بعض الأحيان من ردة فعل هذه الجماهير الغاضبة".
نادراً ما أظهر المسئولون الأمريكيون والصحفيون الأجانب تفهمهم لمقتدى الصدر وحركته حتى بعد المحاولة الكارثية للحاكم الأمريكي السابق في العراق بول بريمر، الذي اضطلع بمسؤولية الإشراف على التحول الديمقراطي في العراق لسحق الحركة في عام 2004م، وكانت هناك محاولات مستمرة لتهميشه أو إبقائه خارج الحكومة بدلاً من محاولة توسيع الحكومة العراقية، ودعم قاعدة تمثيلها الضيق لتشمل الصدريين، والشخصيتان الشيعيتان الرئيسيتان اللتان انتخبتا في منصب رئاسة الوزراء العراقية إبراهيم الجعفري ونوري المالكي تعرضا لضغط شديد من واشنطن لقطع أو الحد من علاقتهما مع مقتدى.
لم يكن المسؤولون الحكوميون وحدهم في حيرة إزاء رجل الدين الشاب، وفي مقال مطول نشر حوله وأعماله في 4 ديسمبر 2006م اعترفت مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن "مقتدى الصدر قد يقرر في آخر المطاف مصير أمريكا في العراق".
يتبع