هل تراجعت أمريكا عن ضرب إيران؟
د. رفعت سيد أحمد
17/12/2007م
تظل لعبة الأمم هي الفلسفة الكامنة خلف سياسات واشنطن في العالم وفي منطقتنا على وجه الخصوص، فهي تلعب بالدول، وبالجماعات، والمؤسسات عبر أجهزة المخابرات، من أجل مصالحها بالأساس، وليس حباً أو حرصاً على مصالح تلك الدول المتلاعب بها.
* مصداقاً للعبة الأمم ما جرى خلال الأسابيع الماضية، فبعد توتر حاد دفع البعض إلى التنبؤ بل أحياناً الجزم بأن ثمة حرباً إيرانية أمريكية ستنشب في الصيف الماضي، وأنها ستستهدف المواقع النووية، والبنية التحتية الإيرانية، إلى تراجع تدريجي من احتمالات هذه الحرب، إلى بيان "أو تقرير" مفاجئ من 16 وكالة مخابرات أمريكية "تعمل جميعها تحت مظلة واحدة اسمها الـ C.I.A" يعلن براءة طهران من نية السعي لإنتاج أسلحة نووية، بل ويجزم بأنها منذ "العام 2003م" توقفت عن برنامج إنتاج هذه الأسلحة، واتجهت إلى التكنولوجيا النووية السلمية.
ترى هل كان هذا التقرير من أجل "سواد عيون الإيرانيين"؟ أم أنه جاء إثر صفقة بين واشنطن وطهران على حساب الملفين اللبناني والعراقي؟ أم أن الإدارة الأمريكية تتخبط بالفعل، وتتعارض تقارير أجهزتها، وأحياناً تتحارب بسبب هزيمتها في العراق، ولبنان، وهى لذلك تخشى بالفعل فتح جبهة جديدة ستكون أقسى وأمر مع دولة مثل إيران؟
التفسيرات عديدة، ولكنها تحتاج إلى قدر من التأمل؛ عله يفيد خاصة عند حكامنا العجزة الساكنين في منطقة ملتهبة.
محتوى التقرير:
في البداية دعونا نسأل: ماذا احتوى وباختصار تقرير وكالات المخابرات المركزية الأمريكية حتى نبنى تحليلنا على معلومات صحيحة، باختصار وفى نقاط محددة يقول التقرير المخابراتي حول البرنامج النووي الإيراني الآتي:
- نعتقد بدرجة عالية من الثقة أن إيران أوقفت في نهاية2003م برنامجها للتسلح النووي، وبدرجة متوسطة من الثقة أن البرنامج لم يستأنف منتصف العام الحالي.
- قرار طهران وقف برنامجها للتسلح النووي يوحى بأن طهران أقل تصميماً على تطوير أسلحة نووية مما كنا نعتقد منذ 2005م، لكن إيران تبقى خيار تطوير أسلحة نووية مفتوحاً.
- الوسيلة المرجحة لإيران لإنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع قنبلة نووية هي تخصيب اليورانيوم الذي بدأته الجمهورية الإسلامية في يناير 2006م.
- حققت إيران تقدماً كبيراً هذه السنة في إقامة أجهزة للطرد المركزي في موقعها النووي الأكبر في ناتانز، لكننا ننظر بثقة متوسطة أنها ما زالت تواجه مشكلات تقنية كبيرة في تشغيلها.
- وكالات المخابرات لديها ثقة بدرجة متوسطة بأن أقرب موعد يمكن أن تصبح فيه إيران قادرة تقنياً على إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب لإنتاج أسلحة هو عام 2009م، لكن احتمال تحقيق ذلك ضئيل جداً.
- نعتبر بدرجة متوسطة من الثقة أن إيران ستكون قادرة على إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب لأسلحة في الفترة ما بين2010م و2015م.
- لن تكون إيران قادرة تقنياً على إنتاج ومعالجة كمية كافية من البلوتونيوم لأسلحة قبل عام 2015م.
- قرار إيران وقف تطوير برنامجها النووي العسكري في2003م جاء أولاً رداً على الضغط الدولي، وهذا يوحى بأن طهران ليست على عجلة لصنع أسلحة، مع الاستخفاف بالثمن السياسي والاقتصادي والعسكري لذلك، وهذا يعنى في المقابل أن تضافر التهديدات بتكثيف المراقبة الدولية والضغوط يمكن أن يدفع هذا البلد إلى تمديد وقف برنامجه النووي العسكري.
- قرار سياسي إيراني بالتخلي عن هدف إنتاج أسلحة نووية يمكن أن يبقى إيران بعيدة عن إمكانية إنتاج أسلحة نووية، وقرار من هذا النوع يمكن الرجعة عنه.
لماذا التصعيد؟
هذه هي عصارة تقارير الـ"C.I.A" عن برنامج إيران النووي، وهي كما نرى مضطربة، فتارة إيران بإمكانها أن تنتج أسلحة نووية في عام 2009، وتارة أخرى "أن هذا مستبعد"، أو "نسبة تحققه ضئيلة جداً"، ولكن أهم ما خلص إليه هذا التقرير أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري عام 2003م.
* إذن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن المراقب هنا: إذا كانت إيران قد أوقفت برنامجها النووي العسكري بالفعل عام 2003م؛ فلماذا كل هذا التصعيد الأمريكي/ الإسرائيلي ضدها طيلة السنوات الخمس الماضية "2003م – 2007م" ولمصلحة من؟ بل لماذا انزعج الرئيس الأمريكي وفريقه ممن تبقى من المحافظين الجدد لهذا التقرير؟ هذا هو التوزيع الجديد للأدوار في لعبة أمم جديدة يتم لعبها مع طهران، ولعل في دعوتها لمؤتمر دول مجلس التعاون الخليجي الأخير يهدف لاحتوائها، أو لإلقاء طعم سياسي لها يسمح لواشنطن الحليفة الاستراتيجية لمشيخات الخليج كي تكمل لعبتها الجديدة مع طهران، تمهيداً لضربها عسكرياً في النهاية، ولكن بعد استنفاد الوسائل السياسية الاقتصادية الأخرى؟
إن التساؤلات عديدة بشأن الملف الإيراني/ الأمريكي، ولكن الإجابة عليها في تقديرنا تكمن في أننا إزاء فلسفة كاملة وخطيرة تحكم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة اسمها "لعبة توزيع الأدوار"، وهى لعبة تتقنها واشنطن جيداً عندما تخفق في استخدام وسائلها الصلبة التقليدية "الحروب العدوانية"، فتستبدلها بالأساليب الناعمة "السياسة والثقافة والاقتصاد"، وهذا التقرير الأمريكي المخابراتي الذي رفضه ظاهرياً "بوش ورايس وديك تشيني" هو ذاته الذي قال عنه "جيتس" وزير الدفاع الأمريكي في الخليج العربي الملتهب "إن طهران لم تقرأ التقرير جيداً، ففيه من التفاصيل ما يسمح لنا بالتأكيد على أن إيران ستظل الخطر الأكبر في المنطقة، أما أسلحة إسرائيل النووية فلا خطر منها" لقد كشف الرجل ما حاولت إدارته أن تخفيه أو تلهى به المنطقة باسم تقرير الـ 16 وكالة مخابراتية.
إن طهران - كما هي دمشق - وغداً الرياض والقاهرة على قائمة الاستهداف الأمريكية في المنطقة سواء بالوسائل المباشرة "عسكرياً" أو غير المباشرة "سياسياً واقتصادياً"، والأمر ليس سوى مسألة وقت، ولكن هل عجزنا نحن العرب والمسلمين على أن نوقف هذه اللعبة المخيفة "لعبة الأمم" الأمريكية القاتلة تلك، والتي تمارس علينا منذ أكثر من ستين عاماً، وظللنا دائماً في موقع المتلاعب به أو المفعول به، وليس الفاعل؟
إن الإجابة هي بالقطع: لا، ولكن من يستطيع قولها؟!
* أسئلة كانت ثمة إجابات جديدة عليها هذه الأيام، إلا أن حكامنا العرب لم يتبنوها ربما خوفاً من واشنطن، أو تماهياً وعشقاً لها ولهيمنتها في المنطقة.
حول التعاون العربي الإيراني:
من أبرز هذه الإجابات كانت ما قدمه الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" في قمة دول مجلس التعاون الخليجي حين قدم اثني عشر اقتراحاً للتعاون العربي/الإيراني تسمح بالخروج من اللعبة الأمريكية اللعينة في المنطقة، والتي تحاول أن تدفعها إلى مربع "العنف والدمار الذي تبتغيه بالأساس إسرائيل" كما هو معلوم.
لقد قدم "نجاد" سواء كان صادقاً أو كاذباً مقترحات نحسب أن دراستها، والعمل في اتجاه الأخذ بها ما قد يفيد، ولعل من أبرزها وفقاً لنص كلماته ما يلي:
1- تأسيس منظمة التعاون الاقتصادي: بالنظر إلى القدرات والإمكانات الهائلة التي تتمتع بها الدول السبع الحاضرة في هذا الاجتماع، فإن تأسيس منظمة التعاون الاقتصادي بغية تفعيل العلاقات الاقتصادية، والاستثمارات المشتركة والمتبادلة في شتى المجالات الصناعية والزراعية، والطاقة والنقل بصورة مطردة من شأنه أن يؤدى إلى خدمة شعوب المنطقة.
2- إلغاء التأشيرات بهدف تسهيل تنقل المواطنين بين دولنا السبع: إن المبادرة بإلغاء التأشيرات تفتح فرصاً وآفاقاً رحبة جداً أمام تنقل مواطني دول المنطقة، وتوثيق العلاقات الاقتصادية والثقافية، وتعزيز علاقات الصداقة ببين شعوب المنطقة.
3- السماح بتمليك العقارات بين دول المنطقة: إن القيام بهذه الخطوة يمهد الأجواء المثالية للأمن الاستثمارى، وسيغدو عاملاً مشجعاً للاستثمارات الطويلة المدى، والمستدامة بينهم.
4- الاستثمار المشترك في مصادر النفط والغاز على الصعيد الصناعي والمتعدد الأطراف: إن المصادر العظيمة للنفط والغاز خاصة المصادر المشتركة تشكل فرصة ملائمة في سبيل التعاون بين دول المنطقة عن طريق العمل المشترك، وتعد خطوة ومبادرة هامة في توطيد العلاقات الشاملة والعادلة بين دول المنطقة.
5- التخطيط والبرمجة لإقامة التجارة بين البلدان: لقد جاء هذا الموضوع الهام في البيان السابق الصادر عن مجلس التعاون، وإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعلن استعدادها للمشاركة مع أشقائها في هذا المجال، وكذلك إقامة مناطق تجارية حرة بواسطة مشاريع الاستثمارات المشتركة.
6- تأمين الماء والغاز الذي يحتاجه الأشقاء العرب: تعلن الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن استعدادها لتأمين ماء الشرب، وكذلك تلبية احتياجات الدول الشقيقة في مجال الغاز.
7- تشغيل ممر الشمال - جنوب: إن هذا الممر يلعب دوراً هاماً للغاية في تطوير التجارة، وتعزيز العلاقات، ونشر السلام والأمن في المنطقة، ومن هذا المنطلق تعلن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعدادها لتشغيل ممر الشمال – جنوب، وإمكانية استخدام خطوط السكك الحديدية والبرية لتسهيل الأمور، كما تعلن استعدادها لنقل الطاقة عبر نفس هذا الممر وذلك بواسطة الاستثمارات المشتركة لدول المنطقة.
8- تنمية السياحة النزيهة والعائلية: نظراً للمعالم السياحية والدينية الكثيرة، وضرورة التعريف بهذه المعالم، وتشجيع مواطني هذه الدول على زيارة هذه الأماكن؛ فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤكد ضرورة توفير التسهيلات اللازمة للسياحة النزيهة، وذلك بالحفاظ على القيم الأسرية السامية.
9- التعاون في مجال مساعدة الدول الإسلامية والدول الفقيرة: إذا توحدت العلاقات السياسية والاقتصادية لدينا فهل سنشهد ظلم الأجانب في حق الشعوب الإسلامية في فلسطين والسودان والصومال، وإذا تم جمع المصادر المالية المجمدة في المصارف الغربية في مصرف مشترك أو البنك الإسلامي للتنمية؛ فإن الفقر سيتم استئصاله في الدول الإسلامية والصديقة، ولا شك لا يمكن تنفيذ أي مشروع تنموي بدون تخصيص الاعتمادات المالية.
10- تأسيس وإنشاء مؤسسات أمنية للتعاون.
هذه المقترحات سواء كان صاحبها صادقاً أو كاذباً فيها، وسواء كان يريد بالفعل تحقيقها أو أنه يقولها للمناورة؛ فإننا نحسبها مقترحات جديرة بالتأمل والعمل على نقلها إلى مربع الفعل، هذا طبعاً مرتبط بما إذا كان حكام هذه البلاد يريدون الخير لشعوبها، ويرفضون بالفعل - لا القول - أن تهيمن أمريكا أكثر، وأن تحيل بلادهم إلى خراب كما هو حال "العراق الجديد" الديمقراطي وفقاً لفهم بوش للديمقراطية، والتي قال عنها أحد المفكرين البريطانيين ذات يوم: "كلما تحدث بوش عن الديمقراطية تحسست رأسي".
* ترى هل يدرك أولو الأمر في أوطاننا خطورة اللحظة الراهنة في الخليج وحوله، أم أنهم لا يزالون غير قادرين "أو غير راغبين" على تحسس رؤوسهم، ولا معرفة موضع أقدامهم كما هي عادتهم منذ نصف قرن أو يزيد.