واشنطن وصناعة التضليل الإعلامي

علي صلاح

17 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 23- 4- 2008م

الخبر:

أماطت صحيفة أمريكية اللثام عن حقيقة أن محللين عسكريين أمريكيين كثيرين ممن تستخدمهم شبكات تليفزيونية كمعلقين بشأن العراق قامت بإعدادهم وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون.

التعليق:

من الدروس القليلة التي تعلمتها الولايات المتحدة الأمريكية من هزيمتها في حرب فيتنام أهمية دور الإعلام في تغيير الحقائق، وخداع الجماهير، وتفويت المخططات القذرة تحت اللافتات البراقة، والأضواء اللامعة، فهناك عدد من كبار الساسة الأمريكيين يعتقدون أن الهزيمة في فيتنام كان سببها الرئيس هو الفشل في إدارة المعركة إعلامياً، وإعطاء فرصة للصحافة للاقتراب من موقع الأحداث بشكل أكبر مما ينبغي؛ الأمر الذي أثار الرأي العام الداخلي، وجعله يضغط بشدة على القرار السياسي.

أمريكا تعلم جيداً أن الساحة الإعلامية الآن تشهد تطوراً ضخماً، فهناك الإنترنت، وخدمة رسائل الجوال، والقنوات الفضائية المتنوعة، وهو ما يزيد من خطورة الآلة الإعلامية وتأثيرها، يقول الصحافي الفرنسي إيريك رولو: "في خضم الصراعات والحروب تسمح الدول العظمى لنفسها بممارسة شتى أنواع التضليل لشرعنة أفعالها، وتوهيم العالم بأحقية خطابها، فيصبح التلاعب بالمعلومات شائعاً في أجواء الحرب عندما يكون كل شيء مكرساً لتعبئة الشعب، ونشر أنصاف الحقائق من خلال الإسقاطات، وبث الإشاعات التي لا يمكن التأكد من صحتها، وتعرف الحرب على أنها عادلة، ولا مفر منها، ودفاعية، وتصبح وقائية إذا ما اتخذت إحدى الدول المبادرة في النزاع خلافاً للمعاهدات الدولية...".

وما كشفته صحيفة النيويورك تايمز مؤخراً بشأن تسريب وزارة الدفاع الأمريكية لعدد من المحللين الذين قامت بإعدادهم لتحسين صورتها، والسيطرة على عقول الجماهير عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ يؤكد هذا المنحى اللاأخلاقي، ويبرهن على مدى ضخامة الشعور بالهزيمة في العراق لدى المؤسسة العسكرية الأمريكية خصوصاً مع توالي التصريحات التي تؤيد هذا الاتجاه، ومن أقرب المقربين؛ فقد اعتبر مسئول كبير سابق في وزارة الدفاع الأمريكية أن الحرب في العراق "هزيمة نكراء"، وقال جوزف كولينز مساعد وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد: إنه إذا جرى قياس "الحرب في العراق بالدم الذي أريق، والمال الذي صرف؛ فقد أصبحت أم الحروب وهزيمة نكراء"، كما توقع "باري بوزان" وهو باحث استراتيجي معروف، ويشغل أيضاً منصب أستاذ العلوم السياسية بجامعة (MIT) الأمريكية في دراسة صدرت مؤخراً في "إسرائيل" نهاية مأساوية للجيش الأمريكي في العراق، مرجحاً أن تقوم الولايات المتحدة بانسحاب تدريجي من العراق خلال العام الجاري.

والحقيقة أن الولايات المتحدة بدأت مخططها التضليلي قبل بداية غزو العراق عندما بالغت في قدرات العراق النووية، وأشاعت علاقة النظام العراقي بالقاعدة، كما ضخمت بشدة من قدراته العسكرية وخطورته على جيرانه على الرغم من مرور أكثر من عقد على الحصار الخانق الذي فرض على العراق بعد حرب الخليج الثانية، كما قامت بتجديد الحديث عن مذابح الأكراد، وديكتاتورية النظام تجاه شعبه، وتم بث هذه الدعايات على نطاق واسع، ومن خلال عدد كبير من الصحف والمجلات، والفضائيات والمحللين، وكأن هذه الاتهامات ظهرت فجأة في صباح أحد الأيام والمجتمع الدولي نائم، ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا تصر واشنطن على تلجيم أجهزة الإعلام التي تسعى لإظهار حقيقة ما يحدث في العراق وأفغانستان، متهمة إياها بتشجيع "الإرهاب"، ضاربة عرض الحائط بمفاهيم "حرية الرأي والتعبير" التي تعتبرهما من ثوابت "نهضتها الحضارية".

http://islammemo.cc:المصدر