أفغانستان تغير تكتيكي في المقاومة
ترجمة: شيماء نعمان
29 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 5- 5- 2008م
استرعت محاولة الاغتيال التي تعرض لها مؤخراً الرئيس الأفغاني "حامد كرزاي"، والتي أعلنت طالبان مسئوليتها عنها؛ الانتباه إلى التحول التكتيكي في عمليات المقاتلين الإسلاميين في أفغانستان، وبالرغم مما يثيره المسئولون الغربيون بين حين وآخر بشأن خبوت جذوة طالبان، وبدء انهيارها؛ فإن الحادث الأخير ربما سيدفع أجهزة الاستخبارات لإعادة مراجعة مثل ذلك التقييم.
وتحت عنوان "أفغانستان .. حرب متغيرة" أشارت صحيفة "الإيكونوميست" البريطانية في مقال نشره موقعها الإلكتروني في التاسع والعشرين من أبريل الماضي إلى أن أفغانستان أصبحت كبيرة الشبه بالعراق، وجاء في المقال:
كان من المفترض للعرض العسكري الذي شهدته كابول في "يوم المجاهدين" نهاية الأسبوع أن يُقدم القوات المسلحة الأفغانية الحديثة ذات التدريب الغربي بينما تبلغ سن الرشد، وقد اصطف الرئيس "حامد كرزاي" وغيره من السياسيين الأفغان، ولفيف من الدبلوماسيين؛ في منصة لاستعراض القوات، وبينما بدأ إطلاق النار للتحية من 21 بندقية؛ فرقع ما بدا أنه مفرقعات نارية احتفالية آتية من ناحية فندق بالٍ يبعد مسافة نحو 400 متر، وبينما أطلق ستة عناصر مسلحة بالأسلحة الخفيفة من مقاتلي طالبان طلقات عشوائية ألمت حالة من الهلع بكبار الشخصيات والعسكريين، وتناثرت أجزاء من الزي الرسمي بينما تدافعوا بحثاً عن موضع آمن.
إن الخسائر الناجمة عن الهجوم لم تكن بالخطورة التي كان من الممكن أن تصبح عليها: فقد تمكن المسلحون من قتل ثلاثة أشخاص وإصابة 11، ولكنهم أخفقوا في الاقتراب من هدفهم الرئيس السيد كرزاي، بالرغم من ذلك فإنهم قد أحرزوا نصراً دعائياً معتبراً، إن اللقطات التليفزيونية للاضطراب والتي أذيعت داخل البلاد وخارجها أكدت أن العاصمة الأفغانية في متناول يد المقاتلين الإسلاميين.
وكان متحدث باسم طالبان قد قال متفاخراً في أعقاب الهجمات: "إننا يمكننا مهاجمة أي موضع نريده".
ويُعد ذلك ثاني أكبر ضربة تتعرض لها كابول خلال هذا العام، ففي يناير قامت فرقة فدائية مكونة من ثلاثة أفراد تنتمي لطالبان باقتحام ردهة أحد الفنادق الكبرى في المدينة ومنتجعه الصحي، حيث صرعت ثمانية أشخاص من الطاقم والرواد، وربما كان من الممكن أن يصير الحادث الذي وقع مؤخراً أكثر سوءاً، فقد أعلنت أجهزة استخبارية غربية أن هجوماً آخر أكثر تعقيداً كان مخططاً لليوم نفسه - وكان سيشتمل على عدد من المفجرين الفدائيين - قد تم إحباطه، وقيل كذلك: إن هجمات كبرى أخرى قد تم إجهاضها في كابول أيضاً.
إن مثل تلك الادعاءات من الصعب أن تمنح الاطمئنان، حيث يبدو أن طالبان تتبنى بصورة مكثفة أساليب جديدة، بما فيها نوع الهجمات "الإرهابية" التي طالما شوهدت في العراق.
ويذهب بعض المتفائلين إلى أن حكومة أفغانستان لا تزال مستقرة نسبياً، وأنه - على الرغم من الانتكاسات الأخيرة في كابول - لا توجد أدلة على حدوث قفزة في قدرة طالبان، ويبدو من المُرجح أنه في أغسطس كما هو مقرر ستتولى القوات الأفغانية المسئولية الأمنية في جميع نواحي العاصمة؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يكون خطوة رمزية أولى تجاه التخفيض النهائي في أعداد الجنود الغربيين في البلاد، والتي يرغب الجنرال "دان ماكنيل" قائد قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أفغانستان في أن يبدأ خلال العام 2011م.
غير أن هناك دوافع لاتخاذ الحيطة، فالتلميحات الأخيرة من قِبل بعض المسئولين الغربيين حول أن حركة طالبان آخذة في التفتت تبدو تلميحات مبالغ فيها، حيث إن عمليات طالبان تتصاعد بوجه عام، كما أن طبيعة المواجهات تتغير كذلك، فالخسائر في صفوف القوات الغربية يتسبب فيها على نحو متزايد "صراع غير متكافئ" - مثل القنابل المزروعة على جوانب الطرق والهجمات الفدائية - أكثر منها من خلال المعارك التقليدية، وفي مثل هذا التوقيت من العام الماضي تسببت تلك الهجمات في 44% من الخسائر البشرية، أما الآن فالعدد أكثر ميلاً إلى 80%، في الوقت نفسه انخفضت إصابات الجنود الغربيين بصورة دراماتيكية: من 187 في الربع الأول من العام الماضي إلى 99 فحسب هذا العام، وهو ما يوحي بأن قوات طالبان تتجنب معارك تبادل إطلاق النار لصالح الهجمات ذات الطابع "الإرهابي".
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يُعد تحرك عقلاني من جانب الإسلاميين، حيث في خلال المعارك التقليدية مع القوات الغربية تفقد طالبان بحسب ما تشير التقديرات 15 من مقاتليها على الأقل أمام كل جندي يسقط صريعاً من جنود الناتو؛ إن التحول إلى نموذج غير متكافئ - والذي سبق وأثبت فاعلية مع عناصر المقاومة العراقية - بدا نموذجاً مرجحاً من حين إلى آخر، ويتلاءم هجوم نهاية الأسبوع الذي وقع في كابول مع استراتيجية التطور تلك.
إن مثل هذه الهجمات تتطلب موارد زهيدة، ولكن في استطاعتها تشكيل رأي عام.
وبعيداً عن العاصمة فإن طالبان كذلك لديها استراتيجية صُممت من أجل بناء جبهة معارضة في وجه كلٍ من القوات المسلحة الأجنبية والكيانات الرسمية المحلية الأفغانية التي لا تحظى عادة بشعبية كبيرة، إن الشكاوى بشأن حكومة عقيمة أو فاسدة، وازدياد حدة النزاعات المحلية، والاستياء من الجيوش الأجنبية المنتشرة في البلاد؛ جميع ذلك لديه الإمكانية لإثارة الشعور العام ضد حكم كابول.
وفي معظم أنحاء البلاد - على الأقل - ربما اتخذ قياديو طالبان قراراً بأن الانخراط في معارك ذات تخطيط دقيق يُعد استراتيجية مكلفة، بينما تنفيذ هجمات من نوع "الكر والفر" يكفي لإبقاء جذوة الحرب مشتعلة، وبعد ذلك ربما يصبح الأمر فقط مسألة انتظار: إن أمل طالبان الأكبر ربما كان أن يصمدوا أمام الغرب أكثر منه أن يتغلبوا عليه.