إقامة دولة إسرائيل لازمته أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث
6- 5- 2008م
يذكر المؤرخ اليهودي "إيلان بابه" (ويعتبر الدكتور إيلان بابه واحداً من أهم المؤرخين الإسرائيليين، وهو كبير المحاضرين في علم السياسة بجامعة حيفا، كما يشغل منصب المدير الأكاديمي لمعهد أبحاث السلام) أن مجموعة من أحد عشر رجلاً عقدت اجتماعاً في مساء الأربعاء 10 مارس 1948 في تل أبيب، وقد ضمت هذه المجموعة عدداً من القادة الصهاينة، وضباطاً من العسكريين الشبان، وفي هذا الاجتماع تم وضع اللمسات النهائية على خطة التطهير العرقي في فلسطين، وفي نفس ذلك المساء صدرت الأوامر العسكرية إلى الوحدات في الميدان للاستعداد للقيام بعمليات ترحيل منهجية ومنتظمة للفلسطينيين من مناطق واسعة من البلاد.
وقد تضمنت تلك الأوامر وصفاً مفصلاً للأساليب التي يجب استخدامها لإجلاء السكان الفلسطينيين بالقوة، ومن بين هذه الأساليب: بث الرعب والإرهاب على نطاق واسع، وفرض الحصار على القرى ومراكز التجمع السكاني ثم قصفها، وإشعال الحرائق في البيوت والممتلكات والبضائع، والطرد، وعمليات النسف، وأخيراً زرع الألغام بين الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة.
ووزعت على كل وحدة صهيونية قائمة بالقرى والضواحي المستهدفة في الخطة الأصلية التي أطلق عليها اسم "الخطة دي"، وقد سميت بالعبرية "الخطة داليت"، وهي في الأصل الخطة التي وضعتها عصابة "الهاغاناه"، وسبقتها ثلاث خطط أوضحت بشكل غامض كيف كانت القيادة الصهيونية تفكر في وسيلة التعامل مع وجود عدد كبير من فلسطينيين الذين يعيشون على الأرض التي تطمع الحركة القومية اليهودية في تملكها، أما الخطة الرابعة والأخيرة فقد تحدثت بوضوح ودون غموض عن المصير الذي خبأه الصهاينة للشعب الفلسطيني، إذ قضت بصراحة أن "على الفلسطينيين أن يرحلوا".
ويستشهد البروفيسور "إيلان بابه" بكلمات واحد من المؤرخين اليهود كان أول من أدرك معنى تلك الخطة وهو "سيمخا فلابان" الذي قال: "إن الحملة العسكرية ضد العرب، والتي تتضمن غزو وتدمير المناطق الريفية؛ وضعت ضمن الخطة داليت على يد الهاغاناه"، غير أن هدف تلك الخطة كان في الحقيقة تدمير المناطق الريفية والحضرية في فلسطين، وتلك الخطط هي نتاج حتمي للدوافع الأيديولوجية الصهيونية لفرض وجود يهودي في فلسطين.
ويؤكد المؤرخ "إيلان بابه" أن تطهير الأرض كان على الدوام خياراً قائماً بدءاً من تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، حتى القادة الرئيسيين للمشروع الصهيوني في فلسطين، الأمر الذي يشرحه واحد من مفكري الحركة في عام 1917م وهو "ليو موتسكين" إذ يقول: "إن همنا هو أن استيطاننا لفلسطين يجب أن يسير في اتجاهين: الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل، وإعادة توطين عرب إسرائيل في مناطق خارج الدولة، وقد يبدو تهجير ذلك العدد الكبير من العرب لأول وهلة غير مقبول من الناحية الاقتصادية، ولكنه مع ذلك ممكن من الناحية العملية، ولا يحتاج إعادة توطين قرية فلسطينية في بلاد أخرى إلى أموال كثيرة".
ويضيف "إيلان" أن الحقيقة الواضحة هي أن الذين قاموا بطرد الفلسطينيين هم وافدون جدد على البلاد، يشكلون جزءاً من مشروع استيطاني يربط حالة فلسطين بتاريخ التطهير العرقي الاستيطاني في أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وأستراليا، حيث ارتكب المستوطنون البيض جرائم مماثلة، وفيما بين الانتفاضتين الفلسطينيتين عامي 1928 و1929م لم تُضِع قيادة الحركة الصهيونية وقتاً، حيث أسرعت في العمل على تنفيذ خططها لتحقيق وجود يهودي صرف في فلسطين.
فبدأت أولاً في عام 1937م بقبول جزء متواضع من الأرض متظاهرة بقبول توصية بريطانية لتقسيم فلسطين إلى دولتين، ثم ما لبثت في عام 1942م أن قامت بمحاولة لتطبيق استراتيجية أشد تطرفاً، وطالبت بجميع أراضي فلسطين، ومهما تبدلت المساحة الجغرافية التي كانت الحركة الصهيونية تطمع فيها وفقاً للظروف والفرص المتاحة؛ ظل الهدف الأساسي دون تغيير وهو أن المشروع الصهيوني لا يتحقق إلا من خلال قيام دولة يهودية نقية من دون "الأغيار"، كما يجب أن تكون هذه الدولة الجديدة يهودية صرفاً لا في بنيتها الاجتماعية - السياسية فحسب بل في تركيبتها العرقية أيضاً.
وفي نهاية ثلاثينات القرن الماضي (1930م وما بعدها)، وفي ظل حماية سلطات الانتداب البريطاني؛ تمكن قادة الحركة من ترجمة رؤيتهم المجردة ليهودية الدولة الشاملة إلى خطط ملموسة، وبدأت التجهيزات اللازمة للاستيلاء على الأرض بالقوة إذا لم يستطيعوا ذلك بالوسائل الدبلوماسية، ومن هنا بدأ بناء منظمة عسكرية تتمتع بالكفاءة بمساعدة وتعاطف الضباط البريطانيين، وكان من بين هؤلاء ضابط بعينه اسمه "أود تشارلز وينغيت" الذي أقنع القادة الصهاينة بأن على الدولة اليهودية الارتباط بنزعة عسكرية وبجيش لحماية المستوطنات اليهودية في بداية الأمر، ثم - وهو الأهم - لأن القيام بهجمات واعتداءات مسلحة يعتبر رادعاً فعالاً لأية مقاومة يبديها السكان المحليون الفلسطينيون، وعند هذه النقطة يصبح الطريق مفتوحاً لفرض التهجير عليهم في أقصر مدى زمني.
وقام "وينغت" بتحويل عصابة "الهاغاناه" لتصبح الذراع العسكرية للوكالة اليهودية، وكانت تلك العصابة قد أنشئت عام 1920م ويعني اسمها العبري "الدفاع"، ونجح الضابط البريطاني المتعاطف مع الصهاينة في إلحاق أفراد تلك العصابة بقوات الانتداب البريطاني، وأخذ يدربهم على التكتيكات العسكرية، والأساليب الانتقامية ضد السكان المحليين.
وكانت هناك حاجة لما هو أكثر من شن هجوم على القرى الفلسطينية تتمثل في ضرورة وضع خطط منهجية، وتقدم بهذا الاقتراح مؤرخ شاب من الجامعة العبرية اسمه "بن صهيون لوريا"، وكان آنذاك موظفاً في الإدارة التعليمية التابعة للوكالة اليهودية، وأوضح "لوريا" فائدة امتلاك سجل مفصل لجميع القرى العربية، واقترح أن يتولى هذا العمل الصندوق الوطني اليهودي.
ويرى المؤرخ "إيلان" أن اقتراح "لوريا" وجد آذاناً صاغية، وأضاف إلى الصندوق مهمة جديدة ترتبط بجرائم التطهير العرقي التي ارتكبت في فلسطين، وهكذا بدأ تجهيز ما سمي باسم "ملفات القرى".
وقد بدأت المهمة الأولى بوضع خرائط للقرى، ثم عُين خبير في الطوبوغرافية لتسجيل معالم الأراضي، واقترح هذا الخبير القيام بعملية مسح فوتوغرافي من الجو، وتوجد الآن صور الخرائط الجوية في أرشيف الدولة الإسرائيلية، وهي كل ما تبقى من تلك القرى بعد عام 1948م، وقد عين أفضل المصورين المحترفين للعمل في المشروع، وأقيم معمل للأفلام في منزل امرأة تُدعى "مارغوت صادح" زوجة رئيس عصابة "البالماخ".
وتوصلت النتائج النهائية لكل من الجهود الطوبوغرافية وجهود الخبراء الصهاينة إلى وضع ملفات مفصلة لكل قرية من قرى فلسطين، وفي نهاية ثلاثينات القرن العشرين اكتملت الملفات، وتضمنت تسجيلاً مفصلاً عن الموقع الطوبوغرافي لكل قرية، والطرق المؤدية إليها، ومدى جودة الأراضي، وينابيع المياه، ومصادر الدخل الرئيسية، وتركيبة القرى الاجتماعية - السياسية، والانتماءات الدينية فيها، وأسماء المختارين، وعلاقة كل قرية بالقرى الأخرى، وأعمار الرجال (ما بين السادسة عشرة والخمسين) وغير ذلك.
وفي عام 1940م أعيد تنظيم الملفات على يد رجل اسمه عزرا دانين الذي لعب دوراً أساسياً في التطهير العرقي لفلسطين، وقد نجح في ضخ حجم هائل من المعلومات الاستخبارية في مؤسسة ملفات القرى التي تضمنت بعد عام 1943م وصفاً مفصلاً لمزارع المواشي والدواجن، والأراضي المزروعة، وعدد الأشجار في كل مزرعة، ونوعيات الفواكه في كل بستان، وحتى على الشجرة الواحدة، ومتوسط مساحة الأرض عند كل عائلة، وعدد السيارات، وأسماء الحرفيين في كل قرية وخبراتهم، وتفاصيل دقيقة عن كل قبيلة وانتماءاتها السياسية، والتقسيم الطبقي الاجتماعي بين الوجهاء والفلاحين البسطاء، وأسماء الموظفين العموميين في حكومة الانتداب.
وبعد أن بدأت عملية جمع البيانات في اكتساب قوة دفع ذاتية نجد إضافات جديدة في حوالي عام 1945م مثل شرح تفاصيل المساجد، وأسماء أئمتها مع سماتهم الشخصية، بل إن تلك الإضافات شملت تحديداً دقيقاً لغرف الجلوس داخل البيوت، وعندما اقترب موعد إنهاء الانتداب البريطاني أخذت عملية البحث منحى عسكرياً مثل: عدد الحراس، ونوع وكمية الأسلحة لدى أهل القرى.
وأجريت عملية التحديث النهائية على ملفات القرى، وتركزت الجهود على إعداد قوائم بأسماء الأشخاص المطلوبين في كل قرية، وفي عام 1948م استخدمت القوات اليهودية هذه القوائم في عمليات البحث والاعتقال التي كانت تقوم بها بمجرد احتلالها للقرية، وتشمل تلك العمليات جمع رجال القرية في صف واحد، ثم يتم التعرف على من وردت أسماؤهم في القوائم بواسطة العميل الذي وشى بهم، والذي يغطي رأسه بقناع به ثقبان للعينين حتى لا يتعرف عليه أهل القرية، وبعد ذلك يتم إطلاق الرصاص على هؤلاء الرجال في نفس الموقع.
وكان معيار إدراج أسماء مثل هؤلاء الرجال هو اشتراكهم في الحركة الوطنية الفلسطينية، أو ارتباطهم بعلاقات وثيقة مع زعيم هذه الحركة المفتي الحاج أمين الحسيني، أو اشتراكهم في النضال ضد البريطانيين والصهاينة.
ونتيجة لإنجاز الخرائط والمعلومات الخاصة بملفات المناطق الريفية استعداداً لمستقبل الاستيلاء على فلسطين حصلت الحركة الصهيونية آنذاك أيضاً على فكرة واضحة عن كيفية إقامة الدولة من الأساس بعد الحرب العالمية الثانية، وكان العامل الحاسم في ذلك قيام البريطانيين قبل ذلك بتدمير القيادة الفلسطينية، وقدراتها الدفاعية؛ عندما قامت القوات البريطانية بقمع ثورة 1936م، ومن ثم السماح للقيادة الصهيونية بالتمتع بوقت وفراغ كافيين لبدء تحركاتها التالية.
بمجرد زوال خطر الغزو النازي لفلسطين في عام 1942م أصبح القادة الصهاينة مدركين تماماً أن العقبة الوحيدة في طريق نجاحهم في الاستيلاء على الأرض تتمثل في الوجود البريطاني لا في أية مقاومة فلسطينية، ويوضح ذلك على سبيل المثال ما جرى في اجتماع عقد في فندق بلتيمور في نيويورك عام 1942م، إذ وضع بن غوريون المطالب على الطاولة والتي تنادي بإقامة كومنولث يهودي في جميع أنحاء فلسطين التي تحت الانتداب.
ويشير "إيلان بابه" إلى أن البريطانيين عرضوا على الصهاينة إقامة دولة في عام 1937م ولكن على جزء من الأراضي الفلسطينية، غير أن بن غوريون قبل الاقتراح البريطاني باعتباره بداية جيدة، ولكنه في حقيقة الأمر كان يتطلع إلى فرض السيادة اليهودية على أجزاء واسعة من فلسطين كلما أمكن ذلك، وعندئذ حمل بن غوريون القيادة الصهيونية على قبول سلطته المطلقة، وعلى اعتناق فكرة أساسية مفادها أن مستقبل الدولة يعني الهيمنة اليهودية المطلقة.