المسلمون الإيغور والصين والهوية القومية الدينية

د. بشير موسى نافع

1- 5- 2008م

عقد في العاصمة الألمانية خلال الأسبوع الماضي المؤتمر العالمي للإيغور بحضور زهاء الثمانين مندوباً من النشطين الإيغور المقيمين في منافي متعددة، الإيغور هم سكان ما كان يعرف بتركستان الشرقية المنطقة الواقعة في التقاطع الآسيوي الأوسط التي أسماها الصينيون سيكيانغ (المقاطعة الجديدة) منذ سيطرتهم عليها في نهاية الأربعينات.

وبالرغم من المسافة البعيدة التي تفصل بين تركستان الشرقية ومركز المجال الإسلامي في الشرق الأدنى فللإيغور دور هام في بعض من التحولات الكبرى التي شهدها تاريخ الإسلام.

الاعتقاد السائد في أوساط مؤرخي الإسلام أن موجات الهجرة السلجوقية تعود في أصلها إلى الإيغور، وأن نجاح السلاجقة الحاسم في السيطرة على الأناضول من يد البيزنطيين في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي؛ فتح آسيا الصغرى لهجرات إيغورية - تركمانية جديدة كان بينها القبيلة التي سيبرز منها آل عثمان بناة إمبراطورية الستمئة عام التي ساهمت مساهمة هائلة في رسم ملامح الإسلام المتأخر، وفي تاريخ العالم ككل.

يتهم المسلمون الإيغور الدولة الصينية بممارسة سياسة اضطهاد منظم ضدهم، اضطهاد ديني وثقافي، واضطهاد قومي - عرقي كذلك يعود في جذوره إلى بداية سيطرة الحكم الصيني الماوي الشيوعي علي المقاطعة، وهي اتهامات تماثل تلك التي يوجهها أهالي التبت للدولة الصينية.

ولأن الأغلبية الساحقة من الصينيين هي من الهان فإن الصورة السائدة لعلاقة الدولة الصينية المركزية بالأقليات التي يعج بها الجسم الصيني هي صورة هيمنة الهان على الدولة والبلاد، وممارساتهم الاستعلائية والإمبريالية ضد جماعات الأقليات المختلفة.

وكما التبت فإن سينكيانغ تشهد حراكاً سياسياً نشطاً منذ نهاية الثمانينات للمطالبة بحقوق الإيغور القومية والسياسية، اعتبرته الحكومة الصينية المركزية دائماً انعكاساً لتوجهات انشقاقية، وواجهته في كثير من الأحيان بحملات من الاعتقالات السياسية، وعدد متزايد من أحكام الإعدام.

هناك تقارير متواترة حول نشطين إيغور مسلحين انخرطوا في الساحة الأفغانية، وعملوا خلال السنوات القليلة الماضية على بناء تيار إيغوري جهادي على أساس من أن قضية تركستان الشرقية وشعبها هي قضية إسلامية وليست قضية قومية، وتعهدوا ربما عدداً من الهجمات المسلحة ضد أهداف حكومية في المقاطعة.

ترأست المؤتمر الإيغوري السيدة ربيعة قدير المعروفة على نطاق واسع في أوساط المسلمين الإيغور، والنائبة السابقة في البرلمان الصيني، كانت الدولة الصينية قد أوقعت بالسيدة قدير عقوبة السجن لعدة سنوات بعد إدانتها في اتهامات تتعلق بسيادة الدولة وأمنها.

والشائع أن القضية تعلقت بقيام السيدة قدير بإرسال صحف ومواد إعلامية إلي زوجها صديق راضي الذي كان قد غادر الصين في منتصف التسعينات إلى الولايات المتحدة نظراً لنشاطاته المطلبية في الدفاع عن حقوق الإيغور، وبعد الإفراج عنها غادرت السيدة قدير البلاد إلى المنفي، حيث تواصل نشاطاتها المناهضة للحكومة الصينية، ما يقوله الإيغوريون إن شعب تركستان الشرقية لا يعاني من اضطهاد ثقافي وديني واقتصادي وحسب، بل إن الدولة المركزية تنفذ مخططاً بعيد المدى لتحويل الإيغور إلى أقلية في وطنهم وذلك بتوطين ملايين من الهان في المقاطعة.

موجات الهجرة والتوطين يقول النشطون الإيغور أدت إلى أن تهبط نسبة السكان الإيغور في المقاطعة من تسعين إلى أربعين بالمئة، واللافت للانتباه أن عدداً من الشخصيات الألمانية ألقت كلمات في المؤتمر الإيغوري، وأن المؤتمر انتهى بالدعوة إلى مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية التي ستستضيفها الصين قريباً، وبتوجه وفد من المشاركين في أعمال المؤتمر إلى مكتب المفوضية الأوروبية في العاصمة الألمانية، حيث طالب بإدراج المسألة الإيغورية في مباحثات رئيس المفوضية الأوروبية القادمة مع المسؤولين الصينيين.

الطابع الغالب على المؤتمر الإيغوري الأخير كان طابعاً قومياً وليس إسلامياً - سياسياً إن صح التعبير، ولكن من الصعب في كثير من الحالات فصل الديني تماماً عن القومي، فالهوية الدينية لعبت (وتلعب) دوراً هاماً في كثير من الحركات القومية، بل إن الهوية الدينية قد تشكل في بعض الحالات دور الإطار والمسوغ للتمايز القومي.

الحركة القومية العربية حملت في بداياتها سمات إسلامية - إصلاحية واضحة، وقد لعبت الكاثوليكية والأرثوذكسية دوراً حيوياً في تطور القوميتين الإيرلندية والصربية على التوالي، أما في الحالة الباكستانية فقد كانت الهوية الإسلامية هي المسوغ الوحيد لولادة الحركة الداعية إلى بناء دولة قومية منفصلة عن الجسم الهندي، لا لغة الخطاب والمطالب، ولا المظهر، ولا حتى تاريخ السيدة قدير كنائبة صينية برلمانية؛ توحي بأن المؤتمر الإيغوري كان مؤتمراً إسلامياً سياسياً، ولكن الانتماء الإسلامي للإيغور يشكل الجانب الأكبر من خلفية هذه الحركة المطلبية.

الإسلام هو الرابط الأوثق بين الإيغور ومختلف شعوب الوسط الآسيوي المجاور للصين؛ ونظراً للحيوية الإسلامية الهائلة في مختلف أنحاء المعمورة؛ فستصبح الهوية الإسلامية للإيغور قناة هامة لتصعيد تعاطف مئات الملايين من المسلمين مع القضية الإيغورية، هذا لا يعني بالطبع أن الإيغور هم المجموعة الإسلامية الوحيدة بين سكان الصين؛ إذ إن هناك مسلمين صينيين بين أكثر من فئة عرقية بما ذلك الهان.

النزعة الجغرافية التوسعية للصين لم تبدأ مع النظام الماوي الشيوعي في 1949م ولكنها سبقته بكثير، المشكلة كانت في التوجه المركزي المفرط للنظام الشيوعي في عدائه المعلن للمواريث الدينية، وفي سياساته التي استهدفت بناء أمة صينية بالمعنى القومي الضيق للأمة، لم تأخذ في الاعتبار التعددية الإثنية والثقافية في بلاد هائلة الاتساع والسكان.

وبالرغم من الانفتاح السياسي والثقافي والاقتصادي النسبي الذي تعيشه الصين منذ نهاية الثمانينات فإن صين ما بعد ماو ورثت الكثير من النظام السابق، وعملت على المحافظة على هذا الميراث.

مشكلة الصين في مناطق مثل سينغيانغ والتبت تنبع من تداخل عدد من القوى والعوامل وليس من دافع واحد وحسب.

هناك بالطبع المساحة الكبيرة التي تشكلها كل من التبت وسينكيانغ من مساحة الصين الكلية؛ ونظراً لأن كلاً من التبت وسينكيانغ أقل ازدحاماً بالسكان من منطقة المركز الصيني؛ فليس ثمة شك في أن الدولة الصينية تنظر إلى المقاطعتين كمتنفس لتخفيف الكثافة السكانية في المناطق المزدحمة.

وهذا هو ما يرفع حدة التوتر العرقي والثقافي في المقاطعتين اللتين تشهدان تدفقاً متصاعداً من الصينيين الهان جعل من السكان الأصليين أقلية في أوطانهم، وهناك إضافة إلى ذلك ثروات زراعية ومعدنية كبيرة معروفة ومتوقعة في المقاطعتين، في وقت تعيش الصين نهضة اقتصادية كبيرة، وتعمل حثيثاً على التحول إلى القوى الاقتصادية الأكبر في العالم.

ولا يقل أهمية عن هذين العاملين الخوف الصيني المتأصل من انهيار المركز، وانتشار الفوضى، وعدم الاستقرار؛ إذ ترى الدولة الصينية أن تقديم تنازلات ما للتبت وسينكيانغ قد يفتح الباب لتداعي وحدة الصين ككل.

وإن كان ثمة ما هو واضح في السياسة الصينية حتى الآن فإن الدولة لن تسمح بانفصال التبت وسينكيانغ مهما كانت التكاليف، ومهما كانت حجم حركة الاحتجاج العالمية، ويتعلق السبب الرابع بما هو أبعد؛ فهناك في أوساط الدولة الصينية اعتقاد راسخ بأن الحركات المطلبية في التبت وسينكيانغ ليست أكثر من مخلب قط توظفه دوائر معينة في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من أجل إضعاف الصين، ووضعها في موقع الدفاع.

من وجهة النظر الصينية تتعامل القوى الأطلسية مع الصعود الصيني السريع باعتباره خطراً على هيمنة الغرب على مقدرات العالم واقتصاده، وتعمل بالتالي على العبث في المكونات الإثنية والدينية الصينية كواحد من أهم أدوات تقويض أسس النهوض الصيني.

خلال السنوات القادمة ستؤدي سياسات التمييز الصينية، وتصاعد الحراك المطلبي القومي والديني على السواء؛ إلى بروز ملف الأقليات العرقية والدينية داخل الصين على المسرح العالمي؛ سياسات التمييز الصينية هي حقيقة لا يمكن تجاهلها، لا تؤكدها توجهات التوطين والتضييق الثقافي والديني وحسب؛ بل والفروق الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة بين أبناء الأقليات - والإيغور على وجه الخصوص - والأكثرية الصينية من الهان.

ولا يستبعد أن تتحول المسألة الإيغورية تدريجياً إلى مسألة إسلامية ساخنة تماماً كما أصبحت قضايا مثل كشمير والشيشان من قبل.

الحيوية الإسلامية من جهة، والتوجهات الغربية لإشغال الصين بشأنها الداخلي، وإبطاء صعودها الاقتصادي، وتشويه صورتها كصديق لشعوب العالم الثالث؛ قد تعمل معاً على تصعيد الملف الإيغوري إلى موقع شبيه بملف التيبت.

بل إن حجم الإيغور وامتداداتهم الإسلامية العالمية تؤهلهم لإيقاع أذى أكبر بالصين مما توقعه مسألة التبت، السؤال الذي ينبغي أن يطرح مبكراً على المسلمين الإيغور، وعلى الرأي العام الإسلامي ككل هو ما إن كان من الحتمي، ومن المشروع، ومن المصلحة؛ أن تتحول كل أقلية عرقية أو دينية في العالم إلى حركة قومية استقلالية؟

نظام الدولة الحديثة، الدولة السيادية، المركزية، ذات الطابع القومي؛ ليست نظاماً مثالياً ولا مقدساً حتى تطالب الشعوب والأمم بالحفاظ عليه، ولكنه النظام الوحيد المتاح في هذه الحقبة من التاريخ الإنساني للحفاظ على المصالح الكبرى للأمم والشعوب، والصين ليست كياناً صغيراً في ركن مجهول حتى ينظر لها بمعزل عن التدافعات الاستراتيجية المزلزلة التي يعيشها عالم اليوم، كل دول أوروبا الغربية تقريباً تضم مجموعات إثنية ودينية مختلفة؛ ولكن الأغلبية البريطانية مثلاً لا ترى مصلحة في انفصال استكتلنده أو ويلز، ولا في إعطاء البريطانيين الكاثوليك كياناً خاصاً بهم، الحركة الانشقاقية الكردية تسببت بكوارث لا حد لها للأكراد أنفسهم، وللعراق وتركيا وإيران على السواء.

ومن الوهم الاعتقاد بأن استقلال الأقليات عن الكيانات الكبرى هو استقلال حقيقي؛ فاستقلال البوسنة وكوسوفو الرسمي، واستقلال كردستان العراق الفعلي؛ جعل منها محميات أوروبية وأمريكية، وفي حال النجاح (المستبعد) لانفصال التبت وسينكيانغ فلن يكون مصيرهما أفضل بكثير، ما سيحدث في الحقيقة لن يكون النجاح ولا الاستقلال بل إنهاك مرير للصين كدولة، ولشعبي التبت والإيغور.

هذا لا يعني بالتأكيد تجاهل سياسة التمييز والاضطهاد الصينية، وربما يجدر بدول العالم الإسلامي التي تجمعها بالصين علاقات وثيقة أن تلعب دوراً ما في هذا المجال، فمن مصلحة الصين ومصلحة المسلمين أن يتمتع الإيغور بحقوق مواطنة كاملة، وأن يسمح لهم بالمحافظة على خصوصياتهم، والنهوض بميراثهم الثقافي والديني، وأن يتجنب الصينيون والمسلمون تفاقم أو انفجار ملف سيوقع أذى كبيراً بالعلاقات التاريخية بين الصين والمجال الإسلامي الكبير.

http://www.alasr.ws:المصدر