لله درك يا عبدالملك
23 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 29- 4- 2008م
انتهى التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز من دفن سلفه سليمان بن عبد الملك، ثم صعد المنبر فخطب في الناس خطبة بليغة حضّ خلالها على التقوى، وزهّدهم في الدنيا، ورغّبهم في الآخرة، ثم نزل عن المنبر، واتجه إلى بيته، وأوى إلى حجرته، فقد كان ينبغي أن يصيب ساعة من الراحة، بعد ذلك العناء الشديد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة، لكن عمر بن العزيز ما كاد يسلم جنبه إلى مضجعه؛ حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك - وكان يومئذ يتجه نحو السابعة عشرة من عمره - وقال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فقال: أي بني أريد أن أغفو قليلاً، فلم تبق في جسدي طاقة، فقال عبد الملك: أتغفو قبل أن تردّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟! فقال: أي بنيّ إني قد سهرت البارحة في عمّك سليمان، وإني إذا حان الظهر صليت في الناس، ورددت المظالم إلى أهلها - إن شاء الله -!! فقال عبد الملك: ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر؟!
فألهبت هذه الكلمات عزيمة عمر، وأطارت النوم من عينيه، وبعثت القوة والعزم في جسده المُتْعَب، وقال: ادن مني يا بنيّ،فدنا منه، فضمّه إليه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال:الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، ثم قام، وأمر أن ينادى في الناس: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.
أعزائي المربين والمربيات .. من هو عبد الملك هذا؟
من هو ذلك الابن الفذّ الذي جعله الله - تعالى- عوناً لأبيه على الحق؟
تعالوا لنلم بقصة هذا الفتى من أولها:
لقد كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولداً فيهم ثلاث بنات، وكانوا جميعاً على حظ موفور من التقى، ومقام كبير من الصلاح، لكن عبد الملك كان واسطة عقد إخوته، وكوكبهم المتألق، لقد كان أديباً ماهراً، له سنُّ الفتيان، وعقل الكهول، ثم إنه نشأ في طاعة الله - عز وجلّ - منذ نعومة أظفاره، فكان أقرب الناس سمتاً إلى آل الخطّاب عامةً، وأشبههم بعبدالله بن عمر خاصةً في تقواه لله، وتخوفه من معاصيه، وتقربه إليه بالطاعة.
ولقد آثر الفتى العمريّ المرابطة على الثغور، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها؛ على البقاء في بلاد الشام، فمضى إليها، وخلّف وراءه "دمشق" ذات الرياض النضرة، والظلال الظليلة، والأنهار العذبة.
وكان عمر بن عبد العزيز - على الرغم من كل ما عرفه من صلاح ابنه عبد الملك وتقاه - شديد الخوف عليه من نزغات الشيطان، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصاً على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلمه، وكان لا يغفل عن ذلك أبداً ولا يهمله، فعن ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها وينصحه، ويبصّره ويحذره، وينذره ويبشره، وكان مما جاء فيها قوله: "أما بعد.. فإن أحق من وعى عنى وفهم قولي لأنت، وإن الله - وله الحمد - قد أحسن إلينا في صغر الأمر وكبيره، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى والديك، وإياك والكبر والعظمة فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدو مبين، واعلم أنى لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمر بلغني عنك، فما عرفت من أمرك إلا خيراً، غير أنه بلغني عنك شيء من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره لرأيت مني ما تكره".
قال ميمون: ثم التفت إلىّ عمر، وقال: يا ميمون، إن ابني عبدالملك قد زُّين في عيني، وإنى أتهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حبي له قد غلب على علمي به، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم، فسِرْ إليه، واسبر غوره، وانظر هل ترى فيه ما يشبه الكبر والفخر؟ فإنه غلام حدث، ولا آمن عليه الشيطان.
قال ميمون: فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه، فاستأذنت ودخلت؛ فإذا غلام في مقتبل العمر، ريّان الشباب، بهي الطلعة، جمّ التواضع، قد جلس على حشية بيضاء فوق بساط من شعر، فرحّب بي، ثم قال: لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهله من الخير، وإني لأرجو أن ينفع الله بك، فقلت له: كيف تجد نفسك؟ فقال: بخير من الله - عزّ وجلّ - ونعمة، غير أنى أخشى أن يكون قد غرني حسن ظنّ والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظن، وإني لأخاف أن يكون حبه لي قد غلبه على معرفته بي؛ فأكون آفة عليه.
قال ميمون: فعجبت من اتفاقهما، ثم قلت له: أعلمني من أين معيشتك؟
فقال: من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعت ثمنها من مال لا شبهة فيه، فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين.
قلت: فما طعامك؟
قال: ليلة لحم، وليلة عدس وزيت، وليلة خلّ وزيت، وفى هذا بلاغ.
فقلت له: أفما تعجبك نفسك؟
فقال: كان في شيء من ذلك، فلما وعظني أبى بصرني بحقيقة نفسي، وصغّرها عندي، وحطّ من قدرها في عيني، فنفعني الله - عزّ وجلّ - بذلك فجزاه الله خيراً.
قال ميمون: فقعدت ساعة أحدثه، وأستمتع بمنطقه؛ فلم أر فتى كان أجمل وجهاً، ولا أكمل عقلاً، ولا أحسن أدباً منه على حداثة سنِّه، وقلة تجربته، فلما كان آخر النهار أتاه غلام فقال: أصلحك الله قد فرغنا..فسكت، فقلت: ما الذي فرغوا منه؟ قال: الحمام، قلت: وكيف؟ قال: أخلوه من الناس، فقلت: لقد كنت وقعت من نفسي موقعاً عظيماً حتى سمعت هذا، فذعر واسترجع، وقال: وما في ذلك يا عم يرحمك الله؟
قلت: الحمّام لك؟
قال: لا.
قلت: فما دعاك إلى أن تخرج منه الناس؟ كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم، وأن تجعل لها قدراً يعلو على أقدارهم، ثم إنك تؤذى صاحب الحمام في غلّة يومه، وترجع من أتى حمامه خائباً.
قال عبد الملك: أما صاحب الحمام فإنا أرضيه، وأعطيه غلة يومه.
قلت: هذه نفقة سرف خالطها كبر، وما يمنعك أن تدخل الحمّام مع الناس وأنت كأحدهم؟
قال عبد الملك: يمنعني من ذلك أن طائفة من رعاع الناس يدخلون الحمام بغير أزر فأكره رؤية عوراتهم، وأكره أن أجبرهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنه اقتدار منّى عليهم بالسلطان الذي أسأل الله أن يخلصنا منه كفافاً لا علينا ولا لنا، فعظني - رحمك الله - عظة أنتفع بها، واجعل لي مخرجاً من هذا الأمر!
فقلت: انتظر حتى يخرج الناس من الحمام ليلاً، ويعودوا على بيوتهم ثم ادخله.
قال عبد الملك: لا جرم، لا أدخله نهاراً أبداً بعد اليوم، ولولا شدة برد هذه البلاد ما دخلته أبداً، وأطرق قليلاً كأنما يفكر في أمر ثم رفع رأسه إليّ، وقال: أقسمت عليك لتطوين هذا الخبر عن أبي، فإني أكره أن يظل ساخطاً عليّ، وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه.
قال ميمون: فأردت عند ذلك أن أسبر عقله؛ فقلت له: إن سألني أمير المؤمنين: هل رأيت منك شيئاً فهل ترضى لي أن أكذب عليه؟
فقال: لا معاذ الله، ولكن قل له: رأيت منه شيئاً فوعظته وكبرته في عينه، فسارع إلى الرجوع عنه، فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له، لأن الله - عزّ وجلّ - قد أعاذه من البحث عمّا استتر.
قال ميمون: فلم أر والداً قط ولا ولداً مثلهما - يرحمهما الله -.
رضي الله عن عبد الملك وعن أبيه، وسلام عليهما يوم لحقا بالرفيق الأعلى، وسلام عليهما يوم يبعثان مع الأخيار الأبرار.
ولكم يتضح لنا بجلاء من خلال هذا الموقف أن الولد الصالح لا يأتى وليد المصادفة أو الحظ ولكن:
- القدوة الحسنة الكبيرة الثابتة على المبدأ، والراسخة في الصلاح، والتي لا يغيرها إقبال الدنيا أو إدبارها، ومن يطالع سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يعرف ذلك وأكثر من جوانب شخصيته العظيمة.
- تربية الأبناء على تعظيم الله - جلّ وعلا -، ومراقبته في السرّ والعلانية.
- الحذر على الأبناء من آفات النفس المهلكة مثل: الكبر والإعجاب بالنفس، والتنبيه على ذلك أولاً بأول.
- وحسن متابعة الوالد لولده حتى لو تباعدت الأماكن، وصار كل واحد منهما في بلد أو مدينة، واستخدام كل وسائل التواصل الممكنة كإرسال الرسائل المكتوبة، وإرسال الوسيط الأمين إذا تطلب الأمر.
فاللهم أعنّا على حسن تربية أبنائنا، وأرنا في ذرياتنا ما تقر به أعيننا في الدنيا والآخرة. آمين.