ما بين أبو الفتوح وبلال مياه كثيرة جرت في النهر

حسن الرشيدي

23 ربيع الثاني 1429هـ الموافق له 29- 4- 2008م

ماذا حدث في مصر؟! ما حجم التحولات التي حدثت على الأرض أو على وشك الحدوث؟! هل تغيرت بوصلة الشباب الراغب في العمل العام والإصلاح؟!

خطرت هذه الأسئلة عندما طالعت تسجيل الفيديو الخاص ببلال دياب وهو طالب بكلية الآداب قسم التاريخ جامعة القاهرة، وتذكرت على الفور وقفة طالب الطب حينئذ عبد المنعم أبو الفتوح أمام الرئيس السابق لمصر أنور السادات.

في التسجيل يظهر الطالب بلال وهو يقاطع رئيس الوزراء أحمد نظيف وهو يلقي كلمة بكل جرأة ويقول له: يا ريس مصر حزينة، مصر حزينة يا ريس، أفرج عن الشباب من المعتقلات، أفرج عن الشباب المعتقلين يوم 6 أبريل، يا ريس هؤلاء الشباب بتوع الإنترنت، هؤلاء الشباب هم من وقفوا إلى جوارك في مؤتمر دافوس الاقتصادي العام الماضي يا ريس، التعليم زي الفل، والجامعة زي الفل، والعيش زي الفل، والديمقراطية موجودة، والحرية موجودة، أفرج عن مصر يا ريس، أفرج عن مصر يا ريس.

أما مواجهة عبد المنعم أبو الفتوح مع السادات فكانت أشمل وأقوى، ففي عام 1977م، وعقب أحداث 18 و19 يناير التي احتج فيها البعض على الغلاء؛ نظمت الحكومة المصرية لقاءً جمع بين الطلاب وممثليهم والرئيس السادات، فقام عبدالمنعم أبو الفتوح طالب بكلية الطب، ورئيس اتحاد الطلاب بجامعة القاهرة، وسأله بكل شجاعة وحماسة الشباب: إزاي حضرتك بتقول: دولة علم وإيمان، ودولة ديمقراطية، ويطلع علينا الأمن المركزي يضربنا عشان خرجنا في مظاهرة سلمية للاعتراض على التنكيل بالشيخ الغزالي، واستكمل وقال له: يا ريس الناس اللي حولك منافقين، ووقتها ثار السادات عليه بشدة وطالبه بالسكوت، إلا أن أبو الفتوح رفض، واستكمل حديثه.

أوجه التشابه بين الموقفين كثيرة، فأصحاب مواقف المواجهة في الحالتين هما من فئة الطلاب، وفي المرحلة النهائية من المرحلة الجامعية، وواجها اثنين من أكبر المسئولين في الدولة، وإن كان في حالة أبو الفتوح هو رئيس الجمهورية الذي بيديه زمام الحكم في مصر، وأحمد نظيف - وإن كان رئيس الوزراء - فإن قبضته على الحكم ضعيفة، وهو ليس أكثر من صورة وواجهة للحكم.

ولكن الاختلاف الرئيس يكمن في التوجهات الفكرية لكل من الطالبين، فأبو الفتوح كما هو معروف إسلامي منتمٍ للإخوان، ولا يزال حتى أصبح الآن عضواً في مكتب الإرشاد، وهو من أكثر قيادات الإخوان شعبية داخل الجماعة، بينما الطالب الآخر وهو بلال دياب ليبرالي إصلاحي ينتمي لحزب الغد كما يقول عن نفسه في إحدى الفضائيات، وتقول إحدى الروايات الصحفية: إنه في الفترة الأولى لحزب الغد قامت قيادات الحزب بتأسيس منتدى الشباب الليبرالي الذي ضم كل شباب الحزب الذين مازالوا طلاباً بالجامعات والمدارس، وكان التركيز على كلية الآداب قسم اجتماع الذي منه دياب، وذلك لمواجهة هذا المنتدى للتطرف الديني كما يزعمون بالجامعات؛ حيث كانت هناك محاضرات يلقيها عليهم كل من أسامة الغزالي حرب، وهدى عبد الناصر وغيرهم، وكانوا يتدربون على الانتشار داخل الجامعات، واستقطاب آخرين، بمعنى أن كل طالب تم إعداده بهذا الفكر يمكنه التأثير في عدد كبير من زملائه المؤمنين بهذا التوجه الليبرالي، وعند انقسام الحزب استحوذت قيادات الحزب الموالية لنور على هؤلاء الشباب الذين أصبح عددهم ثمانية فقط، ولكنهم يقودون حوالي 120 شاباً آخرين من بينهم دياب.

وفي إحدى البرامج التليفزيونية التي استضافته بعد مواجهته لنظيف أفصح الطالب عن ليبراليته أكثر عندما اتهم الحكومة بأنها تطلق سراح أفراد الجماعات الإسلامية المتهمين بالعنف من المعتقلات، وتزج فيها في نفس الوقت الليبراليين ممن اتهموا في إضراب السادس من أبريل.

والظاهرة التي نرصدها الآن هو التحول الذي حدث في مصر منذ السبعينيات؛ حيث واجه أبو الفتوح رأس الدولة، وكان هذا مؤشراً على بداية استحواذ الإسلاميين على الساحة المصرية، ونهاية لسيطرة التيار اليساري والناصري، وبعد ثلاثين عاماً يأخذ طالب ليبرالي نفس الموقف تقريباً، فهل نعتبره أيضاً مؤشراً على بداية نهاية سيطرة الإسلاميين على الساحة المصرية، وبروز القوى العلمانية؟

لاشك أنه خلال الأعوام الثلاثين الماضية هبت على المصريين تحولات ضخمة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وفي هذه الفترة تأصلت وتجذرت المفاهيم الإسلامية على نحو ما داخل شرائح عريضة في المجتمع المصري، ففي نهاية الثمانينيات مثلاً كانت الأحزاب المصرية الليبرالية واليسارية كالوفد، والتجمع؛ تتسابق لتجعل تطبيق الشريعة الإسلامية على جدول برامجها العلنية لاجتذاب الناس إليها؛ حيث نجحت الحركة الإسلامية حينها في جعل المطالبة بتطبيقها مطلباً جماهيرياً، ولكن مع بداية التسعينيات أخذت الدولة المصرية في الانتباه لخطر أسلمة البلاد، فبدأت في إجراءات ضد فصائل الحركة الإسلامية جميعها من الاعتقال، والمحاكمات العسكرية، حتى الصدام المسلح، وسقطت الحركة الإسلامية في الفخ الأمني المنصوب لها، ومع بداية القرن الجديد أضحت حركة فصائل الحركة الإسلامية إما معدومة أو شبه مقيدة، ولكن في نفس الوقت بدأت نخبة جديدة من الدعاة ممن يطلق عليهم الدعاة الجدد تأخذ طريقها إلى الواقع المصري خارج الأطر التنظيمية، وأساليب الفصائل السابقة؛ ما جعل الدعوة إلى الإسلام تتجه إلى شرائح جديدة من المصريين، ولكن تعبر عن التزامها الإسلامي بوسائل جديدة أخرى.

ولكن على المستوى السياسي بدأ الانحسار الإسلامي ملحوظاً، خاصة بعد التضييق الأمني على الفصيل الوحيد في العمل الإسلامي، والذي يمارس السياسة وهم جماعة الإخوان، كذلك استمرت بقية الفصائل مستنكفة عن العمل السياسي إما قسراً كالجماعة الإسلامية، أو اختياراً كفصائل السلفيين، ومع افتقاد الإخوان المسلمين للبوصلة السياسية، والرؤية الاستراتيجية للعمل السياسي؛ بدأت شراذم العلمانيين في الظهور، واحتلال المواقع التي تخلى عنها الإسلاميون، وظهر ذلك جلياً في إضراب السادس من أبريل، والتحضير للإضراب القادم في الرابع من مايو، حتى أن العلمانيين المتبنيين للإضراب أخذوا يكيلون الشتائم والسباب لبعض الإسلاميين من حزب العمل، والذين كان لهم دور مهم في التحضير لهذا الإضراب، والدعوة إليه بغرض إقصاء هؤلاء الإسلاميين عن قيادة الإضراب، والانفراد به.

كل ذلك ترافق مع ظهور الشباب الليبرالي، ومحاولته أخذ زمام المبادرة في التفاعل مع مشكلات الجماهير، وتبني مطالبهم، وكذلك مع فرضية صحة التقارير الصحفية التي تتحدث عن بدء تنظيمهم في منظمات حركية، ووضع خطط واستراتجيات للسيطرة على الشارع المصري، وإقصاء الإسلاميين، وما يؤيد صحة هذه التقارير الدعم الغربي الواضح لهؤلاء والذي تجلى في الشجب المستمر ولأعلى المستويات السياسية في أمريكا وأوروبا لاعتقال أيمن نور؛ لذلك فإن الإسلاميين مدعوون إلى العودة إلى الشارع المصري، والتفاعل معه، وتبني قضاياه، وإيجاد آلية سلمية جديدة واستراتيجية موحدة للعمل السياسي لكسر الطوق الأمني، والابتعاد عن العزلة المفروضة عليهم.

http://islammemo.cc:المصدر