الثبات المعنوي والحسي على الإيمان

د. أحمد الشرباصي

 

تقول اللغة: إن الثبات هو دوام الشيء، وهو ضد الزوال، والرجل الثبيت هو الفارس الشجاع، والثابت العقل، والعالم الثبت هو الثقة في العلم، واستثبت تأنى، فمادة "الثبات" تدل على الاستقرار والرسوخ، وعلى ضد التزلزل والاضطراب، وفيها أيضا معنى القوة، لذلك يقال: ثبته الله أي قواه".

والثبات خلق من أخلاق القرآن الكريم، نحتاج إليه اشد الاحتياج؛ لأن طريق العبادة والطاعة طويل، لابد له من ثبات واستقرار، وطريق العمل والسعي الحميد في الحياة طويل لابد له من ثبات واستقرار، ولذلك نادى الله - جل جلاله - عباده الأخيار بقوله في سورة آل عمران: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

وقد أخبر الله - تبارك وتعالى - عباده بأن الثبات صفة كريمة من صفات المؤمنين، تتحقق لهم عن طريق الاهتداء بهدي القرآن المجيد، وبالإقبال على طاعة الله والاعتصام بحبله وهداه، فقال في سورة النحل: "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين". وقال في سورة محمد: "يا أيها الذين آمنوا أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ". ومتى من الله - تعالى - على عباده بالتثبيت فقد تحقق لهم الثبات.

كما اخبر الحق - سبحانه - بأنه قد من على رسوله محمد  - صلى الله عليه وسلم- بنعمة الثبات، وإنما تحقق الثبات بفضل الله، وبما أتاه من وحيه، وبما قص عليه وذكر له في قرآنه الكريم من آيات وأنباء وعظات، ولذلك يقول في سورة الفرقان: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك".

ويقول في سورة الإسراء: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا".

فالله - تعالى - قد أقر رسوله على الحق، وحصنه به، وعصمه من موافقة الكافرين، وكان رسول الله يدرك خير الإدراك فضل الله العظيم عليه في هذا التثبيت، ولذلك كان يدعو فيقول: (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

ومن المواقف المشهودة التي تحتاج إلى الثبات، وإلى الاعتصام بحبل الله القوي المتين موقف الجهاد ومقاومة الأعداء، ولذلك جاء في سورة الأنفال: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون". والثبات في الجهاد قوة معنوية لها قيمتها، فقد يكون السلاح والعتاد في أيدي المجاهدين، وفيهم الكثرة والقوة الحسية، ومع ذلك يظلون في حاجة إلى ما هو أهم، وهو القوة المعنوية المتمثلة في الثبات والبصراء بأمور النضال يقررون أن الثبات يكون في كثير من الأحيان السبب القوي والأخير للنصر والفوز، فالجيوش تتقاتل وتتصارع، والأكثر منها صبراً ودواماً واستمرارا هو الذي يتغلب ويفوز ولعل هذا هو الذي جعل القرآن المجيد يحذر تحذيراً شديداً من ترك الثبات في القتال، ويتهدد من يتنكر لهذا الخلق الكريم بالعقاب والعذاب، فيقول في سورة الأنفال: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير".

ونوه خير تنويه بالذين لا يضطربون، ولا يتزلزلون، ولا يهابون، فقال فيهم في سورة آل عمران: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم".

وقد ربط القرآن برباط دقيق بين الثبات الحسي والثبات المعنوي، حين يتوافر الإيمان واليقين لدى أهله، ولذلك قال للمؤمنين في شأن غزوة بدر: "إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت الأقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان".

فالقرآن يجمع هنا بين الربط على القلوب، وهذا هو الثبات المعنوي، وتثبيت الأقدام وهذا استقرار حسي فالذين آمنوا بربهم لا يستخفون بأسباب الثبات الحسي، كما لا يستخفون بأسباب الثبات المعنوي، بل يجعلون شعارهم كما ذكر القرآن في سورة آل عمران: " وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين".

وكما ذكر في سورة البقرة: "ربنا افرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين".

ومن أروع مواقف الثبات في تاريخ الإسلام، ثبات القلة المؤمنة في اليوم العصيب الشديد: يوم غزوة أحد، وكأن القدر أجرى على لسان الرسول في أول الغزوة ما يشير إلى ضرورة هذا الثبات، حيث قال للرماة الذين طالبهم بحماية ظهر الجيش من فوق الجبل: " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم".

والحق الذي لاشك فيه أنه لم ينقذ المسلمين من حرب الإبادة والإفناء في هذه الغزوة غزوة أحد إلا ثبات الطائفة القليلة من المجاهدين المخلصين..فحينما أشيع بين المحاربين أن الرسول قد مات، تخاذل بعض المقاتلين، ولكن أنس ابن النضر هتف بأعلى صوته يقول: " يا قوم، إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد - صلى الله عليه وسلم  - اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء،، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء "..ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل، وكأن لأنس من المسلمين أشباه ونظائر ثبتوا وقاموا، وفي هذا نزل قول الله - تعالى - في سورة آل عمران: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين".

ولقد ضرب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه المثل الأعلى في ثبات النفس، وثبات الحس في غزوة أحد.. فقد أصيب في وجهه وشفتيه وأسنانه، وسال الدم الزكي على وجهه الشريف، وتعب كثيراً، حتى صلى الظهر قاعداً بسبب الجراح التي نالته، وحينما جاء عدو الله " أبي بن خلف " يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا. قال الصحابة: يا رسول الله، هل يعطف عليه أحدنا ليقتله؟. قال: دعوه... فلما اقترب من الرسول تناول الرسول الحربة من أحد الصحابة، وبكل ثبات واطمئنان طعنه بها طعنة قتلته.

ومن هنا قال المقداد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يوم أحد: " فو الذي بعثه بالحق ما زلت قدمه شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدو، تفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق عنه أخرى، وهو قائم يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى انحازوا عنه".

وبعد غزوة أحد، وفي اليوم التالي مباشرة، أمر الرسول بالخروج لتعقب فلول الأعداء المشركين، وقال: " لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال بالأمس ".

ولقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عقب غزوة أحد دعاء فيه الرجاء من الله بأن يحقق في نفوس المؤمنين معاني الثبات والاطمئنان، تقول السيرة: لما كان أحد أثني على ربي - عز وجل -: " فصاروا خلفه صفوفا، فقال: " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قاربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.

اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم توفنا مسلمين، وأحيينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا نادمين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق" رواه احمد والنسائي وابن كثير في سيرته.

وما دمنا قد عرضنا لأقوال الرسول الكريم في الاطمئنان والثبات، فلا يليق بنا أن ننسى موقف الرسول الخالد الذي علم به الدنيا كلها كيف يكون الثبات على الحق، والاستمساك بالعقيدة، وذلك يوم قال: "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركنه، حتى يظهره الله أو اهلك دونه"..

ولا عجب ولا غرابة، فإن رسول الله  - صلى الله عليه وسلم-  الذي ثبت الله قلبه، وقواه وجعله راسخاً في ثباته كالجبال، فقام بأعباء الرسالة، ونشر الدعوة، وترك الدعوة، وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ولذلك يقول له رب العزة في سورة هود: " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين *  وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون * ولله غيب السموات والأرض واليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون".

وكما دعا القرآن إلى ثبات القلوب وثبات الأقدام، وثبات الحس والنفس في ميدان النضال والجهاد، دعا إلى "ثبات" الكلمة، وثبات الكلمة هو الإتيان بها على وجهها صادقة واضحة صريحة، يدعو إليها الحق، ويوجهها العدل، ويحث عليها الإنصاف، ولذلك قال سيد الخلق رسول - عليه الصلاة والسلام -: " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائز ". ولقد قال القرآن الكريم: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء".

وهكذا لا ينبغي أن يفر الإنسان من الكلمة الطيبة ما استطاع إليها سبيلا، والمؤمن في قوله وحكمه ورأيه لا يخادع ولا ينافي، ولا يتذبذب أو يتلون، ولا يفر من أداء واجبه؛ لأنه أمانة لا تجوز خيانتها، ولا يفر من إسهامه بعلمه أو جسمه أو ماله فيما يندبه دينه، ولا يفر من موطن البأس إذا كتبه الله عليه أو عرضه له.

ولقد حذر القرآن من التنكر لخلق الثبات والدوام على الحق، فقال في سورة المائدة: "ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين". وقال في سورة محمد: " إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ".. وقال في سورة الحج: "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين".

وقال في سورة التوبة: "ومنهم من يلزمك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون". وقال في سورة النساء: "الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب * قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلاً * إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى * يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا".

إنها صور مجسمة لطوائف تنكروا لخلق الثبات فكانوا من الخاسرين، ولم ينتفعوا بهدي القرآن حين ذكر الناس بأن الفرار رذيلة منكرة، ومع ذلك لا تجدي ولا تنفع، كما قال الله - تعالى - في سورة الأحزاب: "قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وأذن لا تمتعون إلا قليلاً".

وكما قال في سورة الجمعة: "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم".

والصوفية على طريقتهم في فلسفة الأخلاق يصورون الثبات تصويراً خاصا له صلته بعلاقة الإنسان المتعبد بربه المعبود جل جلاله، فيقول مثلا محمد ابن الفضل البلخي: "أصل الثبات على الحق دوام الفقر إلى الله - تعالى -".

ولعل هذا يذكر بقول ابن عطاء الله السكندري: "أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات ".

وقد عرف رجال هذه الأمة ما للثبات في مواقف الهول من مكانة ومنزلة، وهذا شجاع ثابت آخر يقول عن ثباته:

فإن تكن الأيام فينا تبدلت *** بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل

فما لينت فينا قناة صليبة *** ولا ذللتنا للذي ليس يجمل

ولكن صحبناها نفوساً أبية *** تحمل ما لا يستطاع فتحمل

إن أفضل زينة للمجاهد المؤمن هو أن يتحلى على الدوام بخلق الثبات.

 

http://www.balagh.com              المصدر: