بين التمييز والتميز (1)
د. محمد بن مصطفى السيّد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فقد يبدو أمر التميز للوهلة الأولى من ترف العلم، والنظر فيه أو الحديث عنه أمر غير ذي بال، غير أن ذلك ضرب من الخيال، فإن التميز أمر مطلوب بين المسلمين أنفسهم، وبين المسلمين عن سواهم.
وقد جاءت النصوص متظافرة تؤكد هذا المعنى وتسعى إلى تأييده في جوانبه المختلفة، العقدية منها أو غير ذلك.
وقبل أن أخوض في النصوص الواردة في ذلك؛ أود أن أقف وقفة مع معنى التميز في اللغة، حيث نجد ابن منظور يقول: "الميز: التمييز بين الأشياء، تقول: مزت بعضه من بعض، فأنا أميزه ميزاً، وقد أماز بعضه من بعض، ومزت الشيء أميزه ميزاً، عزلته وفرزته، وكذلك ميّزته تمييزاً فانماز...
وتميز القوم؛ صاروا في ناحية، وفي التنـزيل العزيز: "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" [59: يس]، أي: تميزوا، وقيل: أي: انفردوا عن المؤمنين، واستماز عن الشيء: تباعد عنه.
ويقال: امتاز القوم: إذا تميز بعضهم من بعض" [1].
ويرى الراغب الأصفهاني أن التمييز في "الفصل بين المتشابهات" [2]، بينما يرى الكفوي أن التمييز في: "المشتبهات، نحو: "ليميز الله الخبيث من الطيب" [37: الأنفال]، وفي المختلطات، نحو: "وامتازوا اليوم أيها المجرمون".
و "التمييز؛ قد يقال للقوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، ومنه: فلان لا تمييز له، وسن التمييز عند الفقهاء: وقت عرفان المضار من المنافع" [4].
إن التأمل والنظر في المعنى اللغوي يقودنا إلى عدد من الملحوظات، لعل من أبرزها:
- إن التميز حالة تعني الافتراق عن الآخرين، والانفصال عنهم، سواءً أكان هذا الافتراق حسياً (بدنياً)، أو معنوياً.
- الترابط بين التميز والتمييز، فبالتمييز بين المنافع والمضار، يمكن للمرء الوصول إلى مرحلة التميز، وذلك لأنه قد يرى في أمر ما حقاً فيقدم عليه، ويرى في سواه باطلاً فيحجم عنه.
وهذا الشيء الضار أو النافع ربما كان من الأمور الحسية المعروفة الضرر، أو المعنوية، كالمضرات الفكرية والعقدية، ونحوها، فإذا منح الله العبد القدرة على التمييز بين النافع والضار، فإنه حتماً لابدّ أن ينماز وينفصل مبتعداً ومفارقاً ذلكم الشيء الضار.
ومما يعين على ذلك أن يؤتى المرء عقلاً حكيماً يستعين به في التمييز بين المنافع والمضار والمصالح والمفاسد، بيد أنه لا يجب أن يركن إليه فحسب؛ لأن العقل مرجعه النص، يقوده إلى حيث مستقره الصحيح.
إن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة رعت هذا الأمر واهتمت به في جوانبه كلها، بدءاً بجوانب العقيدة حيث تميز المسلم في دينه وعقيدته، كما في قصة تحويل القبلة في المدينة، وكما في مفتتح القرآن في سورة الفاتحة، مروراً بجوانب العبادة المختلفة، وانتهاءً بجوانب الحياة المختلفة، حيث تميز المسلمين عن بعضهم، وهو مجال رحب للركض والمنافسة؛ لأن الله - تعالى - خلق العباد، بل خلق الموت والحياة "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" [2: الملك].
لقد فهم سلف هذه الأمة هذا المبدأ، وساروا عليه، فتجد النصوص طافحة بحبهم للتميز فيما بينهم، فقد كانوا كثيراً ما يسألون رسول الله - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -: أي العمل خير؟
لقد كان يشغلهم تجويد العمل، والبحث عن الأفضل دائماً، ولم يكن سؤالهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ماذا نعمل؟ فكلهم يعملون، بل كلهم يعرفون ماذا يجب عليهم أن يعملوا، بل لقد كانوا يبحثون عن أفضل العمل.
وسوف أسعى - إن شاء الله تعالى - إلى مزيد توضيح له في الحلقة المقبلة.
وبالله التوفيق.
----------------------------------------
[1] انظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة: ميز: 5 / 412
[2] مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة (ميز)، ص: (783).
[4] الكليات، للكفوي، ص:(289).