التعامل
مع خطأ العالم
عبدالرحمن
بن ناصر السعدي
[ ومن أعظم المحرمات وأشنع
المفاسد إشاعة عثراتهم والقدح فيهم في غلطاتهم ، وأقبح من هذا
وأقبح إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك ، وربما يكون – وهو الواقع كثيراً – أن
الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ ولهم اجتهادهم فيه ، معذورون والقادح
فيهم غير معذور ؛ وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين
والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين ، فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم
التعاون على البر والتقوى ، والسعي في إعانة بعضهم بعضاً في كل ما عاد إلى هذا الأمر ،
وستر عورات المسلمين وعدم إشاعة غلطاتهم والحرص على تنبيههم بكل ممكن من الوسائل
النافعة ، والذب عن أعراض أهل العلم والدين ، و لا ريب أن هذا من أفضل
القُرُبات ، ثم لو فرض أن ما أخطأوا أو عثروا ليس لهم تأويل و لا عذر ، لم يكن من الحق
والإنصاف أن تُهدر المحاسن وتُمحى حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير ، كما هو دأب
أهل البغي والعدوان ، فإن هذا ضرره كبير وفساده مستطير ، أي عالم لم يخطئ وأي حكيم
لم يعثر ؟ ] [ الثقافة 1/436]
مثال :
يعجبني ما وقع لبعض أهل العلم وهو
انه كتب له إنسان من أهل العلم والدين ينتقده انتقاداً حاراً في بعض المسائل ، ويزعم أنه مخطئ فيها حتى
إنه قدح في قصده ونيته ، وادعى انه يدين الله ببغضه بناءً على توهم من خطئه ، فأجاب
المكتوب له :
يا
أخي إنك إذا تركت ما يجب عليك من المودة الدينية ، وسلكت ما يحرم عليك من اتهام أخيك بالقصد السيء على
فرض أنه أخطأ ، وتجنبت الدعوة إلى الله بالحكمة في مثل هذه الأمور ، فإني أخبرك
قبل الشروع في جوابي لك عما انتقدتني عليه : بأني لا أترك ما يجب عليَّ من الإقامة
على مودتك ، والاستمرار على محبتك المبنية على ما أعرفه من دينك انتصاراً لنفسي ،
بل أزيد على ذلك بإقامة العذر لك في قدحك في أخيك ، بأن الدافع لك على ذلك قصدٌ حسن
، لكن لم يصحبه علم يصححه ، و لا معرفة تبين مرتبته ، و لا ورع صحيح يوقف العبد
عند حده الذي أوجبه الشارع عليه 0 فلحسن قصدك عفوتُ لك عما كان منك لي من الاتهام
بالقصد السيء ، فهب أن الصواب معك يقيناً ، فهل خطأ الإنسان عنوانٌ على سوء قصده ،
فلو كان الأمر كذلك ، لوجب رمي جميع علماء الأمة بالقصود السيئة ، فهل سلم أحد
من الخطأ ؟! وهل هذا الذي تجرأت عليه إلا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنه
لا يحل رمي المسلم بالقصد السيء إذا أخطأ ، والله تعالى قد عفا عن خطأ المؤمنين في
الأقوال والأفعال ، وجميع الأحوال 0 ثم نقول : هب أنه جاز للإنسان القدح في إرادة من
دلت القرائن والعلامات على قصده السيء ، أفيحل القدحُ فيمن عندك من الأدلة الكثيرة
على حسن قصده ، وبعده عن إرادة السوء ما لا يسوغ لك أن تتوهم فيه شيئا بما
رميته به ، وإن الله أمر المؤمنين أن يظنوا بإخوانهم خيراً إذا قيل فيهم خلافُ ما
يقتضيه الإيمان ، فقال تعالى (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ) سورة النور .
واعلم
أن هذه المقدمة ليس الغرض منها مقابلتك بما قلت ، فإني كما أشرت لك : قد
عفوت عن حقي إن كان لي حق ، ولكن الغرض النصيحة ، وبيان موقع هذا الاتهام من
العقل والدين والمروءة الإنسانية . [ الفتاوى :47]
موقع صيد الفوائد