التيار الصدري هل هو وطني ومقاوم ضد الاحتلال؟
صلاح المختار
1/5/2008م
هناك من يتساءل عن هوية جيش المهدي والتيار الصدري الذي يقوده بعد أن دارت معارك دموية في جنوب العراق، وفي مدينة الثورة في بغداد (والتي أطلق عليها البعض بعد الاحتلال تسمية مدينة الصدر) بين حكومة المالكي وجيش المهدي؛ ذهب ضحيتها مئات العراقيين الأبرياء نتيجة استخدام الطائرات والدروع، والمدفعية الثقيلة، وكافة أنواع الأسلحة في مناطق مدنية صرفة، صحيح أن أخطر ما في هذه المعارك هو إبادة العشرات من العراقيين الأبرياء، ولكن هناك خطر لا يقل أهمية وهو خطر التضليل الذي يمارسه طرفي القتال أي الحكومة العميلة والقوات الأمريكية، وجيش المهدي وإيران، ووصل التضليل ذروته بادعاء مقتدى الصدر عبر قناة الجزيرة بأنه يمثل حركة مقاومة للاحتلال، وطلب من الجامعة العربية دعمه.
كما أن هناك جهات عربية معينة أخذت تقول: بأن (مقتدى يقود مقاومة ضد الاحتلال)، ومن ثم فإن إيران ليست مع الاحتلال الأمريكي للعراق، ويقال هذا ضمناً غالباً، وأن الدفاع عنها وعن برنامجها النووي ضروري، ويقال هذا صراحة وبوضوح تامين، رغم أن تاريخ إيران الحديث - خصوصاً في زمن خميني وأتباعه الحكام الحاليين هو تاريخ فرض وشن الحروب ضد العرب، وقصف المدن العربية بالصواريخ الإيرانية التي دكت البصرة وبغداد وغيرهما أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وقتلت المئات من المدنيين العراقيين، قبل أن تدكها صواريخ بوش، ونشر الفتن الطائفية، والتعاون مع أمريكا وإسرائيل ضد الأمة العربية، وما إيران جيت وإسرائيل جيت إلا مثالان على هذه الحقيقة!
وقد تجسد ذلك التضليل في بيان صدر باسم (الحملة الدولية ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني مؤتمر ومنتدى القاهرة للتحرر 2008م)، والذي أصر من أصدره على رفض توجيه حتى نقد خفيف لإيران، وهو ما قام به المؤتمر القومي نتيجة وجود وطنيين عرب فيه بسبب موقفها من العراق، مكرراً (أي البيان) ما فعله في العام الماضي رغم الاعتراضات الشديدة من قبل بعض من حضروا المؤتمر، ومطالبتهم بإدانة الدور الإيراني في العراق، فمورست أساليب ديكتاتورية من قبل منظميه لإسكات كل صوت ينتقد الدور الإيراني في العراق.
وحينما نكتب هذا المقال فيجب أن نشير إلى أن من أصدر البيان تجنب الإجابة على استفساراتنا حول بيان العام الماضي في رسالة أرسلت له، لذلك لم يعد بوسعنا أن نسمح بمرور هذا التضليل والتزييف لواقع العراق، ولطبيعة القوى السياسية فيه، والذي مارسه أولئك الذين فرضوا البيان وأصدروه، والمحاطين بأسئلة مهمة وكثيرة حول هويتهم.
ولئن كانت هوية المؤتمر المسمى (الحملة الدولية ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني مؤتمر ومنتدى القاهرة للتحرر 2008) الذي أصدر بياناً يدافع عن إيران بحماس محاطة بغموض كبير؛ فإن المؤتمر القومي العربي المعروف الهوية من تسميته وقع هو الآخر في فخ إيران حينما دافع عن المشروع النووي الإيراني، وأدان احتمال شن هجوم أمريكي على إيران رغم نفي بوش وخامنئي مراراً وجود نية أو احتمال للقيام بذلك، والأهم رغم مرور ثلاثة عقود وأمريكا تهدد إيران دون تنفيذ ذلك، ومع هذا نسجل للمؤتمر القومي أنه ضمّن بياناته نقداً مؤدباً وخجولاً لإيران بسبب جرائمها في العراق، وتلك خطوة مهمة رغم تواضعها الشديد لأن المؤتمر محكوم ببعض الاعتبارات التي نعرفها جيداً.
ولأهمية وخطورة هذا التزوير والتضليل المبرمجين فإن الفكرة المركزية التي يجب أن تبقى ماثلة أمام نواظرنا نحن العرب، وتفرضها حقائق صارمة تتعلق باستراتيجيات كل من أمريكا وإسرائيل وإيران هي أن القدرة النووية الإيرانية لن تستخدم على الإطلاق ضد إسرائيل وأمريكا، لأن أهداف إيران الاستراتيجية لا تتضمن أي تجاوز رئيسي على الخطوط الحمر الأمريكية والإسرائيلية المعروفة، بل بالعكس فإن استراتيجية إيران تخدم أمريكا وإسرائيل لأنها تتركز أساساً على تفكيك الأقطار العربية وشرذمتها، خصوصاً نشر الفتن الطائفية، والعمل المخطط لتذويب الهوية العربية، والقضاء عليها، إضافة لذلك وإذا افترضنا ولأغراض النقاش فقط وجود نية إيرانية لتجاوز الخطوط الحمر - أو بعضها - فإن الزعامات الإيرانية البراغماتية الطبيعة تعرف يقيناً أن ضرب إسرائيل سوف يقود حتماً لإزالة إيران من الخارطة برد فعل أمريكي أو إسرائيلي مباشرين، وهو ما هددت به هيلاري كلنتون علناً.
من هنا فإن السؤال الخطير الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت إيران لا تفكر حتى مجرد تفكير باستخدام أسلحتها بما في ذلك النووية في حال امتلاكها ضد إسرائيل أو ضد أمريكا فضد من ستستخدم إذن؟
إننا يجب أن ننتبه إلى حقيقة خطيرة وهي أن القدرة الإيرانية النووية أو غيرها ستستخدم حتماً وبلا أي شك لابتزاز العرب لأجل قبول هيمنتها ومطالبها في الأرض العربية في ظل غياب الردع النووي العربي من خلال تهديدهم باستخدام السلاح النووي ضدهم إذا رفضوا طلبات وشروط إيران، ولدينا الدليل الحاسم على صحة ذلك وهو حقائق التاريخ الحديث والقديم، ومنها حقيقة قصف إيران لمدن العراق بالصواريخ، فمن يقصف بغداد والبصرة بالصواريخ، ويقتل المدنيين العراقيين؛ خصوصاً الأطفال كما فعلت إيران بقصف مدرسة بلاط الشهداء في بغداد، وقتلت أكثر من 30 طفلاً؛ لن يكون غريبا عليه أن يستخدم السلاح النووي ضدهم ما دام لدى الزعامات الإيرانية الاستعداد للقتل سواء تم بسلاح نووي أو سلاح تقليدي.
ومما له دلالة مهمة هو أن جيش المهدي وكما قال ناطق باسمه هو أحد أهم أسباب اختيار نوري المالكي لرئاسة الحكومة، فمن يستطيع في ظل الاحتلال تقديم الدعم الذي يقرر تنصيب حكومة ورئيس حكومة غير المتعاون مع الاحتلال، وجيش المهدي شريك المالكي والجلبي، وإياد علاوي في الحكم والبرلمان، اللذان أقامهما الاحتلال، وهو طرف أساسي في كل الجرائم ضد شعب العراق، ومقاومته الوطنية المسلحة!
ما الذي يحدث؟ وما هي الأسباب الحقيقية للاشتباكات التي حدثت في البصرة وغيرها؟ ما هي حقيقة التيار الصدري وهويته؟
لكي نجيب بصورة صحيحة ودقيقة على هذه الأسئلة ينبغي التذكّير بحقائق أساسية أهمها ما يلي:
نظرية الاندساس في جيش المهدي:
من بين أهم مظاهر التضليل الذي تمارسه المخابرات الإيرانية عبر جهات عراقية أو عربية؛ طرح نظرية تقول: بأن جيش المهدي ليس كله سيئاً بل فيه عناصر نظيفة ووطنية، ولكنه اخترق من قبل اللصوص والساقطين أخلاقياً، وأن مقتدى قد انتبه لذلك فأخذ يتبرأ من هؤلاء! هل هذه النظرية صحيحة؟
إن هذه النظرية هي قمة التضليل والخداع، والكذب المصمم لخدمة الدور الإيراني في العراق، وتوفير متطلبات استمراره، وأهمها تضليل الرأي العام العربي، والرأي العام الإسلامي (لأن شعب العراق يعرف حقيقة الدور الإيراني)، وإقناعه بأن إيران تتخذ موقفاً مناهضاً لأمريكا.
إن اكتشاف عناصر التضليل هنا يتم بالانتباه للحقائق التالية:
1- أن جيش المهدي أنشئ بقرار من المخابرات الإيرانية، وربط بالتيار الصدري لإضفاء صفة عربية ووطنية عليه، وتمييزه عن التنظيمات الأخرى العميلة لإيران مثل حزب الدعوة، والمجلس الأعلى، لذلك فإنه تنظيم خاضع كلياً لأوامر إيران في التخطيط والتنفيذ.
2- في إطار تقسيم الأدوار بين أذرع إيران لضمان احتواء أكبر عدد ممكن من الناس، ومن مختلف الاتجاهات؛ قررت المخابرات الإيرانية أن يلعب جيش المهدي دور المناهض للاحتلال ولكن بشكل سلمي، والهدف الأول هو احتواء الشيعة العرب الوطنيين المناهضين للاحتلال، وعدم السماح لهم بالانضمام للمقاومة الوطنية العراقية؛ وهم الأغلبية الساحقة التي تدين خدمة حزبي الدعوة والمجلس الأعلى للاحتلال.
3- أن محاولة إلقاء تبعة جرائم جيش المهدي على عناصر انتهازية أو لصوص يقال إنهم تسللوا إليه أو عناصر مخابراتية أرادت تشويه صورته؛ كلام ليس فقط خاطئ بل إنه مدان كلياً، لأن لعبة جيش المهدي هي عمل مخابراتي إيراني متكامل ومدروس، فعمليات النهب والسلب، والقتل العشوائي أو الطائفي التي قام بها جيش المهدي جزء من المخطط الإيراني لنشر الفوضى وعدم الاستقرار في العراق، وإرهاب العراقيين العرب، وإجبارهم على الهجرة من وطنهم، وتحويل الأغلبية العربية في العراق (وهي 85% من السكان) إلى أقلية، أو قوة غير طاغية سكانياً بعد تهجير ستة ملايين عربي منهم، واستيراد أربعة ملايين إيراني فارسي وكردي من إيران وتركيا وغيرهما إلى العراق، ومنحهم الجنسية العراقية بصورة رسمية أو بالتزوير.
لذلك فإن ما قام به جيش المهدي كان عملاً مدروساً بدقة، ولم يكن نتاج أخطاء مندسين في صفوفه على الإطلاق.
ويجب أن نذكّر هنا بأن مقتدى الصدر المتخلف فكرياً، والأمي سياسياً واجتماعياً؛ وهي حقيقة يعرفها كل من استمع إليه وهو يتحدث؛ ليس سوى واجهة لجيش المهدي، وللتيار الصدري، وأن من يقوده فعلاً هو المخابرات الإيرانية مباشرة، كما يجب التذكير بأن مخطط إيران لتغيير الهوية العربية للعراق هو نفس المخطط الأمريكي - الإسرائيلي، وهذا هو أحد أهم أسباب ترك أمريكا لجيش المهدي يقوم بجرائمه في السنوات السابقة.
4- منذ البداية كانت اللغة الوحيدة لجيش المهدي هي ادعاء أنه يعمل على (المحافظة على وحدة الطائفة ومصالحها) وليس وحدة ومصالح العراق، وهذا الكلام ردده مقتدى مراراً، وهو موثق بالصورة والصوت، من هنا فإن جيش المهدي هو أساساً جيش طائفي (ظاهرياً)، صفوي الوظيفة والطبيعة والدور فعلياً، ويخدم مصالح إيران القومية بصورة كاملة وليس العراق، ويستقطب السذج باسم الطائفة، وفي ضوء ذلك فإنه لم يكن وطنياً على الإطلاق لأن المنخرطين في صفوفه عبارة عن حثالات المجتمع العراقي (مثل أبو درع الذي كان يتفنن في قتل العراقيين على أساس طائفي)، والذين لا يهمهم شيء سوى العمل اللصوصي، والقتل، والاغتصاب بأساليب هي الأبشع في كل تاريخ العراق.
5- إن دور جيش المهدي أخطر من دور حزبي الدعوة والمجلس الأعلى اللذان كشفا كأداتين رسميتين وفعليتين للاحتلال، لذلك طرحت إيران جيش المهدي كمعارض للاحتلال لأجل استقطاب شيعة العراق، وأغلبيتهم الساحقة ضد الاحتلال، وتحويل غضبهم على الاحتلال إلى عراقيين أشقاء لهم نتيجة تربيته الطائفية.
إن أهم ما يجب التذكير به هو أن جيش المهدي لا يختلف عن حزب الدعوة والمجلس الأعلى من حيث الصلة بحكومة الاحتلال، فهو يملك وزراء في الحكومة، ولديه أعضاء كثر في البرلمان الذي شكله الاحتلال، ويعلن ليل نهار انه يدعم العملية السياسية، وأنه جزء أصيل منها، مع أنها عملية تتم في ظل الاحتلال، وبتخطيط الاحتلال، ولخدمة الاحتلال.
ويجب أن نشير إلى دوره في الحكومة من خلال ما فعله في وزارة الصحة، والتي كانت من حصته، فلقد حولها إلى مسلخ بشري رهيب من خلال قتل كل مصاب أو مريض يجلب للعلاج في المستشفيات العراقية، لذلك أخذ الناس لا يذهبون للمستشفيات بل يبقون في بيوتهم يواجهون الموت بصمت خوفاً من التعرض للتعذيب البشع على يد فرق موت جيش المهدي، والتي كانت تتفنن في ابتكار أساليب قتل مثل شواء البشر وهم أحياء في أفران الخبز، وتشويه الجسد بتلذذ سادي غريب حتى الموت.
6- إن اللحظة الحاسمة التي جعلت جيش المهدي يحل محل فيلق بدر في ارتكاب الجرائم البشعة، ويتفوق عليه بعشرات المرات؛ كانت عملية تفجير مرقد الأمامين - رضي الله عنهما - في سامراء في مطلع عام 2006م، إذ أن جيش المهدي بدأ مباشرة بعد التفجير بشن هجمات ضخمة ومنظمة على مناطق بغداد، وقتل عشرات الآلاف من البغداديين، وهجر البقية من مناطقهم، في تلك الفترة كشف جيش المهدي عن هويته الحقيقية الكاملة وهي أنه إيراني بالكامل، وأكثر إيرانية من فيلق بدر، وكان أبرز تعبير عن ذلك هو الإعلان من قبله رسمياً عن هدف تحويل بغداد إلى مدينة شيعية، وطرد أهل السنة منها بالقتل والإرهاب الدموي.
لقد كان السلاح الأول لجيش المهدي في تلك التجربة المرة جداً هو القتل على الهوية الطائفية، ولئن كان هناك من يقسم جيش المهدي إلى أشرار وأخيار قبل مذابح بغداد في عام 2006م؛ فإنه الآن إذا أراد تكرار طرح هذا التقسيم المفتعل لجيش المهدي سيعرض نفسه للشبهات مهما كانت هويته وموقعه، لأن ما قام به جيش المهدي تجاوز الخطوط الحمر كلها، وهو ما أجبر مقتدى وبأمر من المخابرات الإيرانية على الإعلان عن أن هناك مجاميع في جيشه تصرفت بصورة خاطئة، وأنه سيفصلها من جيشه.
7- أما من يستخدم معركة النجف في عام 2004م بين جيش المهدي والقوات الأمريكية والعراقية العميلة للقول بأنه يعارض الاحتلال؛ فيجب أن لا ننسى أبداً الحقائق المركزية الآتية:
أ- أن بول بريمير الحاكم الأمريكي هو من فتح النار على جيش المهدي والتيار الصدري وليس الجهة الأخرى حينما أصدر أمراً باعتقال مقتدى لمحاكمته بتهمة قتل عبدالمجيد الخوئي، واعتقل أبرز مساعد لمقتدى، وإغلاق مجلته، عندها أراد مقتدى الإفلات من الاعتقال بالتهديد بحمل السلاح، فتفجرت المعارك بين الطرفين، ولم يكن هدف مقتدى طرد الاحتلال أبداً بل حماية نفسه ومنع اعتقاله، ولذلك فإن مقتدى قبل وقف إطلاق النار الذي عرضه بريمر بشرط تسليم أسلحة جيش المهدي، وسلمت فعلاً لقاء مبالغ مالية، ونقل التسليم عبر شاشات التلفاز، وفي العرف العشائري والوطني والعسكري والأخلاقي فإن من يسلم سلاحه للعدو يفقد شرفه ووطنيته.
ب- اشترك التيار الصدري في العملية السياسية، وكان طرفاً أساسياً فيها لدرجة أنه هو من أوصل المالكي لرئاسة الوزارة، وتلك حقيقة أعاد التأكيد عليها جيش المهدي أثناء معركة البصرة في معرض تذكير المالكي بأنه لولا دعم الصدر له لما أصبح رئيساً للوزراء، وكان لجيش المهدي وزراء وأعضاء في البرلمان الذي أقامه الاحتلال، وهذا الموقف بحد ذاته دليل على أن التيار الصدري وجيش المهدي هما جزء أصيل وأساسي في تركيبة الاحتلال، والنظرية التي يستند إليها التيار الصدري في تسويق الاشتراك في الحكم في ظل الاحتلال تقول بأن النضال السلمي يمكن أن يؤدي إلى خروج قوات الاحتلال، وهنا يجب أن نشير إلى أن كل عملاء الاحتلال بما في ذلك الجلبي والمالكي، والجعفري وعلاوي، وطارق الهاشمي والحكيم؛ تستروا بهذه النظرية، وكان مقتدى وما زال هو احد هؤلاء.
ج- حينما اشتدت أزمة تقاسم مناطق النفوذ والغنائم بين أمريكا وإيران، وصعدت أمريكا تهديداتها الدعائية الجوفاء لإيران؛ أعلن مقتدى الصدر تماماً مثلما أعلنت التنظيمات الصفوية الأخرى في العراق بأنه إذا شنت أمريكا هجوماً على إيران فإنه سيقاتل القوات الأمريكية في العراق دفاعاً عن إيران، هذا الموقف بحد ذاته كاف تماماً لتحديد هوية مقتدى الصدر الحقيقية وهي أنه إيراني الانتماء والهوية وليس له صلة بالعراق بأي شكل من الأشكال، لأن الانتماء للعراق يفرض التزامات صارمة في مقدمتها الدفاع عنه عند تعرضه للخطر وليس الاصطفاف مع من يغزو العراق ضد من يقاوم الغزو.
إن مقتدى الصدر في هذا الإطار لا يختلف عن الحكيم والجعفري والمالكي، بل هو مثلهم تماماً، لأن هؤلاء بعد أن كانوا وما زالو أهم دعائم الاحتلال الأمريكي للعراق؛ يعلنون الآن بوقاحة لا نظير لها بأنهم سيدافعون عن إيران إذا تعرضت لهجوم، وبالفعل قام جيش المهدي بشن هجمات محدودة ضد القوات البريطانية في البصرة تنفيذاً لأوامر إيرانية واضحة، وليس دفاعاً عن العراق، فإين وطن هؤلاء هل هو في العراق؟ أم في إيران؟
د- يعرف شعب العراق - خصوصاً كافة فصائل المقاومة العراقية وبلا أي استثناء - بأن جيش المهدي كان حتى عام 2006م من بين أشد فرق الموت قسوة على المجاهدين والمقاومين للاحتلال، وأنه قتل آلاف المجاهدين من مختلف الفصائل، وفي عام 2006م أصبح جيش المهدي هو التنظيم الأشد ضرواة وقسوة وإجراما بحق المجاهدين ضد الاحتلال، وسجل أعلى أرقام القتل والاغتيال خصوصاً بين مجاهدي أبناء جنوب العراق الوطنيين والقوميين العرب.
هـ- كما يعرف أبناء العراق - خصوصا أبناء القوات المسلحة الوطنية الشرعية - بأن أغلب فرق الموت التي اغتالت آلاف الضباط والطيارين العراقيين هي فرق الموت التابعة لجيش المهدي، والتي استلمت قوائم تفصيلية بأسماء الضحايا من المخابرات الإيرانية، ونفذت عمليات الاغتيال بلا تردد وبقسوة لا نظير لها، وإذا تذكرنا بأن تصفية القوات المسلحة الوطنية العراقية كان قراراً أمريكياً اتخذه بول بريمير؛ فإن تنفيذ جيش المهدي لهذا القرار يحدد هويته الدقيقة وطبيعته الثابتة، فهو لم يكتف بدعم الاحتلال من خلال الاشتراك في الحكم والبرلمان، والعملية السياسية؛ بل هو تطوع بحماس وتطرف لتنفيذ أقذر صفحات حل جيش العراق الوطني وهي صفحة اغتيال وتصفية كوادره العسكرية التي مرغت أنف خميني وإيران في الوحل حينما أراد غزو العراق تماماً مثلما مرغ جيش العراق الحاضنة الأساسية للمقاومة العراقية؛ أنف أمريكا في أوحال الهزيمة في العراق.
و- إن جرائم جيش المهدي امتدت وتوسعت لتشمل الشعب الفلسطيني في العراق لأنه هو بالأساس من قام بعمليات قتل مئات الفلسطينيين، وتهجير الآلاف منهم نتيجة وقوع مناطق سكن الفلسطينيين في داخل مناطق نفوذ جيش المهدي، والتي لا ينازعه أحد فيها على مستوى العصابات الإجرامية، إن أبناء فلسطين في العراق وخارجه يعرفون جيداً أن سكاكين جيش المهدي هي التي ذبحت مئات الفلسطينيين.
ز- هناك من يقول بعهر ضمير كامل: إن بالإمكان جر جيش المهدي إلى جانب المقاومة العراقية، وسبب وصفنا لموقف هؤلاء بـ(عهر الضمير) هو أن واقع العراق وتطورات أحداثه تؤكد بأن جيش المهدي يوجه كلياً من قبل المخابرات الإيرانية، ومقتدى عبارة عن واجهة تابعة لا حول لها ولا قوة، والدليل على صحة ذلك هو موقف المقاومة من مقتدى وجيش المهدي أثناء معارك النجف في عام 2004م بين جيش المهدي وقوات الاحتلال والحكومة العملية له، حيث إن المقاومة العراقية قدمت لجيش المهدي دعماً ضخماً تمثل في إرسال ضباط متمرسين إلى النجف لدعم جيش المهدي، وتزويده بالخبرة العسكرية، إضافة لدعمه بالسلاح، وكان الهدف هو إقناع جيش المهدي بالانضمام للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال، وهذه الحقيقة يشهد عليها الشيخ الدكتور حارث الضاري الذي بذل جهوداً شخصية مستمرة لإقناع جيش المهدي بالانضمام للمقاومة.
لكن هذا الجيش؛ وبعد أن عقد صفقة مع الاحتلال قام بموجبها ببيع سلاحه لقوات الاحتلال، وانضم للحكومة العميلة؛ بدل الرد على موقف المقاومة الايجابي منه بإبداء الرغبة بالتعاون معها، هذا الجيش تبنى الموقف الأكثر شراسة تجاه المقاومة من حيث العداء لها، وتصفية كوادرها ومقاتليها.
إن هذه الحقيقة تؤكد ما يلي: لو كان جيش المهدي يضم عناصر مناهضة للاحتلال لاغتنم فرصة تعاون المقاومة معه للانخراط في صفوفها، أو على الأقل إقامة صلات طيبة ومعها، لكنه على العكس أصبح الخطر الأكبر على المقاومة من بين كل فرق الموت والقوى المتعاونة مع الاحتلال، (وتبرع) للقيام بدور (المطهر) العرقي الطائفي في بغداد في عام 2006م في تأكيد واضح على أنه ينفذ أخطر حلقات المخطط الأمريكي - الإسرائيلي - الإيراني وهو إثارة فتنة طائفية في العراق تكون مقدمة لنشرها في كافة الأقطار العربية.
ح- أعلن مقتدى أكثر من مرة تجميد جيش المهدي تلبية لطلبات قوات الاحتلال، ورغبة منه في إثبات حسن نواياه تجاهه، وسعياً وراء الاعتراف بجيش المهدي كقوة متعاونة ومنسجمة مع العملية السياسية والاحتلال، بل إن مقتدى تأكيداً لهذا الموقف أعلن أنه ترك جيش المهدي، واعتزل لأجل الدراسة في قم، لكن الاحتلال كان مصمماً على حل كل المليشيات (باستثناء ميليشيا البيشمركة الصهيونية) لأنها أكملت دورها المطلوب أمريكياً وهو تدمير العراق، ونشر الفوضى فيه، وإشعال الفتن الطائفية، فأمر الاحتلال المالكي بتنفيذ الأمر وهو ما كان السبب في القتال الذي دار في البصرة، ومدينة الثورة في بغداد، ومرة أخرى لم يكن جيش المهدي هو المبادر بالقتال بل القوات الأمريكية، وكان مدافعاً عن وجوده كقوة إيرانية صرفة أرادت أمريكا تصفيتها لتقليم أظافر إيران في العراق.
ط- إن الهدف الأكبر لأمريكا من وراء فتح معركة مع جيش المهدي في البصرة هو إحكام قبضتها على النفط في البصرة، وطرد فرق النهب التي تقوم منذ الغزو بسرقة نفط العراق بكميات ضخمة جداً، وهنا يجب التذكير بأن أمريكا كانت قد شجعتها على النهب لأجل جر هذه الفرق والعصابات - وفي مقدمتها جيش المهدي - إلى تنفيذ المخطط الأمريكي وهو توفير دوافع اقتصادية لدى قوى مهمة لفصل جنوب العراق باسم الفدرالية (تقرأ في الواقع كونفدرالية) رغم أنها بدت فوضوية ظاهرياً، وبقرار أمريكي مدروس.
وعملية النهب هذه لم تقتصر على أذرع إيران في العراق بل كانت وما زالت أمريكا تنهب يومياً حوالي مليون برميل نفط عراقي لأجل تخفيف التكلفة الاقتصادية للغزو، لكن وصول حلقات صنع القرار في أمريكا إلى استنتاج مهم وهو أن الاستمرار في غزو العراق أكثر خسارة بكثير من البقاء فيه وسرقة نفطه، وأن المقاومة العراقية، وبعد فشل كل محاولات تصفيتها أو إضعافها؛ بقيت القوة الأساسية الضاربة في العراق التي تمنع أمريكا من تحقيق أي نجاح استراتيجي؛ نقول: إن وصول أمريكا إلى تلك القناعة أجبرها على التمهيد للهزيمة الحاسمة بالعمل على الحصول على عقد نفطي استراتيجي يمكنها من وضع يدها على النفط العراقي لمدة نصف قرن تقريباً، مع كل ما يقترن بذلك من الاستيلاء على أكثر من 75% من موارد النفط، إضافة لتوقيع اتفاقية أمنية تحصل بموجبها أمريكا على قواعد أو وجود أمني فعال داخل العراق.
من هنا فإن أول خطوة نحو توقيع الاتفاقية الاسترقاقية هذه هو انفراد أمريكا بالسيطرة على النفط في الجنوب، وإيقاف تنفيذ الخطة الأمريكية السابقة وهي توفير بيئة مناسبة للنهب المنظم.
إن من لا يأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقيقة لن يستطيع فهم حقيقة ما يجري في الجنوب، إن القتال في الجنوب مع جيش المهدي ليس فقط لتصفية لصوص النفط، وبقاء لص واحد يسرقه هو أمريكا؛ بل إنه يستهدف أيضاً إعداد الظروف المناسبة لتوقيع وتنفيذ اتفاقية النفط، ومن دون جعل النفط بيد واحدة لا يمكن تنفيذ أي اتفاقية نفطية.