شهر الله المحرم وتزكية النفوس (1)
محمد بن عبد العزيز الطريفي
فإن من نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسم خير يزكوا فيها أنفسهم، فيرفعوا بها من درجاتهم،
ويتطهروا بها من سيئاتهم، وهذه العبادات والمواسم التي يزكي العبد فيها نفسه متنوعة ومتعددة،
ففي المال زكاة ٌ تنميه وتطهره، وفي الذكر للقلب تنمية وتطهير، وكذا في الصلاة والصيام والحج، والأدلة في ذلك معلومة وظاهرة في أن لهذه العبادات زكاة تطهر الذنوب والسيئات، وتنمي الحسنات، وتعلي الدرجات، ومن هذه المواسم التي لابد للعبد أن يغتنمها، ويجد ويكد فيها، شهر الله المحرم، الذي في إضافته إلى الله تفخيما ً وتعظيما ً كقولهم بيت الله.
ومما ورد في فضل هذا الشهر ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) (2) ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته تعليقا على هذا الحديث(3)، أي أنه أفضل شهر تطوع به كاملا بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم، لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة، وعشر ذي الحجة، فالتطوع
المطلق أفضله المحرم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، ولم يكن r يكثر فيه الصوم إما لعذر، أو لم يكن يعلم فضله إلا أخيرا ً. أ. ھ
ويتأكد الصيام فيه في يومه العاشر الذي نجى الله فيه نبيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه،
كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.
ومما ورد في فضل صوم يومه العاشر ما رواه مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي- صلى الله عليه وسلم -: سئل عن صوم عاشوراء؟ فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)(4).
ومن أكمل مراتب صيام يوم عاشوراء ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد (5) فقال)ومراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم) أ. ھ.
ومن المسائل التي لا بد أن تعلم هل يكره إفراد العاشر بالصوم؟
أجاب عن ذلك الشيخ محمد العثيمين في شرحه الممتع(6) فقال: قال بعض العلماء: إنه يكره لقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: (صوموا يوما قبله أو يوما بعده خالفوا اليهود).
وقال: بعض العلماء: إنه لا يكره، ولكن يفوت بإفراده أجر مخالفة اليهود.
والراجح أنه لا يكره إفراد عاشوراء). أ. ھ
ومن الأمور المحدثة في هذا اليوم ولا أصل لها التوسعة على العيال فقال في ذلك الإمام أحمد - رحمه الله -: ما روي في ذلك لا أصل له، وليس له إسناد ثابت.
ومن الأمور المحدثة أيضا ً ما يفعل من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة فهذه من الأمور المبتدعة المحدثة، التي لا أصل لها، ولم ترد عن أحد من أئمة المسلمين ولا عن غيرهم
ومن معاني الزكاة في اللغة النماء والتطهير، وهي واقعة في هذا الشهر.
ففي النماء ما ذكر من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم).
وفي التطهير ما ذكر من حديث النبي- صلى الله عليه وسلم - حينما سئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال) أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله).
فكفى بذلك غنيمة للعبد أن يزيد فيه من أجره ويكفر فيه من وزره.
فأسأل الله - جل وعلا - أن يطهر قلوبنا، وأن يعمرها بالإيمان، وأن يلزم أنفسنا جادة الطريق، فلا نميل عنها ولا نحيد، وأن يسخر لنا مواسم الخيرات، فنغتنم منها الرفعة والزكاة، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
_____________
[1] أصلها زكا، ويراد بها التطهير أو النماء، قال الرازي في مختار الصحاح: وقوله - تعالى -{ويزكيهم بها} قالوا: تطهرهم بها وزكا الزرع يزكو (زكاءً) بالفتح والمد أي نما. ص 158دار الحديث.
2 أخرجه مسلم في الصيام / باب صوم المحرم (1163) عن أبي هريرة t.
3 المجلد الثاني ص 449ح 4.
4 أخرجه مسلم في الصيام / باب استحباب صيام ثلا ثة أيام من كل شهر (1162)
5 الجزء الثاني، مؤسسة الرسالة ص 72.
6المجلد السادس ص 468.
2/1/1429 هـ