أثر المساواة في الفكر الإسلامي المعاصر
ماذا وراء علمنة المفهومين ونتائج ذلك على الواقع؟!
د. علاء الدين الأمين الزاكي
المبحث الأول: مفهوما المساواة والعدل والعلاقة بينهما:
المطلب الأول: مفهوم المساواة:
المساواة لغة: من مادة (سوا) وهي «المماثلة والمعادلة 'يقال: لا يُساوِيهِ أي لا يعادله. وسَوَّيْتُ الشيء تَسْوِيَةً فاستَوَى. وقسم الشيء بينهما بالسَّويَّةِ(1).
أما مفهوم المساواة:
فقد ظهر اتجاهان متباينان في الفكر الإنساني لتحديد مفهوم المساواة، وهما:
الاتجاه الأول: توسع في مفهومها وأخذ بها في كل مـكان وكـل مجال حيث ذهب إلى أن معناها إزالة كل الفوارق وإذابة كل الحواجز من أي مصدر كانت، وأن النـاس سواء لا يفرق بينهم دين ولا شرع ولا جنس، سواء كان ذلك في الشرع، أو التعامل أو غيره، وسميت بالمساواة المطلقة.
الاتجـاه الثـاني: وهـو الذي أوجـب المماثـلة الكاملة بين الأشياء إلا ما جاء الشرع بنفي التسـوية فـيـه، وهو الاتجاه الذي يتـوقـف عند الشرع باعتبار أنه صاحب الحق في التسوية والتفريق.
وبالنظر للمفهومين نرى أن الأول فتح الباب على مصراعيه وهو عبـث، بل يصـادم نصوص الشرع الصريحة الواضحة التي تنفي المسـاواة بين بعـض الأشياء، مثل قوله - تعالى - : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، وقــولــه - تعالى - : {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران: 36].
قال الشيخ ابن عثيمين: «أخطأ على الإسلام من قال: إن دين الإسلام دين مساواة، بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمـع بين المتسـاويين والتفريق بين المفـترقـين. ـ وقال ـ: لم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبداً، إنما يأمر بالعدل»(2). فالسلامة الدنيوية والأخروية تقتضي التـزام الشـرع دون غـيره من الاجـتهادات المصـادمة له. فـقد تقتضي حكمة الله - تعالى - التفرقة بين شيئين نرى فيها الظلم، ولكنها في حقيقتها قمة العدل؛ فليس هناك من يدعي أنه أعرف بالخلق من خالقهم. قال - تعالى - : {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْـخَبِيرُ} [الملك: 14].
وقد ترتب على التوسع في مفهوم المساواة آثار خطيرة سنعرض لها في حينها إن شاء الله - تعالى -.
المطلب الثاني: مفهوم العدل:
العدل لغةً: قال ابن منظور: «العَدْل، ما قام في النفوس أَنه مُسْتقيم وهو ضِدُّ الجَوْر عَدَل الحاكِمُ في الحكم يَعْدِلُ عَدْلاً وهو عادِلٌ من قوم عُدُول»(3).
أما مفهوم العدل:
فكما أن للمـساواة اتجـاهين فكذلك للعدل اتجاهات عديدة هي:
الاتجـاه الأول: ذهب أقوام إلى أن العدل هو المسـاواة ولا فرق بينهما؛ فإذا ذكرت كلمة (العدل والمساواة) فإنما يعنيان الترادف.
الاتجاه الثاني: وهو الذي يرى أن العدل في الحكم والمساواة بين الناس لا يختلفان، ويعتبر أن المساواة المطلقة نوع من أنواع العدل.
الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه الشرعي الذي يرى أن الشريعة بكاملها عدل، وكل ما ورد فيها عدل سواء كان تفرقة أو تسوية أو حكماً؛ لأن الشرع من العدل - سبحانه وتعالى - ـ وهو وَضْع الشيء حيث أمر الله - تعالى - أن يوضع. قال القرطبي: «العدل هو كل مفروض، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق»(4). وقال السيوطي: «هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط المومى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية»(5). وقال السعدي: «العدل، هو: أداء حقوق الله، وحقوق العباد»(6).
ولعلاقة العدل بالمساواة في الشرع ذكر الشيخ ابن عثيمين تعريفاً للعدل يوضح هذه العلاقة، فقال: «هو الجمع بين المتساويين والتفريق بين المفترقين»(7). بمعنى إذا فرّق الشرع بين أمرين فهو العدل، وإذا ساوى بينهما فهو العدل؛ فهو يرد العدل إلى الشرع.
وبهذا يتبين الفرق بين العدل والمساواة في مفهوم الشرع.
ويمكن إجمال أهم الفروق بين العدل والمساواة في الآتي:
أولاً: إن العـدل في الشـرع مأمـور به ومـرغَّـب فيه مطلقاً، في كل مكان، ومع أي شخص كان. قال - تعالى - : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقال - تعالى - : {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَسعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. أما المساواة، فمنفية في بعض المواضع، كقوله - تعالى - : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18].
ثانياً: إن العدل يشمل التسوية والتفريق وكلاهما موجود في الشريعة. أما المساواة فهي تشمل التسوية فقط، لذلك إذا ذكـر بعض المعاصرين كلمة العدل فلا بد أن يعطف عليـها المساواة؛ فالإسلام دين العدل وليس المساواة؛ لشمول العـدل. يقول الشيخ ابن عثيمين: «من الناس من يستعـمل بـدل العدل المساواة، وهذا خطأ. لا يقال: مساواة؛ لأن المساواة قد تقتضي التسوية بين شيئينِ الحكـمةُ تقتضي التفـريقَ بيـنهما. ومـن أجل هذه الدعوة الجائـرة إلى التـسـوية صـاروا يقـولـون: أي فـرق بين الذكر والأنثى؟! سـوّوا بين الذكور والإناث؛ حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم، لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد، حتى بين الوالد والولد، ليس للوالـد سلـطة على الولد...وهلمَّ جرّاً.لكن إذا قلنا بالعـدل، وهـو إعطاء كل أحد ما يستحقه، زال هذا المحذور، وصارت العبارة سليمة»(8). وقد عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعـض المواضـع عن المساواة بالعدل، وذلك لما جاءه بشـير بولـده النعــمان، فـقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّى أَعْطَيْتُ ابْنِي مِـنْ عَمْـرَةَ بِنْـتِ رَوَاحَـةَ عَطِـيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ ». قَالَ: لاَ. قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ! ». قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ»(9). فمن العدل التسوية بين الزوجات في النفقة، ومن العدل التسوية بين الأولاد في العطـية، ومـن العـدل التـفريق بين الرجـل والمـرأة في الميراث والشهادة.
ثالثاً: استخدام كلمة العدل فيه صيانة للشرع من التناقض، لوجود التفرقة والمساواة، أما استخدام كلمة المساواة ففيه مخالفة صريحة لنصوص الشرع وفيه ادعاء بتناقض نصوصه وإن لم يصرح قائله بذلك.
المبحث الثاني: المساواة في الإسلام:
ذكرنا في مفهوم الإسلام للمساواة وجود بعض صور المسـاواة في الشرع التي يستغلها دعاة المساواة: إما للتشكيك في الشرع بدعوى التناقض لوجودها هنا وانتفائها هناك، أو للاستدلال بها على المساواة المطلقة؛ وكِلا الأمرين باطل. وهنا أذكر بعض صور المساواة في الشرع للدلالة على العدل بمفهومه الصحيح في الإسلام؛ بمعنى أن الحكمة تقتضي التسوية هنا، وقد تقتضي الحكمة ذاتها التفرقة في مكان آخر. من هذه الصور ما يلي:
أولاً: المساواة في أصل الخلقة:
والمقصود بذلك أن الناس في أصل الخلقة سواء، أي في الإنسانية؛ فكل الناس لآدم وآدم خلق من تراب، لا فرق بين أبيض وأسود وأحمر، ولا طويل ولا قصير، ولا عربي ولا عجمي، ويدل على ذلك عدة نصوص منها:
(أ) قوله - تعالى - : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، قال الألوسـي: «من آدم وحواء - عليهما السلام - ـ فالكل سواء في ذلك؛ فلا وجه للتفاخر بالنسب»(10) وقال أبو حيان: «كل واحد منكم مساوٍ للآخر في ذلك الوجه، فلا وجه للتفاخر»(11). وقال ابن عطية: «وقصد هذه الآية التسوية بين الناس»(12)، يعني في أصل الخلقة.
(ب) قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - ـ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ. مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ. لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ»(13). فجميع الناس في أصل الخلقة سواء، وعلى هذا قامت الشريعة السمحاء.
ثانياً: المساواة في أصل الخطاب الشرعي بالإسلام:
إن الخطاب الشرعي بالإسلام، جاء للناس جميعاً، العرب والعجم، البيض والسود، دون تمييز؛ لأن الله - تعالى - أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة. قال - تعالى - : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، فالخطاب موجه للناس جميعاً دون تمييز. وقال - تعالى - : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]. فلا يجوز أن يقال إن دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لجنس دون جنس، ولا لجهة دون جهة
ومن آمن من الناس كان أصل خطاب التكليف موجهاً إليهم جميعاً رجالاً ونساءً على قدم المساواة إلّا ما خصه الشارع لحكمة يعلمها.
يقول - تعالى - : {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195]، وقوله - تعالى - : {وَالْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ والْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْـخَاشِعِينَ وَالْـخَاشِعَاتِ وَالْـمُتَصَدِّقِينَ وَالْـمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْـحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْـحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35]. فأركان الإسلام الخمسة بالجملة يطالَب بها الرجال والنساء، لم تستثنِ واحداً منهم. والترغيب في فضائل الأعمال للرجال والنساء كالإنفاق وغيره، والدعوة إلى مكارم الأخلاق كالصدق والأمانة وغير ذلك.
ثالثاً: المساواة في الحكم بين الناس:
وفي الحُكْم بين الناس لا يجوز التفريق بين الخصمين لأي سبب من الأسباب؛ لذلك قال - تعالى - : {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. فلا يجوز أخذ حقوق الناس بمجرد العداوة والبغضاء؛ لأن الإسلام دين العدل. وقد قضى شريح القاضي ليهودي بدرع مع أن الخصم هو أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه(14). فلم يعرف الإسلام الظلم في تأريخه بل كان العدل شعاره.
رابعاً: المساواة في بعض الأحكام الشرعية:
فالشريعة المباركة ـ زادها الله تشريفاً ـ ساوت بين الناس في بعض الأحكام الشرعيةِ العدلُ يقتضي التسويةَ فيها؛ فمن ذلك على سبيل المثال: التسوية بين الأولاد في العطية كما في الحديث السابق، والتسوية بين الزوجات في النفقة والمبيت، وغير ذلك من الأحكام.
المبحث الثالث: موانع المساواة:
مع أن الناس فيما ذكرنا سواء، ولكن قامت موانع منعت من المساواة بينهم في بعض الأمور تقضي الحكمة حصول التفرقة فيها ونفي المساواة. وهذه الموانع تنقسم إلى قسمين:
الأول: المانع الشرعي الذي جاءت به النصوص الشرعية، ولا أحد يستطيع تجاوز الشرع كائناً من كان. ومن ذلك المنع من المساواة بين المسلم والكافر. قال - تعالى - : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، قال البغوي: «نزلت في على بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه؛ وذلك أنه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت؛ فإنك صبي وأنا والله أبسَطُ منك لساناً، وأحدُّ منك سِناناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة. فقال له علي: اسكت؛ فإنك فاسق، فأنزل الله - تعالى - : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] ولم يقل: لا يسـتويان؛ لأنه لم يرد مؤمناً واحداً وفاسقاً واحداً، بل أراد جميع المؤمنين وجمــيع الفاسـقين»(15). قال السـعدي: «{لاَّ يَسْتَوُونَ} عقلاً وشرعاً، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلـمة، وكـذلك لا يسـتوي ثوابهـما في الآخـرة»(16). وقال - تعالى - : {أَفَنَجْعَلُ الْـمُسْلِمِينَ كَالْـمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36].
حتى بين المسلمين لا يستوي أصحاب الأعمال، كما قال - تعالى - : {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْـمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْـمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْـحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْـمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].
وقال - تعالى - : {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْـحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على التفرقة بسبب الشرع.
الثاني: أي المانع الثاني من موانع المساواة ـ المانع الجِبِلِّي أي بسبب أصل الخِلْقة؛ بمعنى أن الناس جميعاً خرجوا من آدم، ولكن الله - تبارك وتعالى - أقام في خِلْقة المرأة والرجـل فروقاً فرق بسبـبها بينـهما في التكاليف. قال - تعالى - : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34]، قال ابن عاشور: «فالتفضيل هو المزايا الجِبِلِّية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها»(17)، لذلك قد بُني على هذا المانع التفـرقة بين الرجـل والمرأة في بعـض التكاليف الشرعية التي يقتــضي التفريـق في أصـل الخـلـقة التفـريق بيـنها في هذه الأحكام. كالشهادة؛ لأن النسيان من أصل خِلْقَتها. قال - تعالى - : {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282]، قال الآلوسي: «لأن الغالب على طبـاع النـساء النسيان»(18)، وكذا الولاية؛ لأن الضعف في أصل خِلقتها، ولأن العجلة من أصل خلقتها. إلى غير ذلك.
ولو استطاع دعاة تحرير المرأة جعلها تُنفق بدلاً من الرجل لإلغاء الفارق بينهما، لم يستطيعوا جعلها مثل الرجل بإزالة الفوارق الجِبِلِّية.
المبحث الرابع: أثر المساواة المطلقة على الفكر:
لقد أثرت فكرة المساواة المطلقة على الفكر في مجالات عديدة، وترتب عليها آراء منحرفة عن الصواب كانت سبباً في إضلال كثير من الناس. ويمكن القول: إن معظم الآراء والأفكار المنحرفة تؤثر فيها المساواة المطلقة تأثيراً مباشراً: إما لكون الفكرة أساساً بنيت على هذه المساواة، أو أنها عمود أساسي من أعمدتها، ومن هذه الأفكار ما يلي:
المطلب الأول: اعتبار المواطنة هي الأصل في الحقوق والواجبات!
من أبرز آثار المساواة المنحرفة دعوتها إلى المساواة الكاملة بين أبناء الوطن الواحد، ومناداتها بإزالة كل أمر يفرق أبناء الوطن الواحد حتى ولو كان الدين، فتذوب في ظلها كل الفوارق الدينية والجنسية، فلا فرق في ظل الوطن بين المسلم وغيره، وبين الرجل والمرأة، وبرزت الدعوة إلى أن الأساس في الحقوق والواجبات هو المواطنة.
وتسمى أحياناً الدعوة إلى القومية، ومنها فكرة القومية العربية التي هي: «حركة سياسية فكرية متعصبة تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين، وهي صدى للفكر القومي، الذي سبق أن ظهر في أوروبا»(19).
إن أخطر ما في هذه الدعوة وأمثالها أن بعض المسلمين يتحمس لها ويدافع عنها بحسن نية وسلامة مقصد، بل تجدهم يرددون ما يزعمون أنه حديث نبوي: «حب الوطن من الإيمان»(20). وهو ليس بحديث.
ويتمثَّل دعاة الفكر القومي كثيراً قول الشاعر العربي النصراني (القروي):
هَبُونيَ عيداً يجعلِ العُرب أمة *** وسيروا بجثماني على دين بَرْهَمِ
سلام على كفر يوحد بيننا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ! (21)
ويتبنَّى أصحاب هذه الفكرة شعار: (الدين لله، والوطن للجميع) والهدف من هذا الشعار إقصاء الإسلام من أن يكون له أي وجود فعلي، وجعْل أُخوّة الوطن مقدَّمة على أخوة الدين.
والفرق بين فكرة الوطنية وفكرة القومية كما يقول أحد مؤسسي القومية ساطع الحصري: «إن منبع الوطنية وبذرتها الأولى: حب الوطن، وأما منبع القومية وبذرتها الأصلية فحب الأهل»(22).
ويشتركان جميعاً في أن المساواة هي الأساس سواء كانت في الوطن أو الجنس أو اللغة أو اللون أو القبيلة، وقد أكد المنظِّرون لفكرة القومية على أنها تعتمد أساساً على فكرة المساواة.
قال الحصري: «القومية العربية قد تأسست على قاعدة المساواة؛ فهي في نظر جميع الناطقين بالضاد على اختلاف مذاهبهم وأديانهم نظر واحد»(23).
وقدوة هؤلاء الثورة الفرنسية التي نادت بثلاثة مبادئ. يقول علي عبد الله وآخرون: «تعتبر الثورة الفرنسية أول تطبيق عملي للمبدأ القومي؛ ولذلك يعتبر قيامها بداية ظهور المبدأ القومي إلى حيز الوجود. ثم يقول: وهي مزجت بين ثلاثة مبادئ يكمل بعضها البعض الآخر وهي: الحكم الشعبي، وتقرير الحرية والمساواة بين الفرنسين جميعاً، واعتبار الدولة أداة النشاط؛ وهذه الفلسفة هي ما لخصت شعار الثورة الثلاثي: الحرية ـ المساواة ـ الإخاء»(24). فالقومية مهما ضاقت أو اتسعت فهي في آخر الأمر من ثمار المساواة، وأي أمر يفرق بين أبناء الوطن أو اللغة أو أي قومية يُبْعَد، حتى ولو كان شرع الله - تعالى -.
ومن أخطر آثار الوطنية والقومية ـ بمفهومها العلماني ـ بناؤهما على المساواة الكاملة في الوطن أو الجنس ويتمثل ذلك الخطر بما يلي:
أولاً: إلغاء عقيدة الولاء والبراء، لتحل محلها عقيدة الوطنية والقومية، فيوالي المسلمُ اليهوديَّ والنصرانيَّ في ظـل الوطـن، ويعادي المسـلمُ أخاه المسلمَ بل يقاتلة بل يستعين بغير المسلمين من أجل معاداته، ولا يخفى خطر ذلك. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: «ومن الوجوه الدالة على بطلان القومية العربية، أنها سُلَّم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم. ومعلوم ما فيه من الفساد الكـبير والمخـالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجوب بُغض الكافرين من العرب وغيرهم وتحريم موالاتهم»(25). ومن الأدلة على وجوب قطع موالاة الكفـار قولـه - تعالى - : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [المائدة: 51]، وأوثـق عـرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ليس الحب والبغض في الوطن.
ثانياً: انتفاء مبدأ الأخوة في الله لتحل محلها الأخوة في الوطن أو النسب، وقد قال - تعالى - : {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الحجرات: 10]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(26). فتتلاشى كل معاني الأخوة في الله هذه وتبدو العداوة والبغضاء بين المسلمين لمجرد اختلاف الوطن.
ثالثاًً: إباحة الردة وترك الإسلام؛ لأنه ـ في نظر دعاة القومية ـ لا فرق بين المسلم والكافر، وكما هو معلوم لقد صرح بذلك عدد من الناس.
رابعاً: إباحة زواج المسلمة من الكافر اليهودي أو النصراني للمساواة في الوطن أو القومية، مع أن الإسلام حرم ذلك.
خامساً: جواز ولاية الكافر على المسلم، الولاية العظمي أي الرئاسة، وولاية القضاء، والجيش، بحجة المساواة في الوطن، وبناءً على هذه الفكرة فقد تم إسقاط شرط الإسلام من شروط الرئاسة في دساتير أكثر الدول الإسلامية، ومعلوم أن هذه الولايات انعقد الإجماع على عدم جوازهـا لغـير المسـلم»(27)، ومستند ذلك قوله - تعالى - : {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141].
المطلـب الثاني: من آثار المساواة: «الدعوة إلى تحرير المرأة»:
وهي فكرة علمانية ظهرت ونشأت في مصر في بادئ الأمر، ثم انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، وهي تدعو إلى إبعاد المرأة عن دينها باعتماد المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، فهي في الأصل بيع للمرأة في سوق النخاسة.
يقول قاسم أمين في كتابه (تحرير المرأة): «سبق الشرع الإسلامي كل شريعة سواه في تقرير مساواة المرأة للرجل، فأعلن حريتها. ويقول: من أصول الشريعة (السمحة) احترام المرأة والتسوية بينها وبين الرجل»(28). ففكرة تحلل المرأة من قيودها الشرعية، المسماة بتحريرها جاءت ونشأت من فكرة المساواة المطلقة التي اتخذوها ذريعة للقضاء على التكاليف الشرعية. والذي لا يخفى على أحد أن الشريعة الإسلامية خصت المرأة بتكاليف دون الرجال؛ فالدعوة إلى المساواة إبطال لهذه التكاليف. وتأكيداً لذلك نفت الشريعة المساواة بين الرجل والمرأة، فقال - تعالى - : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] وقال - تعالى - : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِـحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْـمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، وقال - تعالى - : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}. [آل عمران: 36].
ماذا يريدون من تحرير المرأة؟
ترتب على فكرة تحرير المرأة التي بنيت على المساواة المطلقة عدة آثار أذكر منها ما يلي:
أولاً: جواز ولاية المرأة:
فقد ترتـب على مساواة الرجـل بالمرأة، مسـاواتـها به في الولاية العامة أي رئاسة الدولة، وقد سقط من كل دساتير الدول الإسلامية شرط الذكورة في الرئاسة إلا القليـل، ولا يخفى على الناس حرمة ذلك؛ فقد بينت الشريعة أن هذا المقام لا يجوز للمرأة أن تصل إليه؛ فقد قال أبو بكرة - رضي الله عنه - ـ: «لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيَّامَ الجمَل، بَعْدَمَا كِدْتُ أَنْ أَلحقَ بِأَصْحَابِ الجمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَالَ: لَـمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»(29).
والملاحظ أن الحديث جاء بصيغة النكرة في سياق النفي وهي (لن يفلح قوم ـ وامرأة) وهذه من آكد صيـغ العمـوم التي تـدل على نفي الفلاح عن أي قوم ولّوْا أمرهم امرأة أيـاً كـانت هـذه المـرأة، ولو كـانت أمـنا عائشة، - رضي الله عنها -. ثـم إن العبـرة بعـموم اللفظ لا بخصوص السبب، واستدلال أبي بكرة به في يوم الجمل يدل على ذلك؛ فلم يقل له أحد إنه خاص ببنت كسرى. قال الصنعاني وغيره: «فِي الحديث دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْلِيَةِ المرْأَةِ شَيْئاً مِنْ الأحْكَامِ الْعَامَّةِ بَيْنَ المسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ أَثْبَتَ لَهَا أَنَّـهَا رَاعِـيَةٌ فِي بَيْـتِ زَوْجِـهَا»(30). وقال ابن قُدامة: «ولا تصـلح المرأة للإمامة العـظمى ولا لـتولية البـلدان ولهذا لم يولِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد ولا من بعده امرأةً قضاءً ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخلُ منه جميع الزمان غالباً»(31).
والواقع يشهد بعدم الفلاح المذكور في الحديث.
ثانياً: ضياع حقوق الرجال التي قامت على أساس التفرقة بين الرجل والمرأة ومن ذلك:
(أ) القوامة: كما قال - تعالى - : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، قال الزمخشري: «{قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}. يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قوّاماً لذلك»(32). وقال ابن كثير: «الرجل قَيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت»(33)، فإذا انتفت القوامة حصل النشوز والارتفاع على الزوج؛ وهذا الذي يريده دعاة المساواة وهو أن تتجاوز المرأة الرجل لا أن تساويه.
(ب) حق العصمة: قال - تعالى - : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحًا} [البقرة: 228]، فإذا حصلت المساواة، أصبح من حق المرأة طلب العصمة ونيلها، فيكون لها حق العقد والطلاق والرجعة!.
(ج) حـق المسؤولية في البيت والرئاسة والولاية فيه: كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّـتِـهَا، وَالخْادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّـدِهِ وَمَسْـؤولٌ عَـنْ رَعِيَّتِهِ ـ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ ـ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ في مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(34). وإذا تحررت المرأة بالمفهوم العلماني أصبحت لها السيادة والكلمة على الرجل، ولا يخفى خطر ذلك.
(د) فقدان الرجل حق الطاعة المطلقة في غير معصية الله. قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لأَمَـرْتُ المرْأَةَ أَنْ تَسْـجُدَ لِزَوْجِـهَا وَالَّذِي نَفْـسُ مُحَـمَّدٍ بِيَـدِهِ لاَ تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِي عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ»(35)، قال الرازي: «واعلم أن المرأة لا تكـون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها؛ لأن الله - تعالى - قال: {فَالصَّالِـحَاتُ قَانِتَاتٌ} [النساء: 34] والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق؛ فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة؛ فهي لا بد أن تكون قانتة مطيعة»(36).
(هـ) ضياع حق الرجل في الميراث: لأنه يستحق زيادة على حق المرأة عند المقابلة. قال - تعالى - : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11]، وقال - تعالى - : {وَإن كَانُوا إخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176]؛ فلو أُعطيت مثل الرجل بموجب المساواة، لوقع الظلم عليه وانتزع حقه المذكور في الآيات السابقة.
المطلب الثالث: من آثار المساواة: (الديمقراطية):
إن فكرة الديمقراطية من الأفكار التي دخلت المجتمعات المسلمة وتبنتها بعض العقول المسلمة، بل روَّج لها بعض المسـلمين، وشبهها بعضهم بالشورى التي لا علاقة لها بها لا شكلاً ولا مضموناً ولا منهجاً؛ لأن الديمقراطية بنيت أصلاً على مبدأ المساواة المطلقة.
يقول د. طلعت حرب محفوظ: «تخضع الحقوق والحريات جميعها لمبدأ أساسي هو مبدأ المساواة؛ فالأفراد متساوون في الحقوق والحريات العامة بلا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، ويعتبر مبدأ المساواة هو حجر الزاوية في كل تنظيم ديمقراطي للحقوق والحريات العامة؛ فهو من الديمقراطية بمثابة الروح من الجسد، وبغيره يبقى معنى الديمقراطية معدوماً وينهار كل مدلول للحرية»(37). لذلك فإن كل الدساتير التي بنيت على أساس الديمقراطية نصت على مبدأ المساواة.
ويقول (جان جاك روسو) وهو المنظِّر الأساسي وجامع شتات فكرة الديمقراطية: «إذا بحثنا فيما يكون بالضبط أعظم خير للجميع ويجب أن يكون غاية كل نظام تشريعي؛ لوجدنا أنه ينحصر في هذين الغرضين الرئيسيين: الحرية والمسـاواة. الحرية: لأن كل تبـعية خـاصـة هي مقدار من القوة ينـتزع من هيئة الدول. والمساواة: لأن الحرية لا يمكن بقاؤها دونها»(38)، ويقول: «إن قوة الأشياء تجنح دائماً إلى تدمير المساواة، فيجب أن تتجه قوة التشريع دائماً إلى المحافظة عليها»(39).
ويقول فردريك سي: «لقد افترض الدارسون للعملية الديمقراطية على مسار القرن والنصف المنصرمين، أن المساواة الاجتماعية والاقتصادية تؤديان ـ لزاماً ـ إلى المساواة السياسية، وإن المؤسسات الديمقراطية والسلوك الديمقراطي إنما يزدهران في الغالب الأعم في أكثر المجتمعات إيماناً بمبادئ المساواة بين الناس في الاتجاهات والمناحي الأخرى»(40).
وترتب على دخول المساواة في فكرة الديمقراطية عدة مخالفات شرعية منها ما يلي:
أولاً: إزالة الحواجز الشرعية بين الرجال والنساء بدعوى الحرية والمساواة الديمقراطيتين، فأبيح الاختلاط والتبرج وغير ذلك.
ثانياً: إظهار شعائر الكفر من رفع الصليب والاحتفال بالأعياد الكفرية في كل مكان وفتح المساجد أبوابها على الكنائس، وتعانق الهلال مع الصليب، والتحام المصحف مع الإنجيل؛ إلى غير ذلك من الأباطيل؛ وكل ذلك تحت مسمى الحرية والمساواة في ظل الديمقراطية، وإن شئت قلت: حرية الكفر.
المطلب الرابع: من آثار المساواة (الاشتراكية):
الفكر الاشتراكي يقوم أساساً على مبدأ المساواة المطلقة بين أفراد المجتمع، وقد ظهرت أحزاب إسلامية نادت بالاشتراكية بدعوى المساواة. يقول د. طلعت حرب محفوظ: «أخذت الأفكار الاشتراكية في الظهور على أساس علمي صحيح! وبدأت الدعوة إلى الديمقراطية الاقتصادية، وقامت فكرة توزيع القوة الاقتصادية في الدولة كتوزيع السلطة السياسية تماماً على أساس أن المساواة الحقيقية ليست هي المساواة أمام القانون، بل هي المساواة في الواقع؛ أي المساواة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وبذلك تكون المساواة الاجتماعية وليدة الديمقراطية الاجتماعية أو العمالية، وهي مساواة لا من حيث تولي الشؤون العامة أو اشتراك في الحكم أو الإدارة، بل هي مساواة من حيث الثروة؛ ومن هنا أيضاً نشأ المذهب الماركسي»(41).
وترتب على ذلك آثار عديدة منها:
أولاً: المساواة بين الحاكم والمحكوم، للاشتراك في الحكم مع أن الحاكم يختلف عن المحكوم في الحقوق والواجبات.
ثانياً: المساواة بين الأغنياء والفقراء بإلغاء الملكية الفردية التي اعتبرها الإسلام الذي أعطى الإنسان حق التملك ومنع التعدي على ماله بغير طيب نفس. قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطِيب نفس منه»(42).
ثالثاً: الدعوة إلى تعطيل بعض الحدود كحد السرقة الذي شرع حماية لحق الملكية، والاشتراكية تدعو إلى إبعاد هذا الحق، فكان من الطبيعي أن تجتهد في إسقاطه بكل وسيلة.
المطلب الخامس: من آثار المساواة: (الدعوة إلى وحدة الأديان):
هذه الفكرة كذلك من ثمار المساواة المطلقة حيث ساوت بين كل الأديان، وليتهم قالوا: باعتبار أصلها، وقد عُقدت المؤتمرات من أجل تحقيق هذه المساواة، فلا ينبغي عندهم أن يتميز دين على آخر بشيء فيه، وقد ظهر أثر هذه الفكرة في مجالات عديدة في الحياة، منها ما يلي:
أولاً: الاعتراف بصحة الأديان المحرفة المتضمنة للشرك، كما قال - تعالى - : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِىنَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، وقال - تعالى - : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْـمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، والاعتراف بصحة تلك الأديان المحرفة يبيح للإنسان ـ مثلاً ـ قراءة الإنجيل بغرض التعبد، ودخول الإنسان إلى الكنيسة لغرض الصلاة ولا حرج في ذلك، والترحم على موتى اليهود والنصارى، بل والتقرب إلى الله ببناء كنائسهم وغير ذلك مما يندى له الجبين ويقشعر منه الجلد.
ثانياً: الشهود للكفار بالإيمان، بل ودعا بعضهم إلى تكوين جبـهة المؤمـنين؛ لأنه يعـتقد المسـاواة معـهـم، وقد قال - تعالى - : {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْـمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 1]، وقال - تعالى - : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْـمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6].
ثالثاً: جواز الردة، وإنكار حدّها؛ لأن الأديان كلها بزعمـهم صحيحة؛ فالانتــقال من دين إلى ديـن عـند هؤلاء لا إشكال فيه ولا حرج. نسأل الله السلامة.
هذا؛ واللهَ أسأل أن يحمي المسلمين من شر المتربصين بهم وبعقيدتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.
____________
(1) انظر لسان العرب 408/14 دار صادر بيروت ومختار الصحاح 1/326 مكتبة لبنان (ناشرون) بيروت 1415هـ.
(2) شرح الواسطية 1/229 ـ230، دار ابن الجوزي ـ الطبعة الثانية 1415هـ.
(3) لسان العرب لابن منظور (11/430).
(4) الجامع لأحكام القرآن (10/166).
(5) الإتقان في علوم القرآن (1/291).
(6) تفسير السعدي (1/943).
(7) شرح الواسطية (1/229).
(8) شرح الواسطية 2/229، الطبعة الثانية، دار ابن الجوزي 1415هـ.
(9) البخاري برقم 2587.
(10) تفسير الألوسي.
(11) البحر المحيط.
(12) المحرر والوجيز لابن عطية.
(13) أخرجه أبو داود برقم 5118، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف أبي داود برقم 5116.
(14) انظر القصة بكاملها في كتاب، أحاديث مختارة للذهبي 1/144 ـ مكتبة الدار.
(15) تفسير البغوي.
(16) تفسير السعدي.
(17) التحرير والتنوير، للشيخ ابن عاشور من علماء تونس المعاصرين.
(18) تفسير الألوسي.
(19) الموسوعة الميسرة،، ص 401، وانظر لنقدها القومية العربية، دراسة د. صالح العبود بعنوان (فكرة القومية العربية)، نشر دار طيبة بالرياض.
(20) موضوعات الصنعاني، ص 47، حديث رقم 81، الموضوعات الكبرى لعلي القاري، ص 181.
(21) الأبيات استشهد بها ساطع الحصري في كتابه اللغة والأدب وعلاقتها بالقومية العربية، ص 250.
(22) أبحاث مختارة في القومية العربية، ساطع الحصري، ص 23.
(23) ميسلون للحصري ص 194.
(24) القومية العربية ص 3، طبع وزارة التربية مصر.
(25) نقد القومية العربية ص 9، للشيخ ابن باز.
(26) البخاري برقم2442.
(27) انظر في ذلك بدائع الصنائع للكاساني (5/350)، مغني المحتاج (10/315)، كشاف القناع عن متن الإقناع (14/261).
(28) تحرير المرأة لقاسم أمين، ص 11، مكتبة الترقي ـ القاهرة ـ 1899م، وهو كتاب يدعو لتغريب المرأة، انظر لنقده وكشف عوار فكره في موسوعة الشيخ د. محمد بن إسماعيل المقدم، بعنوان (عودة الحجاب).
(29) البخاري برقم 4425.
(30) سبل السلام (6/412).
(31) المغني (11/377).
(32) الكشاف، للزمخشري (1/405).
(33) تفسير ابن كثير (2/292).
(34) البخاري برقم 893.
(35) أخرجه الترمذي برقم 1926، وصححه الألباني، صحيح الترغيب برقم 1938.
(36) مفاتح الغيب، للرازي (5/193).
(37) مبدأ المساواة في الوظيفة العامة ص121 المطبعة المصرية للكتاب ـ 1989.
(38) العقد الاجتماعي، جان جاك روسو ص 97، دار القلم ـ بيروت ـ لبنان ـ ترجمة ذوقان قرقوط.
(39) المصدر السابق ص 98.
(40) انظر المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونسكو عدد 136 ـ مايو 1993 ـ ص 121.
(41) مبدأ المساواة في الوظيفة العامة ص 137.
(42) المسند للإمام أحمد، برقم 21677، صححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع برقم 13620.