ابن تيمية الإرهابي ! *
د.محمد بن عبدالعزيز المسند
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد اطلعت على ما كتبه خالد الغنامي في صحيفة الوطن (عدد: 965)، بعنوان: (الإنسان والوطن أهم من ابن تيمية)(!) وقد تحدث فيه عن التفجيرات الأخيرة في مدينة الرياض، واتهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بأنّه (منظّر الجهاديّين)... وبادئ ذي بدء فإنّني ضدّ هذه التفجيرات الإجراميّة جملة وتفصيلاً أيّاً كان فاعلها، وإنّما وجدت نفسي مضطرّاً إلى حمل قلمي، والردّ على هذا الكاتب لأمور.
أحدها: أنّني ممّن عايش الإمام الجليل ابن تيمية من خلال كتبه سنوات عدّة، إذ إنّ موضوع أطروحتي للدكتوراه حول جانب من الجوانب العلميّة لهذا الإمام الجليل.
والثاني: مناقضة الكاتبِ نفسَه في مواضع عدّة كما سيأتي بيان ذلك.
والثالث: أنّ مقال الكاتب جاء مرتجلاً ومستعجلاً، تنقصه الموضوعية والتحقيق العلميّ الرصين كما سيأتي بيان ذلك أيضاً.
أمّا الردّ فسأجمله في النقاط التالية:
أولاً: الكاتب في مقاله هذا ناقض نفسه في عدّة مواضع، الموضع الأول: أنّه عزا ما قام به أولئك الذين قاموا بالتفجيرات إلى ما فهموه من كلام ابن تيمية، حيث طرح الكاتب تساؤلاً فأجاب عنه، قال: (لماذا رفعوا راية الجهاد على الرغم من أنّهم أفراد ليس لهم كيان سياسي؟) قال: (والجواب هو: لأنّ ابن تيمية منظّر الجهاديّين قال في الاختيارات الفقهيّة إنّه إذا لم يقم وليّ الأمر بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد؛ وجب على أهل العلم أن يقوموا بهذا الواجب).
فالكاتب يرى أنّ فهمهم لكلام الشيخ صحيح، وبنى على ذلك إدانة ابن تيمية.
والحقيقة أنّ الكاتب نفسه لم يفهم كلام ابن تيمية على وجهه الصحيح، بل إنّه قوّل ابن تيمية ما لم يقل، فإنّ ابن تيمية - رحمه الله - كان يتحدث عن إقامة الحدود إذا كان السلطان مضيّعاً لها أو عاجزاً عن إقامتها، ولم يتطرّق إلى ذكر الجهاد، ومع هذا فإنّه لم يطلق القول، بل قيّده بقوله: (إذا لم يكن في إقامتها ـ أي الحدود ـ فساد يزيد على إضاعتها، فإنّها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها؛ لم يُدفع فساد بأفسد منه" (مجموع الفتاوى: 34/176).
أما موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد فقد أوضحه الشيخ - رحمه الله - في موضع آخر فقال: " فمعلوم أنّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإتمامه بالجهاد؛ هو من أعظم المعروف الذي أُمرنا به، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبّات، فالواجبات والمستحبّات لابدّ أن تكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحبّ الفساد.. فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته؛ لم تكن ممّا أمر الله به.. وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلاً.. والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إمّا بلسانه وإمّا بيده مطلقاً من غير فقه وحلم وصبر، ونظر فيما يصلح وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر.. فيأتي بالأمر معتقداً أنّه مطيع في ذلك لله ورسوله، وهو معتد في حدوده، كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم ممّن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه، ولهذا أمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة.. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمّة، وترك القتال في الفتنة" (مجموع الفتاوى: 28/126 ـ 128، باختصار).
وهو كلام تأصيليّ في غاية الجودة والإنصاف والعدل.. وبهذا يتبيّن أنّ الكاتب استعجل في الحكم على الشيخ قبل النظر في تمام كلامه، وهذا غير لائق بباحث في الدراسات الإسلامية!.
الموضع الثاني الذي ناقض الكاتب فيه نفسه، موقفه من ابن تيمية!، فإنّه في مقاله الأخير وصف ابن تيمية بأنّه صاحب: " النفس التقريري الحاسم، الواثق من نفسه، المسفّه لمن خالفه، فهو إقصائيّ(!) آحاديّ(!) لا مكان للرأي الآخر عنده(!)"، وأنّه: " عاطفيّ وانفعاليّ، ويحدث أن تصدر بعض فتاويه كردود أفعال غير موزونة.. (!)".
وفي مقال للكاتب في هذه الصحيفة نفسها (عدد: 298) وتحت عنوان (ابن تيمية من فقهاء التيسير) أثنى على ابن تيمية ثناء عطراً، بل عدّه رمزاً من رموز التيسير(!)، حتى إنّ أحد تلاميذه ـ كما يقول الكاتب ـ طلب منه أن يؤلّف كتاباً في الفقه يجمع اختياراته الفقهيّة ليكون عمدة لأصحابه في الإفتاء، فقال هذا الإمام العظيم(!): الفروع أمرها قريب، فإذا قلّد المسلم فيها أحداً من العلماء المتّبعين؛ جاز له العمل بقوله ما لم يتبيّن خطؤه".
وفي مقال آخر للكاتب في هذه الصحيفة نفسها (عدد: 289)، نصح أحد المشايخ الذين ردّوا عليه، بالرجوع إلى كتاب الشيخ (رفع الملام عن الأئمّة الأعلام)، وفجأة إذا بهذا الإمام العظيم ـ في نظر الكاتب ـ وصاحب فقه التيسير، يصبح (منظّر الجهاديّين)، إقصائيّاً، آحاديّاً(!!)، ولا يُرفع عنه الملام كغيره من الأئمّة الأعلام، بل يُقَوّل ما لم يقل، فيا لله العجب.. ولو كان ابن تيمية حيّاً لقلنا ربما أنّه غيّر من أفكاره، وصار (إرهابياً) بعد أن كان من فقهاء التيسير، لكنّ الرجل قد مضى على وفاته سبعة قرون، والحقّ أنّ هذا الكاتب هو الذي طرأ عليه التغيّر، فلا يعدو أن يكون مقاله هذا من ردود الأفعال التي تنطلق من هنا وهناك دون تروٍ وتثبّت، وهذا هو الموضع الثالث الذي ناقض الكاتب فيه نفسه، فإنّه اتّهم ابن تيمية بأنّ بعض فتاويه صدرت (كردود) أفعال غير موزونة(!)، ومقاله هذا أوضح مثال على الردود المتعجّلة غير الموزونة.
ثانياً: قد تضمن مقال الكاتب عدّة أخطاء علميّة ومنهجيّة، أوجزها فيما يلي:
1. ذكر الكاتب أنّ ابن تيمية قال في الاختيارات الفقهية.. الخ. وها هنا خطآن علميّان، أحدهما: أنّ الشيخ لم يؤلّف كتاباً بهذا الاسم، وإنّما هي اختيارات جمعها بعض أهل العلم بعد وفاته، ولم يلتزموا فيها إيراد كلام الشيخ بنصّه. ومقتضى الأمانة العلميّة أن يحال إلى كلام الشيخ نفسه من مصادره الأصلية. والخطأ الثاني: أنّ المؤلّفات في اختيارات الشيخ الفقهية كثيرة، ليس منها بهذا الاسم سوى ما اختاره البعلي الدمشقي - رحمه الله - ، وليس فيه المسألة المذكورة، أمّا الكتاب الذي نقل منه الكاتب فهو بعنوان (تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية) للدكتور أحمد موافي، وهو من المؤلّفات الحديثة.
فإطلاق الكاتب للاختيارات الفقهية فيه إيهام واضح، لاسيّما لمن لم يطّلع على الكتاب الأخير.
2. أنّ الكاتب نقل كلام الشيخ نقلاً مخلاً بالمعنى، ومقتضى الأمانة العلميّة أن ينقله بنصّه وتمامه، أو على وجهه الصحيح كما ذُكر في مصدره الأصيل.
3. تخطئة الكاتب لابن تيمية - رحمه الله - ليست أمراً مستغرباً، فالكاتب ـ من خلال تتبّعي لمقالاته في هذه الصحيفة وغيرها ـ لديه جرأة عجيبة على تخطئة الآخرين من أئمّة السلف وغيرهم، والجزم بذلك بلا برهان ساطع، والغريب أنّه أنكر على ابن تيمية تقريره الحاسم في إبداء رأيه وهو الذي بلغ مرتبة الاجتهاد، ثم هو ـ وهو معدود من طلاب العلم (سابقاً) ـ يمارس ما أنكره على الشيخ(!).
وفيما يلي بعض عباراته التي وقفت عليها: ففي العدد (291) من هذه الصحيفة قال: " لقد أخطأ الإمام الكبير ابن تيمية!.. وقد سبقه إلى مثل هذا الخطأ الإمام الأوزاعيّ.. ".
وفي العدد (360) قال: " لا نجد في أنفسنا [هكذا بضمير العظمة] حرجاً في تخطئة ابن جرير - رحمه الله -.. ".
وفي العدد (313) قال: " والذهبيّ - رحمه الله - لم يكن فقهياً، بل كان اهتمامه يدور حول التاريخ وتراجم الرجال "(!!).
وفي العدد (381) خطّأ السلف كلّهم في مسألة القدر في قولهم إنّ المهتدي إنّما اهتدى بتوفيق الله له.
ولسنا ندّعي العصمة لأحد من السلف، ولا نتعبّد الله بذلك، فكلٌ منهم يؤخذ من قوله ويردّ عليه، لكن أن نجزم بخطأ واحد منهم دون تثبّت وتحقّق وعلم، وأن يصدر مثل ذلك من نكرات؛ فهذا أمر مرفوض. بل إنّ فتح الباب للصغار ليتجرؤوا على الكبار، هو الذي يؤدّي إلى ظهور الانحرافات الفكريّة، والتطرّف المقيت، والله وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
حرر في 23/ 3/ 1424هـ
* تنبيه: هذا الردّ كتبته منذ زمن ردّاً على أحد كتّاب صحيفة الوطن السعودية، لمز فيه شيخ الإسلام ابن تيمية(!)، ولكن ـ للأسف ـ لم ينشر هذا الردّ (!!).
16/5/1428 هـ