ما هو الإرهاب ومن هم الإرهابيون وما موقفنا من الإرهاب؟
الشيخ مشبب القحطاني *
في الآونة الخيرة بدأنا نسمع بمصطلح الإرهاب، ثم تطور هذا المصطلح حتى أصبح اليوم ما يسمى (بالإرهاب العالمي).
فما هو الإرهاب؟ وما هي أنواع الإرهاب؟ وما هو مفهوم الإرهاب عند الكفار والمسلمين.
أيها الإخوة في الله: نبدأ تعريف الإرهاب:
فالإرهاب معناه في اللغة الإخافة.. فأي ممارسة تنتج عنها إخافة إنسان أو غيره يسمى إرهابا، وعلى هذا فالإرهاب قد يكون بالفعل كالقتل والسرقة والسحر ومصادرة الحريات ونحو ذلك.،
وقد يكون بالقول كالتهديد والافتراء ومنع كلمة الحق وكالتحريض والاستهزاء ونحوه.. كما أن الإرهاب قد يكون بدنيا وقد يكون اقتصاديا أو سياسيا أو فكريا أو عقائديا.
وبعد أن عرفنا أنواع الإرهاب، فإنه من المناسب أن نعرف معنى الإرهاب عند المسلمين وعند الكافرين، ومدى مشروعية ذلك عند الطرفين.
أولا: الإرهاب عند المسلمين ينقسم إلى قسمين، فمنه ما هو مشروع بالكتاب والسنة، ومنه ما هو محرم بالكتاب والسنة أيضا.
فالإرهاب المشروع هو إخافة أعداء الله - تعالى - من الكافرين والمنافقين بأي أسلوب يشعر بالقوة، والدليل على ذلك قوله - تعالى -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)..
ففي الآية الكريمة يأمر - تعالى - المسلمين بان يظهروا بمظهر القوي، وان يمارسوا الخطوات العملية للتفوق في جميع المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والعليمة والاجتماعية.. وذلك بقوله: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)..
إذا فالأصل أن يكون المسلمون هم الأقوى في جميع المجالات.. والنتيجة هي تحقيق قوله - تعالى -: (ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).
إذا فإرهاب أعداء الله أمر مطلوب شرعا.. وذلك لأنهم جهلة ظالمون، لا يعرفون مصلحة أنفسهم ولا مصلحة غيرهم، وبالتالي قد يمارسون أعمالا تفسد الناس وتحرفهم عن دين ربهم الذي خلقوا من اجله، كما هو حاصل الآن..
فلابد إذا فمن إظهار القوة.. حتى لا يفكروا في نشر الباطل.. وحتى لا يؤذون المسلمين، وحتى يُترك للناس حرية التفكير، وحرية تقرير المصير..
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الباب: أن إرهاب الكفار والمنافقين لا يعني قتلهم.. فالقتل ليس هدفا من أهداف المسلمين يوما ما، فالله - تعالى -لم يخلق الناس لكي يقتلوا.. ولكن خلقهم لكي يعبدوه في ظل حياة كريمة..
وإذا أبيح قتل فئة معينة من الناس، فإنما هو وسيلة لحياة أناس آخرين مسالمين، فالقصاص مثلا: فيه تطهير للمجتمع من القتلة والمجرمين، حتى يعيش الناس حياة حقيقة تليق ببني آدم.. قال - تعالى -: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أولي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
وقتل المشركين في الحروب فيه حياة لشعوب كاملة، حيث يُمكن الناس من تحقيق عبادة الله - تعالى - التي فيها نجاتهم وفلاحهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.. يقول - سبحانه -: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5).
إذا فالهدف الحقيقي من إرهاب الأعداء هو فتح المجال للدعوة الإسلامية لكي تنشر ظلالها على العالم، ولكي ينعم الناس بأمن الإسلام.. ويشاهدوا التطبيق الصحيح للدين.. كما قال - تعالى -: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)..
فإذا تُرك للناس حريةُ اختيار الطريقِِ الذي يسلكونه … عندها نقول لا إكراه في الدين.. فمن شاء فليؤمن وشاء أن يكفر… ولكن بشرط ألا يُظهرَ الكافرُ كفره، بل يمارسه بينه وبين نفسه فقط.. إذا لم يكن له رغبة في الإسلام.
هذا هو الإرهاب المشروع.. أما إخافة الناس، وأذيتهم ونشر الرعب بينهم فهذا أمر محرم شرعا.. قال - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
والنهي عن أذية الناس وإزعاجهم ليس مقصورا على المؤمنين بل يشمل حتى الكفار المسالمين غير المحاربين كمن يؤمنهم إمام المسلمين، أو العجزة والنساء والأطفال فهؤلاء لا يجوز أذاهم، بل يشرع الإحسان إليهم.. قال - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره.. أي لا ينهاكم الله عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم: "أن تبروهم" أي تحسنوا إليهم: "وتقسطوا إليهم" أي تعدلوا: "إن الله يحب المقسطين".
وجاء في السنة ما يبين حرمة قتل الكفار الذين يعيشون بين المسلمين.. والذين قد أعطوا عهدا بالأمان جاء في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم- : (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) * أخرجه البخاري.. قال بن حجر في معنى المعاهد: (وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم.. ) انتهى كلامه - رحمه الله -.
وجاء في وصايا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لأحد قواده وهو يودعه متوجها إلى قتال الكفار.. قوله: (وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلا تَحْرِقَنَّ نَحْلا وَلا تُغَرِّقَنَّهُ وَلا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ).
ومما سبق أيها الإخوة: نخرج إلا انه لا يجوز أذية الناس بشكل عام ولا إرهابهم إلا من حارب الله ورسوله كل حسب محاربته..
هذا معنى الإرهاب عند المسلمين وحكمه.. باختصار شديد جدا..
أما معنى الإرهاب عند الكفار في العصر الحاضر وهذه الأيام بشكل خاص.. فهو الإسلام ولا شيء غيره،
ولذا يعتبرون كل مسلم بأنه إرهابي، خصوصا من يشتهر بالعلم والدعوة إلى الله - تعالى -، كما يطلقونه على كلِ كل مجاهد يقف في وجه الكفار، أو يتسبب في تهديد مصالحهم، هذا هو الواقع.
ومما يثب صحة هذا القول انه إذا حصل القتلُ أو تهديدُ المصالح من أحد غير المسلمين فلا يطلق عليه إرهاب..
ولو حصل القتل من أحد الكفار لأحد المسلمين فهذا ليس إرهابا.. وأظن الإخوة جميعا يدركون هذا الأمر جيدا..
ولدلالة على هذا الأمر من الواقع نضرب الأمثلة التالية:
1. فاليهود الذين احتلوا بلدا آمنا وشردوا أهله وقتلوا الآلاف منهم، ومازالوا يقتلون ويشردون ويمارسون جميع أنواع الظلم، هؤلاء لم يقل أحد من الناس إنهم إرهابيون.. بل يعطون المساعدات المختلفة ببلايين الدولارات..
2. والصرب الذين آذوا المسلمين، فأخرجوهم من ديارهم وشردوهم وقتلوهم، لم يقل أحد عنهم بأنهم إرهابيون، بل وضعت خطط السلام التي تخدمهم وترفع من شانهم، وتم تكريمهم لأنهم وافقوا على خطة السلام الظالمة، وما قيل عن محاكمة زعمائهم فإنما هي دعايات مضللة، وحبر على ورق كما يقال.
3. والروس النصارى الذين احتلوا شعب الشيشان كاملا وقتلوا الناس وشردوهم، ومازالوا يحاولون إبادة من يقول لا إله إلا الله.. لم يقل احد إنهم إرهابيون.. بل يشجعون ويقرضون ملايين الدولارات من بعض الدول والمنظمات.
4. والهندوس الذين يقتلون المسلمين في كشمير لم يُقل عنهم إنهم إرهابيون.
5. والنصارى في الفلبين الذي يقتلون المسلمين في مندناو وغيرها لم يُقل إنهم إرهابيون
6. والذين يخرجون أفلام الجنس والجريمة ويصدرونها للعالم لم يقال إنهم إرهابيون.
7. والذين ينتجون الدخان والمخدرات والخمور لم يقل إنهم إرهابيون.
8. والذين يكونون الجمعيات السرية والعلنية للفساد في الأرض ومحاربة الإسلام، لم يقل إنهم إرهابيون..
9. والذين يلعبون باقتصاد الدول، وينشرون الربا والميسر في العالم لم يقل أحد إنهم إرهابيون..
10. والذين سخروا إعلامهم المقروء والمسموع والمشاهد لحرب المسلمين وتشويه دين رب العالمين.. لم يقل أحد عنهم إنهم إرهابيون..
11. وأمريكا راعية الإرهاب العالمي التي قتلت وشردت الملايين من البشر في فيتنام واليابان والصومال والعراق وأفغانستان وغيرها، هذه الدولة في عرفهم ليست إرهابية، بل راعية السلام.
الإرهابي الوحيد هو المسلم أينما كان، ومهما كان، سبحانك ربي، هذا بهتان عظيم
أن الإرهاب الذي يمارسه الكفار اليوم، أشد آلاف المرات مما يقوم به بعض المسلمين من تهديد للمصالح الغربية أو الشرقية، ففتنة الناس وصرفهم عن دين الله - تعالى -في الحقيقة اشد خطرا من القتل، ولا مقارنة بين الأمرين، يدل على ذلك قوله - تعالى -: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ).
وقال - تعالى -: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ).
فالكفار في الحقيقة هم المجرمون وهو الإرهابيون.. فهم الذين يقتلون فيه العزة والكرامة والانقياد لله - تعالى -.. بل إنهم في الحقيقة يقتلون إنسانية الإنسان.. ويحيلونه إلى حيوان ناطق.
فنسال الله - تعالى - أن يرد كيدهم في نحورهم، وان يجعل تدبيرهم تدميرا عليهم، كما أساله - تعالى -أن يجعلنا جميعا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وان يغفر لنا ولوالدينا.. إنه هو الغفور الرحيم.
* إمام و خطيب جامع عباد الرحمن بالدوحة.
بتصرف