السلام التحية المباركة الطيبة (السلام على المشغول)
سعيد عامر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فنواصل حديثنا حول التحية المباركة:
7- السلام على المشغول:
أ- المصلي:
الصلاة عمود الدين، لا يقوم إلا به، روى الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله».
وهي آكد الفروض بعد الشهادتين، ولها مكانة عظيمة في الإسلام، وهي أول ما يحاسب به العبد، روى الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وحسنه: «أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنْجَحَ، وإن فسدت فقد خاب وخسر».
وهي آخر وصية وصّى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، عند مفارقته الدنيا، روى ابن ماجه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلاة وما ملكت أيمانكم».
وكانت قرة عين النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة».
وهي الفريضة التي تولىَّ الله - عز وجل - فرضيتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمخاطبته له ليلة المعراج.
وهي أكثر الفرائض ذكرًا في القرآن الكريم، وهي مناجاة لله - عز وجل - وخشوع له، وتذلل وخضوع.
المصلى فيها قائم بين يدي الله راكع ساجد له ولسانه لهج بالتكبير والثناء والتمجيد والقراءة والتسبيح...إلخ.
المصلي عقله وفكره في تدبر لمعاني الصلاة وإحكام لأدائها وإيفاء لحقها، فهو غائب عن كل ما حوله ومن حوله، وحفاظًا على هذه الحالة السنية، واستجلابًا لها منع الشرع الحكيم من السلام على المصلي حتى لا يشغله عما هو فيه، وحتى لا يقطع تلذذه بالمناجاة والذكر والدعاء، وحتى لا يحرم لذة الخشوع والتذلل.
وفي بداية التشريع كان السلام ورده جائزًا، ثم نسخ، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا نُسَلّمُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فيرُدُّ علينا فلمَّا رجعنا من عند النجاشيِّ سَلَّمْنَا عليه فلم يردّ علينا، فقلنا: يا رسول الله كُنا نُسَلِّمُ عليك في الصلاة فترُدُّ علينا، فقال: «إنّ في الصلاةِ شُغْلا».
فبيّن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنهم كانوا قبل الهجرة إلى الحبشة إذا دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة سلموا عليه، فكان - صلى الله عليه وسلم - يرد - عليهم السلام -، فلما رجعوا من هجرتهم إلى الحبشة من عند النجاشي دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فلما انتهى من الصلاة، قلنا: يا رسول الله، كنا قبل هجرتنا إلى الحبشة نسلم عليك وأنت في الصلاة فترد علينا، فلما سلمنا عليك اليوم لم ترد علينا، فماذا حدث؟
قال: إن الصلاة ينبغي أن يكون الاشتغال بها مانعًا من الاشتغال بغيرها، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة.
- وحديث زيد بن أرقم الأنصاري بين كذلك أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة كلام البشر، يكلم الرجل منهم صاحبه الذي بجواره في أمورهما، حتى نزل قوله - تعالى -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}
[البقرة: 238] أي: ساكنين خاشعين لا تتكلمون إلا بالتسبيح والتحميد والتكبير وقراءة القرآن، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت ونهانا عن الكلام في الصلاة.
- روى مسلم وغيره من حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: كُنَّا نتكلم في الصلاة يكلمُ الرجلُ صاحبهُ وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام.
- وروى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: كُنَّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعثني في حاجة فرجعتُ وهو يصلي على راحلته ووجه على غير القبلة فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ فلما انصرف قال: «إنه لم يمنعني أن أردَّ إلا أني كنتُ أصلي».
وفي رواية قال جابر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني لحاجة ثم أدركتُهُ وهو يسير، (قال قتيبة: يصلي)، فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلمَّا فرغ دعاني، فقال: «إنك سلمت آنفًا وأنا أصلي» وهو موجِّه حينئذٍ قِبَل المشرق.
وظاهر رواية زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة» أن تحريم الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة؛ لأن زيد بن أرقم مدني وهو يخبر أنهم كانوا يتكلمون خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة إلى أن نُهوا، ويؤيد ذلك أن قول الله - تعالى -: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] نزلت بالمدينة.
ولكن هذا مشكل مع حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، وفيه أنه لما رجع من الحبشة كان تحريم الكلام في الصلاة، وكان رجوعه من الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة قطعًا.
وقد حاول العلماء رفع هذا الإشكال والتوفيق والجمع بين الحديثين بأجوبة متعددة منها:
قال ابن حبان: إن زيد بن أرقم كان من الأنصار الذين أسلموا وصلوا قبل الهجرة، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلي المسلمون بمكة في إباحة الكلام في الصلاة لهم، فلما نسخ ذلك بمكة نسخ بالمدينة، فحكى زيد ما كانوا عليه.
وروى بعض العلماء هذا القول بإيراد قول زيد في رواية الترمذي: «كنا نتكلم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة»، فقوله: «خلف رسول الله» يدل على أن الكلام كان مباحًا بالمدينة إذ لم يصلِّ زيد خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بالمدينة.
ودفع البعض الإشكال بأن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الصلاة شغلاً» في حديث ابن مسعود، كان اجتهادًا منه - صلى الله عليه وسلم - وأوحى إليه بتحريم الكلام عند نزول الآية المذكورة بالمدينة، وهذا القول بعيد عن الصواب، وهناك أقوال كثيرة، الراجح منها:
- أن حديث زيد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وحديث ابن مسعود متفق عليه، وليس من السهل أن يرد أحد الحديثين، وإذا تأملنا حديث ابن مسعود وجدناه لا يحمل نهيًا للصحابة عن الكلام وكل ما فيه أنه لم يرد، وأنه قال: «إن الصلاة تشغله - صلى الله عليه وسلم - عن الكلام، وهذا غير صريح في نهي الأمة عن الكلام في الصلاة، بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهي عن الكلام في الصلاة، بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهي عن الكلام في الصلاة بالمدينة، فلا تعارض بين الحديثين، ونسخ ما كان من جواز الكلام في الصلاة كان بالمدينة، والله أعلم.
وواضح من هذا أن السلام كان جائزًا على المصلي في أول الأمر ثم نسخ، ولا وجه لمن قال بإباحة الرد بعد ثبوت امتناعه - صلى الله عليه وسلم - منه.
وجمهور العلماء على أن له أن يرد بالإشارة لحديث جابر السابق عندما بعثه - صلى الله عليه وسلم - في حاجة قضاها، ثم عاد إليه فوجده يصلي فسلم عليه فأشار إليه، والإشارة خفيفة- خلافًا لأبي حنيفة أنه لا يرد أصلاً لا باللفظ ولا بالإشارة، ذكر صاحب فتح القدير: أن رد المصلي السلام بالإشارة مكروه، وبالمصافحة مفسد، وحديث جابر يؤيد غير الحنفية.
ولكن الأفضل مطلقًا أن يرد بعد الصلاة لفظًا، وهذا مذهب الجمهور.
وعند المالكية: أن المصلي لا يرد السلام باللفظ، فإن رد عمدًا أو جهلاً بطل، ورده باللفظ سهوًا يقتضي سجود السهو، بل يجب عليه أن يرد السلام بالإشارة، خلافًا للشافعية القائلين بعدم وجوب الرد عليه.
وذهب الحنابلة إلى أن رد المصلي السلام بالكلام عمدًا يبطل الصلاة، ورد المصلي السلام بالإشارة مشروع عند الحنابلة. (الموسوعة الفقهية: 25/163، 164).
أما ابتداء السلام على المصلي، فعند المالكية السلام على المصلي سنة، والسلام على المصلي جائز عند الحنابلة، فقد سُئل أحمد - رحمه الله - عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم؟ قال: نعم. (المرجع السابق).
الكلام في الصلاة:
وأما حكم الكلام في الصلاة، فيمكن تقسيم كلام المصلي إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتكلم عامدًا لغير مصلحة الصلاة.
اتفق الفقهاء على أن الصلاة تبطل بالكلام العمد، لحديث معاوية بن الحكم السُّلمي - رضي الله عنه - عند مسلم وفيه قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - «إن هذه الصلاة لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». وحديث ابن مسعود السابق: «إن في الصلاة شغلاً». وحديث جابر السابق.
الثاني: أن يتكلم عامدًا بكلام لمصلحة الصلاة.
كأن يقوم الإمام إلى خامسة، فيقول المأموم: صليت أربعًا، أو نحو ذلك.
مذهب الشافعية وجمهور العلماء: أنها تبطل الصلاة.
قال الأوزاعي: لا تبطل الصلاة، وهي رواية عن مالك وأحمد، لحديث ذي اليدين.
فقد حصل كلام بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين ذي اليدين، وبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما صلى وأكمل النقص.
وقال ابن قدامة: إن تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة، مثل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين لم تفسد صلاته. (المغني 2/46، 47).
وجمهور العلماء: أن الكلام العمد في الصلاة لمصلحة الصلاة يبطل الصلاة لعموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولحديث: «من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال وليصفق النساء». ولو كان الكلام لمصلحة الصلاة مباحًا لكان أسهل وأبين من التسبيح والتصفيق.
وأما حديث ذي اليدين، فإن ما وقع فيه من كلام كان خارج الصلاة، وبعد السلام ظانًا أن الصلاة تمت.
الثالث: أن يتكلم ناسيًا ولا يطول كلامه.
مذهب الحنيفة ورواية عن أحمد، ببطلان الصلاة بالكلام ولو كان ناسيًا أو جاهلاً أو مُكرهًا.
ودليلهم عموم الأحاديث الواردة في ذلك، وأما حديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». (ابن ماجه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي)، فمحمول على رفع الإثم.
وجمهور العلماء على أن الصلاة لا تبطل، ففي حديث معاوية بن الحكم في قصة صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلام معاوية في الصلاة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاته، ولم يأمره بالإعادة، لأنه كان جاهلاً بالحكم، روى مسلم عن معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمّيَاهْ ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو وأمي ما رأيتُ مُعلمًا قبله ولا بعدهُ أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال:«إن هذه الصلاة لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». والله أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.