قواعد تأويل الرؤيا

عبدالله محمد السدحان

 

القواعد الحسنى في تأويل الرؤى (3):

قواعد تأويل الرؤيا:

القاعدة الأولى: "الرؤيا نتيجة ظاهرة: فهي واقع محيي لحوادث واقعة أو سوف تقع، وعلى ضوء حكمك على هذه المقدمات يكون التعبير، وهي النتيجة في نهاية المطاف"

مثاله: قصة تأويل نبي الله يوسف ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ وذلك حينما عبر لأحد الفتيين بالموت لمن كانت الطير تأكل من رأسه دون أن يستطيع رد تلك الطير؛ فعلم أنه مفارق للحياة وهي النتيجة.

وعلى هذه القاعدة فقس؛ فالحبس ذلة وهم، والحديد: قوة، والرطب: هناء عيش .. وكما عبر الصديق - رضي الله عنه - للرجل الذي يرى أنه يبول دماً فقال له: "أنت تأتي امرأتك وهي حائض فاستغفر الله ولا تعد".

 

القاعدة الثانية: "الغالب أن ما يأتي من دار الحق فهو حق مع القرائن"

والمقصود بدار الحق: الدار الآخرة؛ فما يأتي منها فهو حق، كرؤية الأموات ورؤية الجنة والنار والبعث والصراط ونحوه.

مثاله: قصة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - لما استشهد في معركة اليمامة وكانت عليه درع نفيسة، فأخذها أحد المسلمين.. فبينما أحد المسلمين نائم، إذ أتاه في منامه وقال له: "أوصيك بوصية فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه.. ! إني لما قٌتلت مر بي رجل من المسلمين وأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طوله (أي يمرح في حبله المشدود)، وقد كفأ على الدرع برمة (قدر) وفوق البرمة رحل، فأت خالداً فمُره أن يبعث إليَّ درعي فيأخذها، فإذا قدمت إلى خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بكر فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق" فأتى الرجل خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع فأُتي بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته.. ولذا قيل: لا يُعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس - رضي الله عنه -.

قال الشيخ "محمد بن عثيمين" - رحمه الله -: "كل رؤيا تدل قرائن على صدقها فلا مانع من إجازتها".

 

القاعدة الثالثة: "كل رؤيا مرموزة تُعبر بالضد، إلا ما جاء تعبيره بدلالة القرآن والسنة، أو ما جاء من دار الحق، أو ما كان رؤيا عامة".. فجميع الرؤى تكون عكسية، فالمعطي آخذ والآخذ معطي، والضارب مضروب والمضروب ضارب، ورؤية الحامل لأنثى فهي بشارة بذكر والعكس بالعكس !.

الأمثلة: من دلالة القرآن الكريم: الضحك بشارة، لقوله - تعالى -: {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا} (هود: 71) فلا يقلب المعنى، وأما دلالة السنة: فالخل خير وبركة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - "نعم الأدم الخل" (رواه مسلم)، فلا يقلب المعنى حينئذ.

وسبب هذا والله أعلم: أن مَلك الرؤيا يضرب المثل بالعكس حتى يفرق بين النوم واليقظة، لاسيما أن كثيراً من الناس يعيش رؤياه في واقعه فلا يفرق بينهما، فيقوم مثلاً من رؤيا أغضبته فيبقى على غضبه في اليقظة.. ! فجاء بالضد للتفريق بين الحقيقة والخيال.

ويستثنى من القلب ثلاث: ما وجد تعبيره في القرآن والسنة لأنهما حقيقة، وما جاء من دار الحق لأنه حق، والرؤيا العامة.. وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى.

 

القاعدة الرابعة: "أصول الرؤيا الرمزية تدور من حيث: (الجنس، والصنف، والطبع).. "

فالجنس: كالشجر والطير والحيوان.. والصنف: وهو أن تعلم صنف تلك الشجرة من الشجر، وذلك الطائر من الطير، وذلك الحيوان من الحيوانات.. والطبع: تنظر ما طبع تلك الشجرة؛ فيكون طبعاً للرجل حسب نوعها، وإن كان طائراً علمت أنه رجل ذو أسفار؛ لحالة الطير في عدم الاستقرار، وإن كان حيواناً فتنظر طبعه ثم تنسبه إلى رجل هذا طبعه، ومثاله:

                 الجنس                                                الصنف                                       الطبع

                  شجر                                                  نخلة                                  هناءة عيش ورزق

                  طير                                                    غراب                                    فسق وخراب

                  حيوان                                                 ذئب                                  الاعتداء والأنانية

ذكر الليث بن سعد: "أن رجلاً أتى سعيد بن المسيب، فقال: إني رأيت على شرفات المسجد حمامة بيضاء، فعجبت من حسنها، فأتى صقر فاحتملها. فقال ابن المسيب: إن صدقت رؤياك، تزوج الحجاج بن يوسف بنت عبد الله بن جعفر، فما مضى إلا يسير حتى تزوجها، فقيل له: يا أبا محمد كيف خلصت إلى هذا؟ فقال: إن الحمامة امرأة، والبيضاء نقية الحسب، فلم أر أحداً من النساء أنقى حسباً من ابنة الطيار في الجنة، ونظرت في الصقر فإذا هو طائر عربي ليس من طير الأعاجم، فلم أر أصقر من الحجاج.. !.

ولم يذكر "شرفات المسجد" على أهميتها لوضوحها، وهي تعني امرأة ذات شرف ودين، وهذا يليق بابنة عبدالله بن جعفر - رضي الله عنه -.

 

القاعدة الخامسة: "العبرة في تأويل الكلمة لمعناها المتحرك وليس ثبات النص":

فالكلمة في الرؤيا لها معنى متحرك متغير، وهو الأسلوب الذي يعطي المعبر طريقة التفكير حسب واقعه المعاش، بينما النص الثابت يعطيه التعمق في دراسة الفكرة.. فلا تهمل كتب التفسير للرؤى؛ لأن منهج القدامى يحاكي عصرهم وواقعهم الذي عاشوه؛ فتتغير معنى الرؤى بتغير الأحوال.

مثاله: الطيران في المنام عُبِّر به عن الانتقال، فقال الأقدمون: من طار من دار يعرفها إلى دار لا يعرفها فإنه يموت! وهذا صحيح المعنى في واقعهم، أما واقعنا فالمعنى: كثرة السفر لاختراع الطائرة، فكلمة طيران (وهو الانتقال) ثابتة ولكن المعنى متحرك في واقع الإنسان إلى قيام الساعة.

مثال آخر: اللحية فذهابها في الرؤيا عند الأقدمين هي ذهاب الدين.. أما معناها في واقعنا: فهو ذهاب الدين من مكان إلى آخر؛ كانتقال إمام مسجد، أو درس عالم، أو مكتبة دينية..

ومثله: رؤية بيوت الطين تُعبر بالمأوى.. فقال الأقدمون: هي المرأة؛ لأنه يأوي إليها أو دنيا تؤويه، أما في واقعنا فالمعنى: أنها ديار الجن؛ لأنها تأوي إليها؛ لاستغناء الأنس عنها.. وتعبر بالمس الشيطاني.. قال ابن بطة: "أولئك من عين واحدة شربوا، فعليها يردون، وعنها يصدرون، وقد وافق الخلف الغابر للسلف الصادر".

 

القاعدة السادسة: "تعبير الرؤيا لا يتم إلا بأمرين: وضوح الرؤيا، وانتفاء ما يفسدها من حديث النفس ووسوسة الشيطان"

فالرؤيا الصادقة يجب أن تكون واضحة المعاني، قصيرة الأحداث، مؤثرة في اليقظة، مخالفة للواقع في الغالب، وليس لها رابط في يقظة الرائي، ولا بتلاعب الشيطان من إخافة ونحوها.

مثالها: قصة رؤيا ملك مصر حينما رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فالبقرات السمان سنون خصبة، والسنبلات اليابسات سنون مجدبة.

مثال آخر: رؤية يوسف ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ في حال صباه، حينما رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين، فالأحد عشر كوكباً هم إخوته، والشمس أبوه والقمر خالته.

 

http://www.asyeh.com/s-9-45.html