مفهوما الاستعمار والاستقلال من استقامة المعنى إلى انحراف الممارسة
الطيب بن المختار
تقديم:
شاع استعمال لفظي الاستعمار والاستقلال شيوعا منحرفا ومبتذلا، أنسى الناس دلالاتهما الإنسانية الإيجابية، وسعيا نحو استرجاع الوعي السليم بحقيقة هذه المفهومين، اخترت أن أسلط عليهما بعض الأضواء، علنا نخرج من دائرة التزييف والتمويه والتلاعب بالعقول والمفاهيم التصورية والممارسات السلوكية.
* مفهوم الاستعمار:
لفظ الاستعمار مصدر مشتق من فعل استعمر المزيد بالألف والسين والتاء، وقد عرف في الفترة المعاصرة أنه احتلال دولة قوية لدولة ضعيفة وفرض سيطرتها عليها واستغلال خيراتها، وتفقير أهلها الأصليين واستعبادهم، وممارسة جميع أشكال الظلم والعنصرية في حقهم.
وقد أساءت الحركة الاستعمارية لهذا المفهوم باستخدامها له على هذه الشاكلة السلبية، في الوقت الذي كان يحمل دلالات إنسانية نبيلة. وحتى المصطلحات القريبة منه، كالإعمار والتعمير صارت توحي بحالة ما بعد حرب متوحشة ومدمرة.
لكن تعالوا بنا نكشف عن بعض وجوه الغنى الدلالي لهذا المفهوم، وعن جوانب الخير فيه، فالثلاثي عمر ومشتقاته يفيد المعاني التالية:
* السكن والاستقرار، إذ يقال عَمَر الأرضَ بمعنى سكن بها واستقر وهو ضد الهجرة والترحال أو التهجير والترحيل الذي رافق الاستعمار الغربي.
* البناء: إذ يقال: عمر فلان الدار أي بناها، وعمر فلان الأرض بمعنى بنى عليها وأهلها، وهو خلاف ما قامت به الدول المستعمرة من هدم للبيوت وتخريب للقرى والمدن وتهجير للأهالي.
* الكثرة والوفرة: يقال: عَمَر المالُ بمعنى صار وفيرا وكثيرا، والعمارة تطلق على بناء فيه طوابق كثيرة، وعمر الله فلانا أي أطال حياته وكثر أيامه.
* الحياة والعيش الطويل: فلفظ العُمُر يعني حياة الفرد ومدة عيشه، وعمِر الرجلُ وعمر، عاش طويلا وعمره الله أي أبقاه زمنا كثيرا لكن أين للحركات الاستعمارية من هذه المعاني التي لا تتوافق مع أهدافها في الشعوب والقضاء على حياة أفرادها إما بالموت وإما بالتنقيص من قيمة الحياة من خلال الإهانة والتحقير والتعبيد وسلب كل المعاني الكريمة والجميلة للحياة..
* علم تهيئة المكان وإعداده للسكن والاستقرار: ففن العمارة والمعمار والتعمير والعمران كلها معان تدل على علم تأهيل المكان وبنائه وتزيينه وتخطيطه وتحسين حاله بواسطة العلم والعبادة الحقة ومظاهر الخير المادي من الفلاحة والصناعة والتجارة والفنون الجميلة وكثرة الأهالي ونجاح الأعمال والتمدن وكل ما يليق بالإنسان ويرع من قدره وكرامته ومنه قوله - تعالى -: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود: 61)، أي أمدها بما تحتاج إليه من إعداد وجعلكم فيها عُمارا تعمرونها بسكنكم وبجهدكم في تخطيط عمارتها وعمرانها على الخير؛ بيد أن هذه المعاني الجميلة أيضا تغيب عن ذهنية المستعمرين الجدد، وتفتقدها ممارساتهم في البلدان التي احتلوها واستعمروها إذ حولوها إلى خراب ونهب وتهجير واستغلال فاحش لثرواتها المادية والبشرية (حالة فلسطين السليبة والعراق المحتل وأفغانستان والمستعمرات السابقة والهنود في أمريكا).
* الدين والعبادة من صوم وصلاة أو أماكن العبادة: إذ يقال عَمَر ربَه بمعنى عبده وخدمه، وصلى وصام وحج (اعتمر).والعَمْر والعَمَرُ هو الدين والعُمْرُ هو مكان العبادة من مسجد أو بيعة وكنيسة، والعَمٌَار هو الرجل القوي الإيمان والحليم الوقور في كلامه والقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن يموت.
من هنا يستفاد أن لفظ الاستعمار ومشتقاته يحمل دلالات إنسانية ومادية دينية وأخلاقية إيجابية وقد حاربت الحركات الاستعمارية الدين والأخلاق وأشاعت الفاحشة والانحلال والرذيلة، وجعلت من البلدان المستعمرة ميدانا لتجريب النظريات غير الأخلاقية وتشجيع الدعارة والفواحش وشرب الخمور وكل مظاهر اللهو والمجون...، ولم تنصر من الأديان إلا المسيحية (حركات التنصير) واليهودية (إقامة الكيان الإسرائيلي الصهيوني فوق فلسطين).
وصار الاستعمار المعاصر يحارب دين الشعوب تحت مسميات جديدة "المجرمون" "الإرهابيون"... مما جعل الاستعمار ليس تخريبا للبلدان والعمران فحسب، وإنما تخريب للقلوب والإيمان وقضاء على الثروة المادية والمعنوية للشعوب.
ويلاحظ أنه بفعل هذه الدلالات السلبية التي التصقت بمفهوم الاستعمار/ تم استبداله بمفاهيم التعمير والإعمار، وهي مفاهيم لا تفي بالغرض كاملا لأمور منها:
* أن كلا من الإعمار والتعمير يحملان طابع الاتجاه الأحادي من الأقوى (سياسيا واقتصاديا وتقنيا... ) تجاه الأضعف، وارتبطا بالمخططات الاستعمارية في الاستئثار بأكبر الحصص في الاستثمار العقاري وهندسة الفضاء العمراني للبلدان الإسلامية على أساس المعايير الغربية لطمس معالم المعمار الإسلامي وجعله في طي النسيان.
* أن كلا منهما يحمل دلالة مادية فقط، تنحصر في البناء والاستثمار العقاري والاقتصادي مما يجعله تجاريا أكثر منه روحيا.
* أن كلا منهما يرتبط بحالة ما بعد الحرب والدمار أو حالات الكوارث الطبيعية (زلازل مثلا)، مما يضفي عليه مسحة محزنة تزداد قتامة عندما تحوله المؤسسات الاقتصادية والسياسية إلى سوق للمزايدة والتدخل والتبعية المساومة الذليلة على المصالح العليا للأوطان.
ويستفاد من هذا مجموعة أمور منها:
* أن الاستعمار ليس مرحلة تاريخية سادت وبادت، بل هو فكر وسلوك إنساني يظل مستمرا كلما وجدت القوة التي لا تنضبط بالقوانين والأخلاق الإنسانية.
* أن الاستعمار لا ينحصر شكله في الغزو العسكري والاحتلال المادي وإنما يمتد مفهومه ليشمل الغزو الفكري والثقافي والاجتماعي والديني واللغوي واختراق جميع البنى التي تكون مقومات أمة أو مجتمع لتشويهها أو تغييرها.
وإذا كانت صورة الاستعمار العسكري في ذاكرة الشعوب الحية مقيتة ودموية لأنها تقتل الأجسام وتجوع الأبدان وتستعبد الإنسان وتمزق الأوطان قطعا متناثرة متناحرة وتصادر الحريات وتكرس الجهل والتخلف فإن صورة الاستعمار الفكري أكثر خطورة لأنها تحقق كل ذلك وبسهولة وبدون صراع حتى يتم إفراغ الفرد من هويته وتجريد الوطن من حقيقته وقوته وسلب الشعوب ثقافاتها، ولقد حقق الاستعمار الفكري من النتائج ما لم يحققه نظيره العسكري من التبعية والتفرقة والتحكم.
ـ مفهوم الاستقلال:
ارتبط مفهوم الاستقلال نشأة وشيوعا بمفهوم "الاستعمار" و"الحماية" و"الانتداب" و"الاحتلال" الغربي لبلدان العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا، وللعالم الأمريكي، واشتدت الحاجة إليه كلما اشتدت وطأة الاستعمار، وتعالت النداءات من أعماق وأطراف كل المستعمرات، وكان ثمن الخروج من حالة الاستعمار والتبعية القسرية إلى حالة الاستقلال باهظا، إذ كلف خسائر كبيرة في الأرواح والمقدرات والمنشآت.
وقد كان الاستقلال الذي تطمح إليه الشعوب هو استقلال إرادة أبنائها في تدبير شؤون الأمة العامة والخاصة والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق الإرادة الحرة لأبناء البلاد، وقد جاهد أبناء الشعوب المسلمة من أجل تخليص الأمة وأجزائها، التي جزأها مهندسو الاستعمار و"الاستقلال" تجزيئا تفتيتيا، من كل أشكال التبعية، وخرجت جيوش المستعمر تجر ذيول الهزيمة في أجواء عارمة من الفرحة بالانعتاق والأمل في بناء الذات بناء حرا وقويا وفاعلا لكن أي استقلال تم إحرازه؟
لقد وجد المجاهدون والأحرار بلدانهم الإسلامية تسقط يوما بعد يوم في استعمار جديد أكثر إحكاما، وفي تبعية أكثر استلابا، وفي غزو فكري أشد فتكا بالأمة من الغزو العسكري، وفي تدخل الأجنبي تدخلا سافرا ظالما غاشما.
فأين هي البلدان الإسلامية من استقلال الإرادة السياسية؟ وهل بإمكانها أن تختار الشعوب حكامها وممثليها بإرادتها وعلى أساس خصوصياتها؟ ألم تصبح المناطق الإسلامية أشبه بـ"ولايات" تابعة للدوائر الغربية، ينصب فيها من رضيته هذه الدوائر، ويُبعد ويُنحى من ليس كذلك ولو اختاره الشعب؟
أليست الديمقراطية في أوطاننا "المستقلة" مجرد خدعة!؟ دليل ذلك أنه كلما اختارت هذه الشعوب ممثليها الحقيقيين، تعالت أصوات التنديد الدولي ببلادة الشعب وإرهابيته، والتهديد بالتدخل لعزل الحكومة المنتخبة؟! وافتعال الصراعات الداخلية لإسقاطها!! وهل حققت البلدان المستقلة الاستقلال الاقتصادي؟ وهل قامت بالتنمية الحقيقية؟
ألم تكن فترات الاستقلال فرصة للدوائر الاقتصادية العالمية، لفرض مزيد من القيود الاقتصادية، وإغراق هذه البلدان في سيول من القروض التي أوقعت هذه البلدان في تبعية وإذلال أقوى مما كان عليه الأمر في زمن الاستعمار؟ ثم ألم تجد البلدان المستقلة نفسها اليوم مجبرة على التوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة وهي غير مؤهلة للمنافسة؟ ألا يعني ذلك فقدانها للإرادة السياسية الحرة والقوية؟ هل تستطيع هذه البلدان "المستقلة" أن تقول لا في وجه مهندسي العولمة الاقتصادية المجوعة والمفقرة للسكان الأصليين؟!
ثم ماذا عن السياسات التعليمية، ألم يجاهد الوطنيون والأحرار في العالم الإسلامي لأن يكون التعليم في هذه البلدان منسجما مع أصالة وخصوصيات هذه الدول؟ ويعبر عن روحها الإسلامية؟
الواقع الذي لا مرية فيه يشهد أن أغلب الاستقلالات التي حصلت عليها البلدان المستعمَرَة، كانت شكلية وصورية، لم تؤهلها إلى المبادرة والمشاركة المتكافئة لما فيه خير للبشرية، فحتى المجتمع بنظمه وعاداته وتقاليده لم يسلم من الغزو والاحتلال والإقصاء لمبادئه وثوابته وأسسه الثقافية.
خاتمة:
حقيقة إننا أمام وضع جديد، ينبغي فيه إعادة النظر في مفهومي الاستعمار والاستقلال، فالاستعمار الغربي كان نهبا وتخريبا، والاستقلال الذي صنعه الغرب كان استعمارا مقنعا وتبعية شمولية، في حين يقتضي الاستعمار تعمير الأرض بكل عناصر الخير المادي والمعنوي، ويقتضي الاستقلال اكتساب الإرادة الحرة في القرار السياسي وتدبير الشأن العام للبلد، بعيدا عن الضغوط والإكراهات المذلة والتهديدات المهينة. فمتى نعود بمفاهيمنا إلى صوابها؟ ومتى نكون قادرين على الاستعمار الإنساني البناء والراشد؟! ومتى نمارس استقلالنا بندية وكرامة؟!.
18-2-2008م