مفهوم الابتداع
حامد الحامد
البدعة: لفظ لغوي نطق به النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ولكنه مع تحول الليالي والأيام وتبدل الأحوال وتقلبات الأعوام أصبح سوطًا، لا بل سلاحًا، يقاتل به أتباع الطوائف الأخرى ممن لم يرضَ عنهم المبدِّعون ولو جاؤوا بكل آية حتى يتبعوا نهجهم.
نعم..قال - صلى الله عليه وسلم -: {كل بدعة ضلالة}، ولكنه أطلق لفظ (البدعة) كما أطلق كثيرًا من الألفاظ اللغوية الأخرى والتي لها مدلول لغوي معين من غير أن يكون لها فلسفتها الخاصة.
والمقصود من هذا الحديث أن نسير على نهجه في الدين سواء في العبادات أو في المعاملات فمن أحدث في العبادات خلاف سنته فهو مبتدع ومن أحدث في المعاملات خلاف سنته فهو مبتدع.
وهذا الحديث لا يدلّ بذاته على أن الأصل في العبادات التوقف وفي المعاملات الإباحة، وإنما عرفنا هذا بالاستقراء لسنته - صلى الله عليه وسلم - ولعمل الصحابة - رضي الله عنهم -.
وليس هناك حديث صحيح ورد فيه لفظ (البدعة) غير هذا الحديث الذي رواه مسلم، وأما غير ذلك فأحاديث ضعيفة أو موضوعة.
وكذلك جيل الصحابة - رضي الله عنهم - لم يرد لفظ (البدعة) عندهم إلا في المسائل العملية التي هي عند كثير من الناس مسائل اجتهادية لا تثريب على المخالف فيها.
وكذلك عصر التابعين وأتباعهم حتى ظهور محنة القول بخلق القرآن، باستثناء الفضيل بن عياض.
ولم يظهر مصطلح (البدعة) كفلسفة ذات إيديولوجية معينة لها مدلولها المتعارف عليه الآن إلا بعد ظهور الصراع الأشعري المعتزلي، وأعتقد أن المعتزلة بدءًا من ابن أبي دؤاد هم الذين ابتدؤوا باستخدام هذا المصطلح، كما أنهم هم الذين جنوا علينا في تقسيم الدين إلى مسائل عقدية وفقهية كما يقول ابن تيمية.
وقد كانت الحنابلة مع الأشاعرة على قلب رجل واحد- وكلاهما يتسمى بأهل السنة- ضد المعتزلة، حتى جاءت فتنة ابن القشيري، وبعد ذلك افترقا، وبدأت كل طائفة تُنظِّر للبدعة على حسب اعتقادها.
والذين يقومون بالتنظير للبدعة والتقعيد لها إنما يقومون بإضفاء المشروعية لمنهجهم الطائفي.
وبنو آدم- مسلمهم وكافرهم- مفطورون على بغض الابتداع في الدين، ومحبة الابتداع في الدنيا، وما اتفق عليه بنو آدم فهو حقّ، ودليل الفطرة دليل شرعي؛ ولذلك جاء الإسلام بتقرير هذا الأمر، فنهى عن الابتداع في الدين، وأمر بالابتداع في الدنيا، كما عرفنا هذا عن طريق الاستقراء للشريعة.
وإذا كان بنو الإنسان قد اتفقوا على ذمّ البدعة في الدين، فمن ذا الذي يرتكب هذه البدعة؟!
حتى نُجيب على هذا السؤال يجب أن تعلم أن الأحكام الشرعية إما قطعية أو ظنية: فالقطعي مخالفه كافر، والظني مخالفه مجتهد، وهذه مسألة ثنائية، ولا يمكن أن تكون البدعة خارجة عن هذا التقسيم سواء في العبادات أو في المعاملات، وبالتالي فإن البدعة لها حكم القسم الذي دخلت فيه، ولن تضيف إليه حكمًا جديدًا تحت مسمى (البدعة).
فإذا كان هذا فمن تعبد الله بما يظنّ أنه غير مشروع فهو مبتدع، وهو من أهل الأهواء الذين ذمّهم السلف، وحذروا الأمة منهم.
وأما من تعبّد الله بما يعتقد أنه مشروع فليس بمبتدع، وإن كان غيره يرى أنه ليس بمشروع؛ لأن المسألة اجتهادية، وقد تقرّر أن لا إنكار في مسائل الخلاف، وأما المسائل القطعية وهي المعلومة من الدين بالضرورة فإن المخالف فيها يكفر، ويجب فيها الإنكار.
وعلى هذا فإذا كانت المسألة ظنية فالتبديع فيها مبني على الظنّ، وهو بمنـزلة قولنا: لا يجوز، وقد تقرّر أن لا إنكار في مسائل الخلاف، فإذا حكمتُ على شخص بالبدعة في المسائل الظنية فإن ذلك الشخص بالمقابل سيحكم عليّ بالبدعة؛ لأنه لا تخلو مسألة من حكم الله، فإذا حكمتُ عليه بأنه تعبد الله بما لم يشرعه، فسيحكم عليّ بأني لم أتعبد الله بما شرعه- أي لم أعتقد فيما شرعه الله أنه مشروع- وكلا القولين يقتضي التبديع.
وكل المسائل الخلافية بين المسلمين في الدين يعتقد فيها جميع المجتهدين أن مخالفيهم قد تعبّدوا الله بما لم يشرعه، فإذا كانت البدعة هي: التعبّد لله بما لم يشرعه، وعلمنا أن جميع المجتهدين يعتقدون في مخالفيهم في مسائل الدين أنهم قد تعبدوا الله بما لم يشرع، إما بتحليل حرام، أو بتحريم حلال، فمعنى هذا أن التبديع في مسائل الاجتهاد بمنـزلة التخطئة للمجتهد الآخر، وهي قائمة بين الأجر والأجرين.
وبهذا تعلم معنى قول ابن تيمية: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة: إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها
ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم.
وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وفي الصحيح قال: إن الله قال: «قد فعلت»".
26/1/1429 هـ
03/02/2008 م