الملاحظات على المتصلين

 د. محمد بن عبدالعزيز المسند

 

الملاحظات على المتصلين:

كم هو جميل أن يرتبط الناس بأهل العلم العاملين، ويلتمسوا عندهم الحلول لما يُشكل عليهم من أمور دينهم، وبعض أمور دنياهم.

وما أشدّ ذلك على الشيطان وحزبه من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة، الذين يسعون بكلّ ما أوتوا من جهد للحيلولة بين الناس وبين العلماء الربانيين، ليتفرّدوا بهم، ويلبسوا عليهم دينهم.

وإنّ من أبرز مظاهر هذا الارتباط بأهل العلم: كثرة الاتصالات الهاتفية التي يتلقاها المشايخ على مدار الساعة، حتّى إنّ بعضهم ليعجز عن استيعابها جميعاً لكثرتها، مع كثرة المشاغل والارتباطات، إلا إنّ إساءة البعض لهذه الوسيلة في الاتصال ـ عن غير قصد ـ سبّبت إزعاجاً لأهل العلم، وتضييعاً لأوقاتهم الثمينة، مما حمل بعضهم على إهمال هذه الاتصالات، أو الردّ عليها في نطاق ضيق جداً، مما حرم الكثيرين من الاستفادة التامّة من هؤلاء المشايخ.

 

ويمكن تلخيص الملاحظات والمآخذ على المتصلين في النقاط التالية:

أوّلاً: الملاحظات العامّة على الجنسين، وهي:

1. وقت الاتّصال، فبعض المتصلين لا يحسن اختيار الوقت المناسب، فليس من المناسب مثلاً الاتصال من بعد الساعة الثانية ظهراً إلى صلاة العصر، فإن هذا وقت للراحة وتناول طعام الغداء. وليس من المناسب أيضاً الاتصال من بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً إلى صلاة الفجر، فإن هذا وقت للراحة والنوم والعبادة لمن له ورد بالليل.

2. التأكد من اسم الشيخ، فبعض الناس يتصل ولا يدري على من يتصل، وبعضهم ينظر إلى الاسم الأخير للشيخ ـ اسم العائلة ـ فتشتبه عليه الأسماء، لاشتراك بعض المشايخ في اسم العائلة الواحدة. وقد يظنّ أن الذي أجابه شيخ، وقد أجابه شيخ آخر، فينسب الجواب لغير صاحبه..

3.تكرار الاتصال في وقت واحد، فقد يتصل أحدهم مرة فلا يجد إجابة، فيكرر الاتصال ثلاثاً وأربعاً، مما يسبب إزعاجاً للشيخ. وحسن الأدب يقتضي عدم تكرار الاتصال لأنّ الشيخ قد يكون مشغولاً بدرس أو غيره.

4. السؤال عن الأحلام، وهذا أكثر ما يكون من النساء، وبخاصة الصغيرات ممن لم يتجاوزن سن العشرين، وعلى الرغم من أن الكثير من المشايخ لم يفتحوا هذا الباب لخطورته ومغالاة بعض الناس فيه في هذا العصر، إلا أنّ الاتصالات لا تنقطع يومياً، فكيف لو انتصب المشايخ لهذا الأمر فكيف سيكون الحال، وكم سيضيع من الأوقات!؟.

5. وهو خاص بمن ابتلوا بالوسواس القهري ـ عافانا الله وإياهم ـ فما إن يجدوا استجابة من شيخ حتى ينهالوا عليه بالمكالمات المتواصلة وبشكل مزعج.

فإذا تجاهلهم، لجأوا إلى طرق أخرى كالاتصال من رقم آخر، أو عن طريق البطاقات المدفوعة الثمن، أو إرسال الرسائل، ومن الطرائف في هذا الأمر ما حدثني به أحد الإخوة أن متصلاً مبتلى بالوسواس أزعج شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -، وكان عنده الشيخ العلامة محمد بن عثيمين - رحمه الله - فأخذ سماعة الهاتف وقال لهذا المتصل متوعداً: إن لم تكف عن الاتصال فسنطلب لك الشرطة، فلم يتصل بعدها. ولعل الشيخ - رحمه الله - قد عانى من هؤلاء، فعرف كيف يصرفهم. وعلاج مثل هذا الوسواس لا يكون عن طريق الاتصال بالهاتف، وإنما بطرق أخرى ليس هذا مجال ذكرها.

6. التسوّل عن طريق الهاتف، وغالب من يفعل ذلك من ضعاف النفوس. وفتح هذا الباب لا يخفى ما فيه من إزعاج وتضييع للأوقات، مع جهالة حال هؤلاء المتصلين.

7. مسائل الطلاق، لاسيما الطلاق بالثلاث، وهي من المسائل العويصة التي يصعب حلها عن طريق الهاتف، وبعض الناس لا يكتفي بشيخ واحد، بل يتصل على عشرات المشايخ حتى يجد من يحلل له امرأته، وهذا تلاعب بالدين. ومثل هذه المسائل ينبغي أن يُتوجه بها إلى المحاكم الشرعية أو دار الإفتاء للبت فيها.

8. إخفاء جزء من السؤال له تأثير في الحكم، وأذكر أنّ امرأة اتصلت تبكي ـ وهي زوجة ثانية ـ وتشتكي زوجها وتدعي بأنه قد ظلمها، وبعد التحقق والتحقيق تبين خلاف ذلك، وأنها هي المخطئة، فيجب على السائل أن يتقي الله، ولا يخفي شيئاً من السؤال.

9. عدم تجهيز الأسئلة وتدوينها قبل الاتصال، فبعض الناس قد يتصل مثلاً ويقول: عندي ثلاثة أسئلة. فيذكر اثنين، ثم يتحير قليلاً ويقول: نسيت الثالث.

10. السؤال عن طريق رسائل الجوال، ولذلك إيجابيات وسلبيات، والسلبيات في نظري أكثر من الإيجابيات، وأرى أن يقتصر في ذلك على الأسئلة المحرجة لاسيما للنساء، أو العاجلة التي لا تحتمل التأخير.

11.   مجادلة الشيخ، وهي صفة ذميمة تنمّ عن نقص في الأدب.

12.   الإطالة، فبعض الناس يظن أنّ الشيخ متفرّغ له وحده، فيحرم الآخرين من الفائدة.

13. سؤال أكثر من شيخ في مسألة واحدة، وهذا لا يجوز، فالواجب على المستفتي أن يسأل شيخاً واحداً يثق بعلمه ودينه، ويعمل بما أفتاه، ويكتفي بذلك.

 

ثانياً: الملاحظات الخاصّة على النساء، ومن أهمها:

1. تحسين الصوت، والخضوع بالقول، وهو قليل ولله الحمد من النساء المؤمنات. وقد ورد النهي الصريح عن ذلك في القرآن.

2. التوسع في العبارات، ومن ذلك أن تضيف المرأة عبارات لا حاجة لها، مثل: (كيف حالك يا شيخ)، أو (عندي سؤال الله يعافيك)، ونحو ذلك. والواجب الاقتصار على لب السؤال دون إضافات، قد تكون مدخلاً للشيطان.

3. الإطالة في الحديث دون الحاجة إلى ذلك، مثل ذكر بعض التفاصيل التي لا فائدة من ذكرها، ولا تأثير لها.

 وختاماً.. فإني أوصي الجميع بتقوى الله - عز وجل - في السر والعلن، ومواصلة الارتباط بأهل العلم العاملين للاستفادة من علمهم، والاسترشاد بأقوالهم، والاستنارة بأفكارهم وآرائهم، والحذر كل الحذر من تتبع الرخص لتحليل ما حرم الله، أو كما يقول بعض العامّة: (اجعل بينك وبين النار مطوع) أي إذا أردت فعل محرم، فابحث عمن يفتيك بحله من المشايخ لتبرأ ذمتك!!. وهذه المقولة مقولة فاسدة، لا تنفع صاحبها عند الله، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد بإسناد صحيح: " البرّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المُفتون ".

 أما ما يتعلق بتفسير الأحلام، فإني أوصي الجميع ـ وبخاصة النساء ـ بأن لا يحرصوا على هذا الأمر الذي أصبح كالموضة، وأن يعملوا بوصية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وقد أوجزها بقوله: " الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان. فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً، فلينفث عن يساره، وليتعوّذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحداً. فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر بها إلا من يحب " أخرجه مسلم.

والله الموفق.

 

25/9/1428 هـ

 

http://islamlight.net/almesnad/index.php?option=content&task=view&id=6761&Itemid=5