الكاتب المغلوث

 د. محمد بن عبدالعزيز المسند

 

يقول بعض أهل العلم: إن لكلٍ من اسمه نصيباً، وفي لسان العامة يقولون: كلب مغلوث، أي: مسعور..وما كنت أظن أن هذا الداء سينتقل إلى بعض البشر، ويتسمى به، حتى ظهر علينا كاتب يُدعى: غازي المغلوث، كان له من اسمه أوفر الحظ والنصيب، هذا الكاتب - وهو أستاذ في الثقافة الإسلامية بجامعة الملك فيصل!.

أطلقته صحيفة الوطن السعودية! لينهش لحوم خيار البشر عبر مقالاته المسمومة، ويغزوهم بسيفه الخشبي المتهتك، حتى يكاد ينطبق عليه قول المولى - عز وجل -: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ)) (الأعراف: 166-167).

ونسي أن لحوم خيار الأمة مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصهم معلومة..

اعذروني إن كنت قد قسوت في القول، أو أسأت في العبارة، فإن الله يقول: ((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ)) (النساء: 148).

ولو كان الظلم واقعاً على نفسي، لما خططت حرفاً وحداً، لكنه واقع على خيار الأمة وسلفها الصالح، باسم الإصلاح والتنوير!.

وقبل أن نعرج على مقالات هذا المغلوث، يحسن بنا أن نتعرف على انتمائه.. فهو ينتمي إلى المدرسة القرضاوية - إن صح التعبير - والتي يمكن أن نسميها مدرسة التميع في العقيدة والأحكام.. لذا نجده في مقال له في جريدة الوطن (عدد: 347) بعنوان (قراءة في فكر الشيخ القرضاوي) يثني على القرضاوي، بل يضعه في قائمة مجددي وعمالقة الإسلام كالنووي، وابن حجر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، والسيوطي! على حد تعبيره، في الوقت الذي نراه يطعن في المنتمين إلى المدرسة السلفية، وأهل الحديث، بل في المدرسة ذاتها، وهذا هو فحوى غالب مقالاته القليلة..

ففي صحيفة الوطن (عدد: 324) كتب مقالاً بعنوان: (الجماعات السلفية، والإشكاليات المزمنة) يرى فيه أن الحركات السلفية في معظم أقطار الوطن العربي / الإسلامي تعاني من حالة مرضية مزمنة، تتمثل في فقدان القدرة على التعاطي مع العصر، والتماهي مع مستجدات وأدوات الحداثة الكونية، فلا زالت تتخبط في مناهجها!.

وتتعثر في برامجها! وتفقد مصداقيتها، مما جعلها تبتعد عن التأثير في الجماهير!! هذا نص ما ذكره عليه من الله ما يستحق.

ثم يذكر أن من المطبات التي وقعت فيها الجماعات السلفية في خطابها المعاصر: النظر إلى التراث بعيون تراثية لا نقدية، ومن ثم - يقول - هناك نظرة تضخيمية لأعلام التراث، فهم وحدهم يحتكرون الحكمة والعلم والصواب، والخير كل الخير في التأسي بهم والسير على منهاجهم!.

وأقول: إن لم يكن الخير في اتباع السلف الصالح، والسير على منهاجهم، فأين يكون؟ هل يكون في اتباع الخلف وما ابتدعوه في دين الله.

أما النظرة التضخيمية لأعلام السلف وأنهم وحدهم يحتكرون الحكمة والعلم والصواب.. فلم يقل به أحد من السلف الأوائل ولا الأواخر.

بل شاع في كتب السلف قول الإمام مالك - رحمه الله -: (كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد عليه إلا صاحب هذا القبر) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وتضخيم أئمة السلف وأعلامهم لما بلغوه من العلم والمكانة ونفع الأمة، خير من تضخيم الخلف وما ابتدعوه في دين الله كما فعل الكاتب بشيخه القرضاوي.

ثم يصل ضلال الكاتب إلى ذروته، فيقول بخبث: من خلال قراءة الأدبيات التي تنطلق منها الحركات السلفية، نجدهم يتترسون بنـزعة حجاجية غير مقنعة، وهي أن ثمة منهجاً للسلف واحداً ينبغي التماهي والتأسي به، وهذه مفارقة عجيبة، لأن هذه الحركات منقسمة على نفسها إلى جماعات وحركات كلها تدعي التماهي مع نهج السلف والاقتداء به.

وأقول:

أولاً: هل ثمة شك في أن للسلف منهجاً واحداً ينبغي التمسك به.

وإذا كان الكاتب غير مقتنع بذلك، فذلك ناتج عن انحرافه عن منهج السلف.

ثانياً: الكاتب لم يفرق بين الجماعات السلفية الحقة، وأدعياء السلفية، فليس كل من تسمى بالسلفي يكون سلفياً، فإغفال هذه النقطة في الحديث عن السلفية يدل على أمرين: إما جهل الكاتب بالواقع، أو خبثه واصطياده في الماء العكر، وهذا هو الظاهر.

ثالثاً: هناك أمور اجتهادية ليس فيها نص قاطع، فتختلف فيها وجهات النظر، ومثل هذا الاختلاف يقع بين أفراد الجماعات السلفية وغيرها، فليس هو حكراً على الجماعات السلفية وحدها، ومثل هذا الاختلاف سائغ، ولا يلزم أن يتفق السلفيون في كل صغيرة وكبيرة لاسيما مع اختلاف البلاد واختلاف الأوضاع.

ثم يستطرد الكاتب في كيل التهم والافتراءات على الجماعات السلفية والذي يطول الرد عليها، بل إنها لا تحتاج إلى رد لمن كان لديه أدنى بصيرة، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1 - ادعاء الحقيقة المطلقة التي لا يرقى إليها شك، ورفض الرأي الآخر، ويقصد بالرأي الآخر، ما خالف مذهب السلف.

2- استنساخ الأقوال القديمة دون اعتبار زمانها ومكانها، واجترار اجتهادات الفقهاء القديمة وتقديمها في طبعة جديدة.

3- التوظيف المكشوف (كذا) لآراء السلف الصالح، والانتقائية حسب الهوى.

4- رفض النظرة المقاصدية للنصوص الشرعية، والوقوف عند ظواهر النصوص.

5 - عدم الاهتمام بالعمل الاجتماعي وخدمة الناس ومعايشة همومهم ومشاكلهم..

6- عدم الاكتراث بالمواجهة المصيرية مع الحضارة الغربية والسعي لأسلمة المعرفة والفنون والاقتصاد والسياسة، والانشغال!! بالرد على المتصوفة والأشاعرة والماتوريدية!!.

7- رفض الحوار والنقاش مع الفرقاء (المخالفين) واستدعاء الخلافات الفقية والكلامية القديمة.

8- الوعي المنقوص، وعدم الانعتاق من أسر التراث الفقهي والكلامي وأعلامه...

هذه مجمل التهم التي وجهها الكاتب لأتباع السلف دون تمييز بين الصادقين منهم والأدعياء، وهي تهم جائرة وظالمة، صادرة من قلب متشبع بالبدعة، منافح عنها..

وليس المقصود - فيما يبدو - من هذا المقال نقد الجماعات السلفية وإصلاحها، وإنما المقصود تنفير الناس من المنهج السلفي القويم المتمثل في أتباعه المنافحين عنه، وصرفهم إلى مناهج الخلف المنحرفة، وهذا ما تدأب إليه صحيفة الوطن وللأسف الشديد منذ صدورها في بلاد التوحيد.

وفي مقال آخر له في الصحيفة ذاتها (عدد: 406) بعنوان: (المشروع الإسلامي.. ) ويقصد به تطبيق الشريعة الإسلامية، يردد ما قاله العلمانيون منذ زمن من غياب الفكر السياسي في المشروع الإسلامي، فيقول: ليس من شك أن ثمة غياباً للفكر السياسي في المشروع الإسلامي المعاصر، فلا يملك رؤية واضحة أو برنامجاً يثبت من خلاله قدرته وكفاءته وأحقيته في القيادة ثم يستدل على ذلك ببعض التجارب المعاصرة، فيخلط بين أصحاب المناهج المنحرفة، والمنهج الصحيح..

وقد نسي وهو يردد ما يقوله العلمانيون أعداء لشريعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل المدينة مهاجراً لم يكن لديه برنامج - بالمعنى الذي يدندنون حوله - لتطبيق الشريعة، بل كانت الأحكام تنـزل تباعاً في القضايا والأحكام المختلفة، حتى اكتمل الدين، وتمت النعمة على مدى عشر سنين، فأي رؤية اليوم أوضح من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأي برنامج أحسن منهما لا سيما مع توافر العلماء الربانيين الذين لا يخلو منهم عصر ولا مصر.

ثم يصرح بأن الواقع اليوم غير مهيء لتطبيق الشريعة ـ ولست أدري متى يكون مهيأ - فالشريعة في نظره لا تطبق ابتداءً في ظل الفقر والجوع والبطالة والجهل.. الخ، فأقول: إذاً ما قيمة الشريعة إذا لم تحل مشاكل الناس؟

ثم يبرر رفضه لتطبيق الشريعة بأنه إذا كان المقصود تطبيق الحدود فالغالب أنها لا تطبق إلا في حالات محدودة ومعينة، كحد الزنى والردة والسرقة وهي الاستثناء وليست الأصل، أما إذا كان المقصود من الشريعة بقية الأحكام والتشريعات، فثمة تشابه كبير بين قواعد المذاهب الإسلامية، والقواعد القانونية المعاصرة نتيجة استطراق الآراء والأفكار والعبارات خلال الأوعية البشرية المتشابهة في الطبائع، والمتماثلة في الظروف، وتقارب النفوس والعقول، وتشابه التصرفات والمعاملات.. الخ، فإذاً لا حاجة إلى تطبيق الشريعة بزعمه.

ثم يثني على الحضارة الغربية التي تعلي من قيمة الإنسان!! في مقابل الحضارة الإسلامية التي تعلي من قيمة الجماعة على حساب الإنسان حسب زعمه، مستشهداً بقول المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري!!!

وهذا حق، فهي تعلي من قيمة الإنسان الغربي بل حتى الحيوان البهيم، أما المسلم فهو في نظر هذه الحضارة أحط درجة من الحيوان، وهذا ما تشهد به أفعالهم في شتى بقاع الأرض.

وفي مقال له آخر في الصحيفة ذاتها (عدد: 442)، يستشهد بقول للمفكر المغربي محمد عابد الجابري ـ وهو من المبشرين بما يسمى بالمذهب الانتقائي، والذين يزعمون أن العلم شيء والعقيدة شيء آخر - يستشهد بمقولة له وهو يتحدث عما سماه بالـ (أنا) وثقافة الآخر، وأن الأحداث التي حصلت منذ حملة نابليون على مصر، وإلى وقتنا الراهن كشفت ضعف المسلمين وتخلفهم، وتفوق الأعداء، وهذا حق لا مرية فيه، لكنه يعزو ذلك إلى ما سماه بالـ (أنا) عند المسلمين، التي تمثل - حسب زعمه - الحق الذي لا مرية فيه، والآخر يمثل الباطل الذي لا شبهة فيه.. ثنائية الهدى والضلال.. حزب الله وحزب الشيطان.. الفرقة الناجية والفرقة الهالكة.. هذه المصطلحات الشرعية التي وردت في الكتاب والسنة، تفسر - في نظره - تأزم وضعية الآخر في تراثنا.. وهذا كلام خطير، لا يصدر عن مسلم - فضلاً عن أستاذ جامعي - يدرك ما يقول.

ثم يعود إلى الوراء ليذكر تكفير بعض علماء الحديث لأبي حنيفة، إحراق الحنابلة لمنزل الطبري، عراك الحنابلة مع الأشاعرة.. الخ، فيخلط الماضي بالحاضر مع التباين الواضح في واقع المسلمين قديماً وحديثاً، كما يلاحظ تركيزه على أهل الحديث والحنابلة كعادته في لمز السلف وأهل الحديث.

ثم يثني على الآخر البعيد، وهو الغرب الكافر، فيعزو نجاحه وتقدمه المطرد على المستوى السياسي والفكري - حسب تعبيره - إلى إيمانه بمنظومة قيمية، تقوم على القبول بالآخر، والتسامح معه، والحق في الاختلاف، ونسبية الحقيقة، ونسبية المعرفة.. الخ وقد نسي أو تناسى جرائم الغرب التي يرتكبها في كل زمان ومكان لتحطيم المسلمين وإذلالهم وقتلهم وتشريدهم، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر.. ولو صدق لقال إن الهزيمة النفسية، والإعجاب بالغرب الكافر، والخضوع له، هو السبب الرئيس في تخلف المسلمين وتأخرهم، وهو الداء العضال الذي أصاب هذا الكاتب وأمثاله ممن يدعون أنهم من أصحاب الفكر المستنير.

ولا يقف الكاتب عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى إنكار ما يسمى بالغزو الفكري أو الثقافي للعالم الإسلامي في مقال له في الصحيفة ذاتها (عدد: 429) بعنوان (وهم الغزو الثقافي) ويسخر من العلماء والدعاة الذين حذروا من هذا الغزو، كأمثال محمد محمد حسين، ومحمد رشيد رضا، وقد عد رجوع هذا الأخير عن المنهج العقلي في تفسير النصوص، إلى المنهج السلفي ردة إلى الوراء، ونكوصاً عما أسماه بـ (المشروع النهضوي الكبير).. !!!

ويعزو لجوء هؤلاء العلماء والدعاة الأجلاء للتحذير من الغزو الفكري إلى العجز الذي ظهرت تجلياته - كم يزعم - في الخطاب الإسلامي عن تقديم بديل سياسي، ثقافي، اقتصادي للمجتمعات الإسلامية، فيلجئون إلى الشعارات المعلبة الجاهزة، والأسطوانات المكرورة، ويعلقون عليها فشلهم الحضاري عن اجتراح البديل.. هكذا يفسر جهود أولئك العلماء والمصلحين.

ثم يخلص إلى القول أن لا قضية حقيقية في هذا الموضوع، فلا يوجد ثمة غزو ولا من يغزون.. كل ما هنالك أن ثمة حضارة غربية علت وهيمنت.. الخ.

وأقول: هاهنا مكمن الداء، فإن الحضارة الغربية قد علت مادياً، لكنها روحياً تتمرغ في الحضيض، ونحن المسلمين، نحن الأعلون بإيماننا وعقيدتنا ومبادئنا كما قال - تعالى -: ((وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) (آل عمران: 139).

فمتى ما تخلينا عن عقيدتنا، وأحسسنا باستعلاء الكافر علينا، كانت الهزيمة الحسية والمعنوية كما هو حال المسلمين اليوم، وهذا ما يفسر انتصار المسلمين الأوائل الذين لم يعرفوا الحضارة المادية، على أكبر حضارتين في العالم آنذاك: فارس والروم.

وختامأً: فإني أنصح هذا الكاتب بتقوى الله - عز وجل -، وأن يكف عن لمز المؤمنين، وتنفير الناس عن منهج السلف، فالخير كل الخير في اتباع منهج السلف الصالح.

والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد.

 

19/2/1427 هـ

 

http://islamlight.net/almesnad/index.php?option=content&task=view&id=2444&Itemid=6