لا تقربوا الزنا يا مسلمون 4
د. سعد بن عبدالله الحميد
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينة ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} آل عمران102.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} النساء1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} الأحزاب71.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعه ضلاله، وكل ضلاله في النار.
أيها الناس: تقدمت الإشارة إلى مسببات الزنا، وذكرنا منها: وسائل الإعلام ودورها في إشاعة الفاحشة، ونشير هنا إلى مسببات أخرى لهذه الفاحشة.
فمن ذالك: انتشار استعمال وسائل منع الحمل؛ لأن الخوف من الحمل كان أحد العوائق المهمة في إعاقة المرأة في ممارسه هذه الفاحشة، فأما وقد زال هذا العائق، فإن المرأة التي لا دين يردعها، ولا خلق تستطيع أن تمارس ذالك دون خوف أو وجل، وقد كان الأطباء والباحثون الغربيون مهتمين بدراسة الأمراض الجنسية ومسبباتها، وذكروا من المسببات هذا السبب التي مر ذكره، زمنهم كما نقل ذالك الدكتور محمد على البار في كتابة الأمراض الجنسية، ونهم الدكتور شوفيل في كتابة الأمراض الجنسية حيث ذكر عدة أسباب، ومنها وسائل منع الحمل، وقل لقد أجابت 78% من النساء اللاتي قدمت لهن أسأله عن ممارساتهن الجنسية بأن حبوب منع الحمل كانت من الأسباب الدافعة إلى هذه الممارسات المتعددة، وقد أشادت الكثيرات إلى أن وسائل منع الحمل التي أتاحت للمرأة أن تساوي الرجل بإباحيته حيث لم يعد الخوف من الحمل مانع من حريتها الجنسية، ولذا فإن كثيرا من النساء في الغرب أصبحن إباحيات، وفي سنٍ مبكرة جدا، ونتيجة لذالك فإن السيلان والأمراض الجنسية الأخرى تشاهد في المارقين بصورة أكبر كثيراً من ما كانت علية، ويقول مرجع مارك الطبي رغم التقدم الطبي الباهر في مجال التشخيص والعلاج، والذي قضى على الأمراض الوبائية في العالم إلا أن الأمراض الجنسية زادت زيادة كبيره، وهناك عدة أسباب لهذا التناقض في رأينا، وهي الصغيرات الخطيرات في السلوك الجنسي، والتي شهدت ما يعرف باسم ثورة الجنس، وانتشار حبوب منع الحمل واللولب، ووسائل منع الحمل الأخرى. انتهى كلامه.
فوسائل منع الحمل إذاً هي من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار الزنا؛ لأنها تعطي المرأة كثيرا من الاطمئنان إلى عدم وقوع الحمل الذي تخافه المرأة، وخاصة في المجتمعات التي تمقت الفاحشة وتعتبرها عارا، فالمرأة التي لا دين يردعها قد يردعها عن الوقوع في الفاحشة خوف العار، فإذا أمنت هذا الجانب عن طريق وسائل منع الحمل، فليس هناك ما يمنعها من ممارسة الفاحشة، فوجب إذاً على من بيده الأمر في البلاد الإسلامية منع بيع وتعاطي وسائل منع الحمل بهذه الصورة المهلكة، وإذا كان هناك بعض الحالات بين الزوج وزوجته التي تستدعي ذالك، فيمكن تنظيمها بحصر الكميات الداخلة إلى البلاد، ومنع بيعها إلا بإذن من الطبيب مصدق من مرجعه، فلا تعطى المرأة إلا بحضور زوجها مصطحباً معها عقد الزواج، وهذا ليس بعسير، لكنه يحتاج إلى ناصح لأمته لتطبيقه. ومن أسباب الزنا اختلاط الرجال بالنساء وخروج النساء من بيتهن متبرجات، والثقة العمياء بأقرباء الزوج؛ لأنهم أخطر الناس على المرأة، فهم يترددون غالباً على البيت ولا ينكر عليهم ذلك، وفي ظل التردد والتزاور والاجتماع يكون ما يكون مع الدوام والاستمرار.
ومن أسباب الزنا: كثرة سفر الأزواج وانفصالهم عن زوجاتهم، سواء كان من أجل العمل أم السياحة أم غيره، وهذا فيه خطر على الأزواج والزوجات على حدٍ سواء، فالشهوة مركبة في الجنسين، والكل مجبور على إشباع هذه الرغبة، فقد يتعرضان أو أحدهما لما يهيج هذه الشهوة، وبخاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه دواعي الفتن ثم لا يجدان أو أحدهما ما يطفئ هذه النار المشتعلة فتكون العاقبة وخيمة حينئذٍ.
ومن الأسباب أيضا: انتشار الخمور؛ لأن الصلة وثيقة بينها وبين الزنا والكل يعلم والواقع يشهد في ذلك حسب الإحصائيات الطبية التي تفيد بأن كثير من المصابين بالأمراض الجنسية هم من المدمنين على المخدرات، ونحن نرى أن الدول الإسلامية، وللأسف تبعت الدول الغربية في محاربة المخدرات والتهوين من شأن الخمور، فهم إنما عادوا المخدرات لمصالح دنيوية، وأملت عليهم شياطينهم أن الخمور ليست كذالك فتهاونوا على تطبيق الحد على شارب الخمر مع أن الخمر هي أم الخبائث، وهي القائد لكل شرٍ ورذيلة، فتقود بالشرك بالله، ولقتل النفس والزنا وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وإهمال ما يجب من رعاية الأبناء والزوجة والتفقه عليهم، وغير ذلك..
ومن الأسباب المفضية إلى الزنا: اعوجاج الأزواج وخيانتهم باتصالهم بغير زوجاتهم على غير الوجه الشرعي، فإذا المرأة علمت أن زوجها أصبح لغيرها أصبحت لغيره مقلدةً له في ذلك، ومتبعة لطريقته، فثقلت فباعت عرضها تسلكاًُ منها وانتقاما من زوجها الذي فتح أمامها باب الإثم وصار أمامها في مهاوي الخطيئة، المرأة غالباً على دين زوجها، أفلا يكون هذا الرجل هو الفاسق الآثم الذي سن لها هذه السنة السيئة، ومن سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وهذه أشد عقوباته في الدنيا، فإن من عف عن نساء الناس عف نساء.
إن الزنا ديناً إذا استقرضته *** كان الوفاء من أهل بيتك فاعلم
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا اله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وإخوانه، وسلم تسليم كثيرا.
أما بعد:
أيها لناس: فإن الله - سبحانه - حين حرم الزنا حرم أيضا مقدمات الزنا، قال - تعالى -: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} الإسراء32.
وأمر بحفظ الفرج وغض البصر وكان من صفات عباد الرحمن أنهم لا يزنون ومن صفات المؤمنين: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} الأحزاب35. {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} المؤمنون 1- 7.
اتخذ دين الإسلام كل وسيله لمنع الزنا، فحث على الزواج ورغب فيه، وحث على غض الأبصار ومنع اختلاط الرجال بالنساء، وشدد في الخلوة منع منها، ومنع سفر المرأة إلا مع ذي محرم، وأمر بالحجاب، ومنع من الخضوع في القول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، ومنع الدخول على المغيبات اللاتي سافر أزواجهن، ومنع إلى الاستماع إلى المغنيين والمغنيات لما فيه من تهيج الشهوة، وخلاصة الأمر أن الإسلام فتح باب الزواج على مصراعيه، وحث علية ورغب فيه، وسد جميع الأبواب المفضية إلى الزنا، وأحكم الرتاج عليها، فلم يجعل للزنا سبيل على المسلمين، ولذا كما سبق أن ذكرنا لم تظهر في المجتمعات الإسلامية مشكلة الأمراض الجنسية إلا في العصور المتأخرة التي انحرف فيها بعض المسلمين عن دينهم، ومع ذالك لا تزال قليلة، والحمد لله إذا ما قورنت بغيرها من البلدان لكن الشر وللأسف موجود، ولذا يجب على المسلمين أن يسهلوا مهمة الزواج، وان يشجعوا أبناءهم وبناتهم على الزواج المبكر لما فيه من إبعاد الشاب والشابة عن الوقوع في الفاحشة، أما تأخير الزواج ووضع العراقيل في طريقه بنفقات الزواج الباهظة، فإنه من الأسباب المفضية إلى الوقوع في الزنا، فإن الشاب والشابة بمجرد البلوغ تهيج الشهوة، فإذا لم يكن لديهم من الحلال ما يطفئ ذالك الهيجان ربما أطفأه في ما يعطي لها العار في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
ومن الأسباب المفضية للزنا: محاربة ما أحل الله من الزواج بأكثر من واحدة ، حتى عاد المجتمع وللأسف ينظر للزواج بأكثر من واحدة نظرة ازدراء ونقص لمن يفعله، وهذه نظرة أعداء الإسلام التي كانوا منذ أمد يرمون بها المسلمين حتى أوجدوا لهم من الأذناب من يزدريها، فوافقت هوى في الأنفس، فاستجاب لها كثير من مجتمعات المسلمين وللأسف، وهذا موضوع طويل سنأتي للحديث عنه في الخطب الأخرى لكن ما يهمنا منه هو أن نسبته، ولا شك أكثر من نسبة الرجال فإذا لم يشجع على هذا الأمر فإن هؤلاء النسوة قد يلجأن في الوقوع في الفاحشة إذا تأخر عنهن الزواج فهن بشر من جملة البشر الذي ركبت فيه هذه الشهوة، ومع ذلك فإن هناك من الأزواج من لديه من القوة الجنسية ما يستدعيه للزواج بأخرى أو أكثر وإذا لم يفعل قد يلجأ للزنا بسبب ضعف زوجته عن تلبية مطلبه من هذه الغريزة الذي أودعها الله فيه فوجب علينا إذاً السعي في تصحيح المفاهيم الخاطئة التي ألمت بالعقول كثيراً من المسلمين وإسهامهم بأن لا محيد عن أمرين: إما تعدد الزوجات أو تعدد العشيقات والخليلات، وانتشار الفاحشة التي بها الهلاك وواقع المجتمعات الغربية شاهداً على ذالك، فقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط قبل تسع سنوات أن 75% من الأزواج يخونون زوجاتهم في أوربا، وأن نسبة أقل من الزوجات يخن أزواجهن، ونتيجة لانتشار الخيانة الزوجية تقول الإحصائيات الحديثة أن هناك حالة طلاق بين كل حالتين زواج في بريطانيا كما ذكرته جريدة المدينة في عددها الصادر في 27 من شهر 5 من عام 1400.
فيا معشر الإخوة: إن الله - جل وعلا - هو الحكيم الخبير الذي هو أعلم بما يصلح البشر، ولم يكن هذا الأمر إلا لأن فيه من المصالح ما قد ندركه وما قد لا ندركه.
اللهم أصلح ديننا الذي هو عصمه أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل اللهم الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة من كل شر.
اللهم ادفع عنا الغلاء والباء والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين في برك وبحرك أجمعين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق، يا رب العالمين.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله أعلم ما تصنعون.
8/6/1429 هـ