المجالس وآدابها

 

الحمد لله والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده.

وبعد:

فإن من الآداب التي غابت عن حياتنا، بالرغم من أهميتها آداب المجالس فالكثير من مجالسنا لا يخلو من القيل والقال والغيبة والنميمة وتتبع العورات وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فضلا عن المعاصي والموبقات والمحرمات، لان عمر الإنسان محدود ونفسه معدود، كان لزاما عليه أن يشغل أوقاته بطاعة ربه قبل أن يندم علي تلك الأوقات ويتحسر علي تلك الغفلات، قال - سبحانه -: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ويقول صلي الله عليه وسلم: " ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان حسرة " رواه أبو داود.

مجالس الذكر هي مجالس الملائكة ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين فليتخير العبد أعجبها إليه وأولاها به فهو مع أهله في الدنيا والآخرة كما قال ابن القيم - رحمه الله-.

1- وتبدأ آداب المجالس بالاستئذان أن كان المجلس في مكان يحتاج إلى ذلك، يقول - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا…).

ومن آداب الاستئذان:

أولا: قرع الباب بلطف وتجنب الشدة والعنف، فقد كانت أبواب النبي  - صلى الله عليه وسلم- تقرع بالأظافير.

ثانيا: الاستئذان يكون ثلاثا، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: " الاستئذان ثلاثا فإن إذن لك و إلا فارجع " متفق عليه.

ثالثا: لا ينبغي للمستأذن أن يستقبل الباب بوجهه ولكن من ركن يمين أو يسار، لما ثبت عن عبد الله بن بشر قال " كان رسول الله  - صلى الله عليه وسلم- إذا أتي باب قوم لم يستقبل الباب مت تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر " (رواه أبو داود) والاستئذان شرع لأجل البصر فإن سبق البصر فلا استئذان، وفي الحديث: " فما جعل الاستئذان إلا لأجل البصر".

رابعا: ينبغي أن يخبر المستأذن باسمه ولا يفعل كما يفعل من لا علم عندهم قد يقول " أنا "، فقد روي جابر - رضي الله عنه - أنه استأذن يوما علي رسول الله  - صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي  - صلى الله عليه وسلم- : " أنا "كأنه يعرفه ذلك " متفق عليه.

2- السلام علي أهل المجلس إذا كان ذلك لا يؤثر عليه كأن يقطع الدرس أو يوجب التشويش، وفي حديث مسلم " أن النبي  - صلى الله عليه وسلم- كان يسلم تسليما لا ينبه النائم ويسمع اليقظان ".

وليحذر تسليم الخاصة الذي هو حد علامات الساعة حيث يخص بالسلام طلاقه الوجه وبشاشة المقابلة لكان ذلك أتم بقول  - صلى الله عليه وسلم- تبسمك في وجه أخيك صدقة " أبو داود في سننه..

3- الجلوس حيث يأمر صاحب المنزل أو حيث ينتهي به المجلس، فلا ينبغي أن يجلس الرجل قبل أن يأذن له صاحب المجلس وحيث يأمره إلا إذا كان مجلس عاما فينبغي عليه أن يراعي آداب الجلوس، فلا يقيم أحدا من مكانه، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: " لا يقيم الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا أو توسعوا " متفق عليه.

ولا يجلس في وسط الحلقة ولا يفرق بين اثنين إلا بإذنها وان يختار المكان المناسب فالموضع الذي يحط عنه، ولذلك نصح لقمان ولده قائلا: " يا بني إذا جلست إلي ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل، ولعله يأتيه من هو اثر عنده منك فتنحي عنه فيكون ذلك نقصا عليك.

4- حسن الجلسة، فمجالس العلم ينبغي أن تحترم وتقدر، ولقد كان السلف - رضي الله عنهم - يعلمون طلبة العلم الأدب عند جلوسهم بين أيدي العالم، فقد جاء ولد المهدي واستند إلى الحائط، وسأل شريك فلم يلتفت إليه، حتى جثا علي ركبتيه، ثم سأله فأجابه، وقال له: العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، وكان الإمام أحمد يقول: أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه، ومن حسن الجلسة، عدم العبث في المجلس وكثرة الحركة وتحريك النظر بعيدا عن المتحدث فهذا من سوء الأدب وكذلك فإن انتقاء الألفاظ وتجنب الجفاء والفحش في القول مع العالم من حسن آداب المجالس.

 

5-حسن الاستماع وعدم مقاطعة المتحدث وإظهار العلم بحديثه، فلقد كان أصحاب رسول  - صلى الله عليه وسلم-: عند خروجه بهم يجلسون بين يديه كأن علي رؤوسهم الطير وهذا يشير إلي شدة الانتباه وعدم الحركة، فضلا عن عدم مقاطعة المتحدث فإن النبي  - صلى الله عليه وسلم- عندما جاء عتبة بن ربيعه ليحدثه في أمر دعوته، قال له النبي أوقد فرغت يا أبا الوليد؟ فانظر أخي يرحمك الله كيف كان حال النبي  - صلى الله عليه وسلم- مع أعدائه.

6- الاستئذان عند الخروج والسلام عند الانصراف، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم-: " إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده فلا يقم حتى يستأذنه " السلسلة الصحيحة 182.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " إذا انتهي أحدكم إلي المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولي بأحق من الآخرة " رواه أبو داود في سننه.

وختاما لا تنس أخي في الله كفارة المجلس وهي ختام المجلس بالدعاء المأثور عن رسول الله  - صلى الله عليه وسلم- : " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ".

والله من وراء القصد..

 

http://osamasoliman.com/?p=13