أنواع الفتن
الفتن نوعان، بل أنواع، منها: الفتن فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وفتن الحروب؛ ففتن الشبهات أعظمها ما كان في الشرك، من فتن الشبهات التي توقع الإنسان في المعاصي والكبائر نفي الصفات عن الله - عز وجل - نفي صفات الله وأسمائه، وقع في هذه الفتنة الجهمية والمعتزلة والشبهة التي وقعوا فيها هو أنهم اعتقدوا أنهم لو أثبتوا الأسماء والصفات لله لشبهوا الله بخلقه، نفوا عن الله السمع والبصر والعلم والقدرة، قالوا: إن الله لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر، نفوا جميع الأسماء والصفات، قالوا لو قلنا: إن الله يسمع والمخلوق يسمع، وإن الله يبصر والمخلوق يبصر؛ لشبهنا الخالق بالمخلوق، وبذلك نفوا الصفات.
هذه شبهة وقع فيها الجهمية والمعتزلة وكذلك الأشاعرة أثبتوا سبع صفات ونفوا بقية الصفات، شبهتهم قالوا لو أثبتنا الصفات لله لشبهنا الخالق بالمخلوق والله ليس له شبيه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
والمخرج من هذه الشبهة أن تتبصر وتتفقه في دين الله، وتفهم النصوص كما فهمها كما فهمها السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة.
والجواب عن هذه الشبهة أن الله -تعالى- له صفات لا تشابه صفات المخلوقين، وله أسماء لا تشابه أسماء المخلوقين؛ فالله -تعالى- له سمع وبصر لا يشبه سمع المخلوقين ولا بصره، له علم لا يشبه علم المخلوقين الله، له صفات والمخلوقين له صفات، والله ليس كمثله شيء، لا يماثل أحدا من خلقه لا في صفاته ولا في ذاته ولا في أسمائه ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله، هذا المخرج من هذه الفتن.
ومن الشبهات التي يفتتن بها الإنسان عن دينه فتنة نفي الصفات، الآن الذين نفوا الأسماء والصفات شبهوا الله بالعدم، جعل الله معدوم؛ لأن الذي ليس له أسماء ولا صفات عدم، ولهذا كفر العلماء الجهمية قالوا: إنهم كفار لأنهم تنقصوا الرب، ونفوا الأسماء والصفات، وشبهوا الرب بالمعدوم، والمخرج هو فهم النصوص على وفق ما فهمه السلف الصالح.
من الفتن من الشبهات التي وقعت لبعض الناس شبهة الخوارج والمعتزلة فالخوارج حصلت لهم شبهة فتنوا بها عن دينهم وهو أنهم استدلوا بالنصوص التي فيها الوعيد للعصاة على كفر العاصي فاعتقد الخوارج أن المسلم إذا فعل الكبيرة خرج من الإسلام ودخل في الكفر وصار مخلدا في النار فقال المعتزلة إذا زنا الإنسان أو سرق أو شرب الخمر أو عق والديه أو قطع رحمه أو أكل الربا أو الرشوة فهو كافر وإذا مات فهو مخلد في النار وقالت المعتزلة إنه إذا فعل الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فكان في منزلة بين المنزلتين.
والشبهة التي حصلت لهم أنهم لم يفهموا النصوص تعلقوا ببعض النصوص وتركوا البعض الآخر وتركوا بعضها فقالوا إن الله -تعالى- توعد من أكل مال اليتيم بالنار قال - سبحانه -: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} فقال من أكل مال اليتيم فهو كافر مخلد غي النار هذه شبهة، وكذلك أيضا الله -تعالى- توعد القاتل قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} قالوا القاتل مخلد في النار، وقال - عليه الصلاة والسلام -: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فقالوا إن القاتل كافر، وقال - عليه الصلاة والسلام -: لا يزني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فقالوا إن الزاني كافر والسارق كافر وشارب الخمر كافر.
هذه من الفتن، فتنوا بها عن دينهم، كفّروا المسلمين؛ كفروا المسلمين بالمعاصي لأن حصلت لهم فتنة وشبهة شبه، والمخرج من هذه الشبهة هو التفقه في دين الله التبصر، والجمع بين النصوص، والرجوع إلى أهل العلم من الصحابة والتابعين، وما فسروا به النصوص وفهموا به النصوص؛ فالزاني والسارق وشارب الخمر ليس بكافر لكنه ضعيف الإيمان، ليس يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن يعني الإيمان الكامل التي تبرأ به ذمته، لكنه ليس بكافر، لو كان الزاني والسارق كافرا لوجب قتلهم؛ لأن الكافر يقتل ولا ما يرث من أقاربه من المسلمين، السارق يرث ويورث، ليس بكافر لكنه ضعيف الإيمان، فالنصوص يضم بعضها إلى بعض، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)؛ يعني هذا كفر أصغر لا يخرج من الملة.
كذلك أيضا من الشبهات التي حصلت، من الشبه التي افتتن بها بعض الناس عن دينه اعتقاد بعض القدرية أن العبد يخلق أفعال نفسه، قالت القدرية: إن العبد هو الذي يخلق المعاصي والطاعات، الله -تعالى- ما خلق الطاعات ولا المعاصي، الذي يخلقها العبد، قالوا: لو قلنا إن الله يخلق المعاصي ويعذب عليها صار ظالما، لكنهم وقعوا في شر مما فروا منه، وقعوا في القول بأنه يقع في ملك الله ما لا يريد، وأن مشيئة العاصي تغلب مشيئة الله.
والمخرج من هذه الفتنة هو فهم النصوص على فهم السلف الصالح، والنصوص يُضم بعضها إلى بعض، الله -تعالى- بين في كتابه العظيم أنه لا يقع في ملك الله إلا ما يريد، وبين أنه هو الذي خلق كل شيء: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} وهذا عام للذوات والصفات ولكل شيء.
وقابلهم طائفة حصلت لهم فتنة فقالوا: العبد مجبور على أفعاله، ليس له أفعال، كالريشة في الهواء، والأفعال هي أفعال الله، الله هو المصلي والصائم، واستدلوا بالنصوص التي فيها أن الله خلق كل شيء، وأنه لا يقع في ملك الله إلا ما يريد، وأغمضوا أعينهم عن النصوص الأخرى، فالمخرج من هذه الفتنة هو فهم النصوص، وضم النصوص بعضها إلى بعض.
وكذلك أيضا من الفتن التي حصلت لبعض الناس الفتن التي حصلت للرافضة الذين كفروا الصحابة وسبوهم، وقالوا: إنهم كفروا بعد وفاة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وغلَوا في أهل البيت وعبدوهم من دون الله، بسبب شبه و وأحاديث مكذوبة عندهم شبهوا بها على الناس، شبهوا بها، اشتبهت عليهم؛ ففتنوا عن دينهم ووقعوا في تكفير الصحابة.
والمخرج من هذه الفتنة هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، هم لم يرجعوا إلى الكتاب والسنة، وإنما رجعوا إلى أهوائهم وما يذكره لهم رؤساؤهم من الأكاذيب والقصص والأحاديث المكذوبة، وتركوا كتاب الله ورائهم ظهريا، ولو رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لوجدوا أن الله -تعالى- زكى الصحابة وعدلهم ووعدهم بالجنة، قال الله -تعالى-: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} والحسنى هي الجنة كل الصحابة وعدوا بالجنة، قال - سبحانه -: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.