قواعد في فهم صفات الله تعالى
القاعدة الأولى:
- (يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله، نفياً وإثباتاً)
- فنثبت لله ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من غير إلحاد ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ولا تفويض ولا إدخالها في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله لقول الله - تعالى -: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون}.
أولا: فالإلحاد في أسمائه:
أولا: انكار أسمائه أو شيئاً منها.
أ - ممن أنكر كل أسمائه، وقالوا: هي مذكورة على سبيل المجاز، غلاه الجهمية والفلاسفة والقرامطة الباطنية. فراراً من تشبيهه بالموجودات لأن لها مثل بعض هذه الأسماء.
ب - ممن أنكر أغلب الأسماء: المعتزلة، والجهمية المشهورون.
ثانيا: إثبات الاسم، وإنكار ما دل عليه من الصفة أو الصفات؛ فجعلها أسماء جامدة لا معاني لها
ج - ممن ينكر كل الصفات التي دلت عليها الأسماء، غلاه المعتزلة.
د - ممن ينفي وينكر بعض الصفات: المعتزلة والجهمية والأشاعرة والكلابية بتأويل وتحريف
ثالثا: تسمية المخلوقات بما لا يجوز إلا لله - سبحانه -:
- تسمية الرحمن لغير الله.
- أو اسم (الله) - سبحانه - يطلق على غيره.
رابعا: تأنيث أسماء الله واطلاقها على المعبودات:
- الله -> اللات.
- العزيز -> العزى.
- المنان -> مناة.
خامسا: تسمية الله- تبارك وتعالى -بما لم يسم به نفسه:
- كتسمية النصارى له بالأب.
- تسمية الفلاسفة له: العلة الفاعلة.
- إذ أسماء الله - سبحانه - توقيفية.
سادسا: إثباتها مع إثبات صفاتها لكنه يجعلها تدل على التمثيل في دلالتها.
- عليم يدل على علم الله.
- فيقول: فلان عليم: وعلمه كعلم الله - تعالى -.
ثانيا: والإلحاد في آياته:
- حذر الله منه إذ قال - سبحانه - {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا}
- والإلحاد في الآيات بما يلي:
1. الآيات الكونية: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والمطر والنعم؛ -فينسبها إلى غير الله، أو ينسبها إلى الله وإلى غيره مشاركة له، أو ينسبها إلى الله وإلى غيره معيناً له.
{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله، لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير}
2. الآيات الشرعية: كالقرآن العظيم، فيكذب بها أو بمدلولها من الصفات وغيرها. أو يحرفها: فيحرف الصفات وغيرها؛ أو يخالفها: بترك الأوامر أو فعل النواهي، {ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}
ثالثا: التكييف:
* وهو كنه الصفة، وحقيقتها. وصفات الله لها كيفية ولا يعلمها إلا هو. لذلك تفوض الكيفية ونعلم معنى الصفة، لذلك قال السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف أي بلا سؤال عن الكيف.
* الأدلة على عدم تكييف صفات الله - تعالى -:
1. قال - تعالى -{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران. على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، أي ما يعلم تأويل المتشابه، أي حقيقة المتشابه، إذ التأويل من معانيه: هو حقيقة الشيئ فكيفية صفات الله من المتشابه لا يعلمه إلا الله وحده.
2. {ينفق كيف يشاء}.
3. {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها.... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}
4. {ولا تقف ما ليس لك به علم}
5. {لا تدركه الأبصار} أي لا تحيط به، فلا تعرف كيفية الأبصار.
6. {ولا يحيطون به علماً}.
* لذلك قال مالك وربيعة: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب (أي الإيمان بالمعنى) والسؤال عنه بدعة (أي مجهول لنا) فلم ينف الكيف وإنما نفى العلم به.
* إذا سأل المبتدع عن كيفية الصفة، فسأله عن كيفية الذات كما سأل رجل الإمام أحمد فقال: كيف استوى، قال له: قل لي كيف هو أقل لك كيف استوى، فاذا نفى كيفية الذات، فلا حرج في نفي كيفية الصفات.
* إذا قال: القول بالتشابه من بعض الأوجه يقتضي المثلية، إذا التشابه هو المثلية.
- يقال له: هناك فرق بين التشابه والمثلية.
1. فالتشابه: هو الاتفاق من بعض الأوجه لا من كل الأوجه. لذلك قال الله - تعالى -عن الزروع والفاكهة: {والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه}، أي متشابه: يشبه بعضه بعضاً في بعض الأوصاف، غير متشابه: ولا يشبه بعضه بعضاً في بعضها الآخر.
- وقال عن طعام الجنة: {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وأتوا به متشابها} فهو مختلف عنه، ولكن يشبهه من بعض الأوجه.
- وقال عن الآيات المتشابهة {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} أي تشابه من بعض الأوجه، وأختلف (ولم يتناقض) من أوجه أخرى.
- وقال عن القرآن {كتاباً متشابهاً}، أي يشبه بعضه بعضاً فيؤكد صحته ويختلف في بعضه الآخر (ولم يتناقض) لزيادة المعاني والمعرفة.
2. أما المماثلة: فهي المساواة من جميع الأوجه. نقض التأسيس (2/381).
- كما قال - تعالى -: {للذكر مثل حظ الأنثيين} أي مساوٍ لحظ الانثيين، ليس قريباً من حظهما.
- وكما قال - تعالى -{لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه} أي مساو له.
مما يدل على ما سبق: أن الله - تعالى -لما قال عن قول بعض الكفار: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم}.
- إذا قال اليهود: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، وقالت النصارى: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، وقالت العرب مثل قولهم: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية. فتساووا في المطلب، فقال {مثل قولهم}. أما القلوب: فتشابهت من وجه واختلفت من وجه آخر فلم يقل {تماثلت قلوبهم}.
التمثيل: هو المساواة من كل وجه بحيث:
- يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع على الآخر * مثال ذلك: صفة السمع، إذا قلنا سمع الله كسمع المخلوق (- تعالى -الله عن ذلك علوا كبيرا)، فإنه: - يجوز غياب بعض الأصوات عن الله كما تغيب عن بعض المخلوقات (- تعالى -الله عن ذلك).
- يجب أن يكون لسمعه بداية كما يجب ذلك على سمع العبد وتعالى الله عن ذلك.
- ويمتنع فناء سمع العبد أو ضعفه، إذ يمتنع فناء سمع الله - تعالى -.
* الدليل على نفي التمثيل: {ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير}، {ولم يكن له كفوا أحد}، {هل تعلم له سمياً}.
القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء
وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله - تعالى -وأفعاله لا منتهى لها كما أن أقواله لا منتهى لها قال الله - تعالى -: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} (لقمان: 27)
القاعدة الثالثة: صفات الله - تعالى -تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية:
فالثبوتية: ما أثبته الله - تعالى -لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله - تعالى -حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً)(1).
فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته. والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله. وكون محمد - صلى الله عليه وسلم - رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله - عز وجل -.
وأما العقل: فلأن الله - تعالى -أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتي حين يكون الخبر صادراً ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله - عز وجل - فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
وهكذا نقول فيما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - تعالى -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس بربه وأصدقهم خبراً وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بياناً، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
والصفات السلبية: ما نفاها الله - سبحانه - عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب.
فيجب نفيها عن الله - تعالى - لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله - تعالى -عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون كمالاً، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالاً كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصاً، كما في قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة *** ولا يظلمون الناس حبة خردل
وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوى حسب *** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
* مثال ذلك: قوله - تعالى -: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت)(2).
فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
* مثال آخر: قوله - تعالى -: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(3). نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
* مثال ثالث: قوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ)(4). فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته. ولهذا قال بعده: (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً). لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله - تعالى -وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض.
وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.
القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت:
دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر.
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، كما هو معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالباً إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله كما في قوله - تعالى -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(5)، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(6).
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً)(7).
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ)(8). وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ)(9).
القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية:
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، ومنها الصفات الخبرية، كالوجه، واليدين، والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله - تعالى -لم يزل ولا يزال متكلماً. وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله - تعالى -: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(10). وكل صفة تعلقت بمشيئته - تعالى -فإنها تابعة لحكمته. وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا يشاء شيئاً إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله - تعالى -: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشـَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)(11).
القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين: أحدهما: التمثيل. والثاني: التكييف.
فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله - تعالى -مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله - تعالى -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(12). وقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)(13). وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(14). وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(15).
وأما العقل فمن وجوه:
الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تبياناً في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلاً غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهاً في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصاً.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يداً ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(16).
وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله - تعالى -كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله - تعالى -: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(17). وقوله: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(18). ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه - تعالى -أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفواً لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله - عز وجل - فوجب بطلان تكييفها.
وأيضاً فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟
إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك.
وأي كيفية تقدرها لصفات الله - تعالى -فإنك ستكون كاذباً فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديراً بالجنان، أو تقديراً باللسان، أو تحريراً بالبنان.
ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله - تعالى -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(19) كيف استوى؟ أطرق - رحمه الله - برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" وروى عن شيخه ربيعة أيضاً: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول". وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله - تعالى -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(20).
القاعدة السابعة: صفات الله - تعالى -توقيفية لا مجال للعقل فيها.
فلا نثبت لله - تعالى -من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث" "انظر القاعدة الخامسة في الأسماء).
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة كالعزة، والقوة، والرحمة، والبطش، والوجه، واليدين ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك (انظر القاعدة الثالثة في الأسماء).
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها على الترتيب قوله - تعالى -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(21) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا". الحديث(22). وقول الله - تعالى -: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)(23). وقوله: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)(24).