مختصر الأقوال في شد الرحال

عجلان بن محمد العجلان

 

مسألة شدِّ الرِّحالِ لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (( مسألةٌ من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن ))(1).

 

تحرير محل النزاع:

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بلا شد للرحل مشروعةٌ باتفاق أهل العلم إن كانت على الهيئة الشرعية(2).

وأمّا الزيارة مع شد الرحال، فلا تخلو من حالين:

فإما أن تكون بقصد زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره على السواء.

وإما أن تكون بقصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقط.

فالحالة الأولى مشروعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- :(( والمجيب يعني نفسه قد عُرِفت كتبه، وفتاويه مشحونةٌ باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أُحد، ويذكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ))(3).

وأمّا الحالة الثانية:

فهي محل النـزاع بين أهل السنة وخصومهم(4)، وقد اختلف فيها على قولين:

الأول: تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول جمهور أهل العلم.

والثاني: جواز شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قولٌ لبعض أتباع الأئمة الأربعة(5).

وأمّا القول بوجوب أو استحباب السفر لمجرد زيارة قبر النبي r فهو قولٌ حادث لم يَقل به أحدٌ من علماء المسلمين المعتبرين (6).

 

منشأ الخلاف في المسألة:

يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى تقدير المستثنى منه في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ))(7)، وذلك لأن الاستثناء الوارد في الحديث استثناء مفرغٌ لم يُذكر فيه المستثنى منه، ومن هنا اختلفت الأفهام في تقدير المستثنى منه، حيث قدره جماهير أهل العلم أنه عامٌ في جميع البقاع التي تقصد للتقرب والعبادة؛ فيكون التقدير: لا تشد الرحال إلى بقعة لقصد القربة إلا إلى ثلاثة المساجد، فيكون المستثنى منه عاماً في المساجد وغيرها، كالمشاهد والقبور، ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم .

وقدّره البعض بأنه خاصٌ بالمساجد؛ فيكون التقدير: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد لقصد القربة إلا إلى ثلاثة المساجد الواردة في الحديث؛ وعليه فلا يدخل في النهي المشاهد والقبور.

وقد اختار أبو الحسن السُّـبْـكي- صاحب كتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام- التقدير الثاني فقال: ((فاعلم أن هذا الاستثناء مفرّغ، تقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، أو لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة، ولابد من أحد هذين التقديرين، ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه، والتقدير الأول أولى)) .

وقال أيضاً: (( وقد التبس ذلك على بعض الناس فتوهم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في النهي وهو خطأ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه فمعنى الحديث: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى ثلاثة مساجد، وشد الرحال إلى زيارة حي أو ميت ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان )).

وهذان القولان - أعني القول بالتحريم والقول بالجواز - هما القولان المشهوران عن أهل العلم المتقدمين، وأما القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الذي قرره السُّـبْـكي ومن وافقه - ، فهو قول لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين، وإنما قال به بعض المتأخرين(8).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- (( وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحداً من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟))(9).

ويقول أيضاً: (( لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب؛ بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب؛ بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون: فأحد القولين أنّ ذلك جائز لا فضيلة فيه، والآخر أنه ينهى عنه ))(10).

وهذا ما يؤكده ابن عبد الهادي بقوله: (( فدعوى من ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولاً شاذاً مخالفاً لإجماع السلف، مخالفاً لنصوص الرسول ح فكفى بقوله فساداً أن يكون قولاً مُبْتَدعاً في الإسلام مخالفاً للسنة والجماعة لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها))(11).

ولا شك أن القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح لأمور:

أولاً: أن الأدلة الصحيحة جاءت بتحريم ذلك، والتحذير منه، ومنها:

قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ))(12).

ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة بقصد التقرب والعبادة، وإذا كان النهي عن ذلك يتناول المساجد التي هي بيوت الله تعالى وأشرف بقاع الأرض، فكون النهي يتناول القبور والمشاهد من باب أولى(13).

وما ذُكر في أن الاستثناء مفرّغ، وتقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة فلا يشمل ذلك المقابر والمشاهد! غير صحيح إذ أنّ قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) صيغة خبر ومعناه النهي فيكون حراماً، ومن قال بأنه ليس بنهي وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها، فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة؛ بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعاً مخالفاً للإجماع (14).

ويؤيد ذلك ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة - رضي الله عنه - خروجه إلى الطور، وقال له: (( لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى )) (15)فجعل الطور ممّا نُهي عن شد الرحال إليه، وفي ذلك دلالةٌ أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة - رضي الله عنه-.

 

2- قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ))(16).

ووجه الدلالة أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى أن ُيتخذ قبـره عـيداً، والعيد كل ما يعتاد، وشد الرحال لقبره صلى الله عليه وسلم وسيلة لاتخاذه عيداً، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومما يدل على تناوله النهي عن شد الرحال لقبره صلى الله عليه وسلم قوله: (( وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ))(17).

3- قوله صلى الله عليه وسلم : (( قاتل الله اليهودَ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(18).

ووجه الدلالة أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن الصلاة عليها أو إليها وتحري العبادة عندها وشد الرحال إلى القبور يفضي إلى اتخاذها مساجد(19).

4- قول أبي هريرة حين خرج إلى الطُّور، فلقي كعب الأحبار... وذكر حديثاً طويلاً، وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تُعمل المطي إلا لثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هـذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ))(20).

ووجه الدلالة منه أن راوي الحديث فَهِم أنّ الطُّور وأمثاله من مقامات الأنبياء، داخلةٌ في عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يجوز السفر إليها، وقد أقرّه أبو هريرة على فهمه فلم ينكر عليه ذلك، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني (ص135).

(2) الزيارة المشروعة هي التي ندب إليها الشرع الحكيم كزيارة القبور من أجل تذكر الآخرة، والسلام عـلى أهـلـها، والدعاء لهم، وغير ذلك من المقاصد الشرعية، وأما غير المشروعة فهو قصد القبر للدعاء واتخاذه عيداً بالاجتماع عنده، والسفر إليه.

انظر: فتاوى شيخ الإسلام (27/30)، شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور لمرعي الكرمي (ص157)، الرد على شبهات المستعينين بغير الله لابن عيسى(67)، غاية الأماني للألوسي (1/178-183).

(3) انظر: الرد على الإخنائي (ص112-113).

(4) انظر: الرد على الإخنائي (ص 119، 152)، ومجموع الفتاوى (27/342)، والصارم المنكي (ص18).

(5) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبدالبر ( 1/ 454-456)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (1/522-523)، شرح الزرقاني على الموطأ (1/320)، والمجموع شرح المهذب للنووي (8/282) ، وفتح الباري (3/65) ، والمغني للموفق ابن قدامة (3/117)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (7/211)، والشهادة الزكية لمرعي الحنبلي(ص90)، وكشاف القناع للبهوتي (2/1200)، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى لمصطفى الرحيباني (1/931)، الدرر السنية (5/397).

(6) انظر: الرد على الإخنائي (ص118، 167).

(7)أخرجه البخاري كتاب التطوع، فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة, رقم الحديث: (1132), ومسلم كتاب الحج, باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، برقم: (1397)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- به.

(8) انظر: الرد على الإخنائي (ص101، 113، 118)، الصارم المنكي (ص166-167)، الكشف المبدي للفقيه (ص180-181)، تيسير العزيز الحميد (ص242)، فتح المجيد (1/433)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (4/655)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص169-170).

(9) الرد على الإخنائي (ص118).

(10) المصدر السابق (167).

(4) الصارم المنكي (ص 167).

(12) تقدَّم تخريجه.

(13) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/183)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص248، 250)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (4/648).

(14) انظر: مجموع الفتاوى (27/335).

(15) أخرجه الترمذي في أبواب الجمعة باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة برقم: (491) مختصراً دون ذكر الشاهد وأشار إليه بقوله: "وفي الحديث قصة طويلة "، وأخرجه النسائي كتاب الجمعة باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة برقم: (1430)، ومالك في الموطأ كتاب الجمعة باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة برقم: (241)، وأحمد في مسنده برقم: (23899)، والحميدي في مسنده برقم: (944)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/169)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم: (1001), وابن حبان في باب صلاة الجمعة، ذكر البيان بأن في الجمعة ساعة يستجاب فيها برقم: (2772)، من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة س به.

والحديث صحيح، وقد صححه جمع من أهل العلم، منهم الإمام الترمذي حيث قال بعد إخراجه لـه مختصراً "وهذا حديث حسن صحيح" (2/362)، كما صححه الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 449)، والألباني في إرواء الغليل (3/230)، (4/142).

(16) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم: (2042)، وأحمد في المسند برقم: (8790)، والطبراني في الأوسط برقم: (8030)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم: (4162) عن أبي هريرة - رضي الله عنه- به.

وقد حسّن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم فقال: "هذا إسناده حسن فإن رواته كلهم ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه.

قال يحيى بن معين: هو ثقة وحسبك بابن معين موثقاً، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين يعرف حفظه وينكر، فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن". انظر اقتضاء الصراط المستقيم: (1/170)، وقال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص308): " هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة يرتقي بها لدرجة الصحة ".

وممن صحح هذا الحديث العلامة الألباني في الجامع الصغير برقم (13182).

(17) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ( 1/172،176)، والصارم المنكي (ص308)، فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان لمحمود شكري الألوسي (ص468).

(18) أخرجه البخاري كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، برقم: (426)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم الحديث: (530) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- به.

(19) انظر: تحذير الساجد (ص21).

(20)أخرجه الترمذي في أبواب الجمعة باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة برقم: (491) والنسائي كتاب الجمعة باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة برقم: (1430)، ومالك في الموطأ كتاب الجمعة باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة برقم: (241)، وأحمد في مسنده برقم: (23899)، والحميدي في مسنده برقم: (944)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/169)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم: (1001), وابن حبان في باب صلاة الجمعة، ذكر البيان بأن في الجمعة ساعة يستجاب فيها برقم: (2772)، من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - به.

 

http://www.alaqida.net/vb/showthread.php?t=2232