خلاصة منهج السلف وطريقتهم في تفويض الصفات

محمد عبد العليم الدسوقي

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

نواصل - بعون الله - تعالى - الحديث حول صور الإلحاد التي بنى أصحابها عليها مذاهبهم في نفي الصفات وتعطيلها وتكلف البحث عن كنهها وكيفية قيامها به - سبحانه -.

5- معتنقي ومنتهجي طريقة أبي الحسن الأشعري القديمة في زماننا، تلك الطريقة التي فهمها متأخرو الأشاعرة من نحو الرازي والشهرستاني والبيجوري وغيرهم وظنوا على نحو مخطئ أنها طريقة السلف، وقد سبق بيان خطأ هذه الطريقة وخطأ تصور أصحابها لمعتقد السلف الصالح، سواء في ذلك من لم يغال في تعصبه لهذه الطريقة كسائر أهل العلم وطلابهم ممن لم يدركوا بعد صحة ما جاء عن السلف وهؤلاء يمثلون السواد الأعظم من المسلمين..أم من غالى في التعصب للطريقة الخاطئة التي درج عليها الرازي والبيجوري وغيرهما من المتكلمين ومتأخري الأشاعرة ظنّاً منهم أنها طريقة الأشعري، فلم يكتف بنفي ما يوهم التشبيه على حد زعمه، بل راح يتهم أهل السنة المعتقدين لطريقة السلف الصالح بأنهم مجسمة ومشبهة ويكيل لهم السباب والشتائم التي تصل إلى حد الاتهام بالكفر.

6- اللاأدرية وأصحاب التجهيل القائلون بأن نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يدرى ما أراد الله ورسوله منها، ومع مخالفة منهجهم هذا- على ما سبق ذكره- لما كان عليه السلف الصالح، فإنهم ينسبونه إليهم ويدعون- بعد أن يتأولوا الصفات مع اعتقادهم أنها من المتشابه- أنه الأسلم، وفي هذا من التناقض ما لا يخفى.

7- الاتحادية القائلون بوحدة الوجود، وهم طائفة ابن الفارض وابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما ممن أتوا في مصنفاتهم بكفر فاقوا به كفر اليهود القائلين عزير ابن الله، والنصارى القائلين المسيح ابن الله، فإن هؤلاء وأولئك خصوا الحلول بشخص معين، وهؤلاء جعلوا الوجود بأسره على اختلاف أنواعه وتقابل أضداده مما لا يسوغ التلفظ بحكايته هو المعبود، وهذه الطائفة إنما بنت مذهبها على أنه - تعالى -هو عين الوجود، فصفاته هي صفات الله وكلامه هو كلامه، وأداهم لهذا الضلال تعرضهم للبحث عن كنه صفاته - جل وعلا -، فإنهم لما أصلوا أن الله - تعالى -غير مباين لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما، أحدهما: أنه معدوم لا وجود له إلا في الذهن أو في العقل فوجوده وجود عقلي، إذ لو كان موجودًا في الأعيان لكان إما مباينا للعالم أو حالاً فيه، إما داخلاً فيه أو خارجاً عنه، وهذا معلوم بالضرورة فإنه إذا كان قائماً بنفسه فإنه لا يخرج عن أحد هذين الاحتمالين وهما باطلان، ثانيهما: أن يكون هو عين العالم سارياً فيه، فإنه يصح حينئذ أن يقال أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مبايناً له ولا حالاً فيه إذ هو عينه، فرأوا أن هذا الأخير خير من إنكار وجوده أو الحكم عليه بأنه معدوم، ومقتضى ما ارتضوه أن الوجود بأسره هو الحق، بل جميع الأضداد المتقابلة والأشياء المتعارضة، الكل شيء واحد هو في زعمهم معبودهم(1).

8- الحلولية الذين يزعمون أن معبودهم في كل مكان بذاته وينزهونه عن استوائه على عرشه وعلوه على خلقه ولا يصونونه عن أقبح الأماكن وأقذرها، وقد وضح تأثر هؤلاء بكلام الجهمية الذين صرح من تولى كبره منهم لما ناظره السمنية في ربه وحار في ذلك وفكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر، فقال: هو هذا الهواء الذي في كل مكان، وإنما كانوا يتوسلون إلى ذلك بالسلب المحض والتعطيل الصرف كما فهمه منهم أئمة الإسلام، فقد صرح غلاتهم بوجوده - تعالى -لكن لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف ولا داخل العالم ولا خارجاً عنه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ولا مبايناً له ولا حالاً فيه إلى غير ذلك مما هو أدخل في باب التكييف ونفي وجوده - تعالى -بنفي أسمائه وصفاته وأفعاله وحكمته إلى غير ذلك، وهؤلاء لا يزال بلاؤهم حتى الآن يشيع في أذهان بعض الخاصة وفي أوساط العامة من الناس فما تكاد تجلس في مجلس خير إلا وتسمع من يقول (الله موجود في كل مكان)، وقد تسمع آخر يقول: (الله موجود في كل الوجود)، وما درى هؤلاء وأولئك أنهم يقولون بقول جهم وأتباعه الذين ما فهموا من صفات الرب - تعالى -إلا ما يليق بالمخلوقين.

9- أصحاب التخييل: وهم الذين اعتقدوا أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق، إذ ليس في قواهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة المحسوس، قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم ولا خارجه ولا حالاً فيه ولا مبايناً له ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا يساره، لنفرت عقولهم من ذلك ولم تصدق بإمكان هذا الموجود فضلاً عن وجوب وجوده.. ولم يكتفوا بهذا أو يقفوا عند حد السلف في السكوت عما سكتوا عنه حتى ضربوا له - سبحانه - المثل بموجود عظيم جدّاً أكبر من كل موجود وله سرير عظيم وهو مستو على سريره، يسمع ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب ويأتي ويجيء وينزل وله يدان ووجه ويفعل بمشيئة، وقد ساعدهم على هذا المقصد أصحاب التأويل حتى نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية وسائر الصفات الخبرية، لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها، وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضاً لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد في استخراج معانٍ تليق بها، وأولئك حرموا تأويل الصفات وإن اتفقوا مع المؤولة في إبطال حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر(2).

والحق أن ما قالوه وسول لهم به الشيطان هو«تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو - سبحانه - من الأسماء والصفات اللائقة به - جل وعلا -، فإنه إذا قال القائل: (لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك من المحال)، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان.. وهذا نقضٌ لمنهج السلف الصالح وما أجمع عليه الأئمة الماضون من المحدثين والفقهاء والمفسرين واللغويين وغيرهم- والذي ينحصر في أنه - تعالى -فوق عرشه بائن من خلقه وفي أن استواءه - تعالى -على عرشه مختص به، ولا يلزمه شيء من تلك اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام- لا يخفى، ولا زلنا نرى أثر ما روجه المعتزلة وأضرابهم ممن أثبتوا ألفاظ أسمائه - تعالى -دون ما تضمنته من صفات الكمال.

وإنما نشأت هذه الأقوال التي أسلفنا ذكرها، والتي لا يزال - كما ألمحنا - أثرها باقيًا إلى يوم الناس هذا، جراء الزيغ والابتداع واتباع الهوى والتقدم بين يدي الله ورسوله والابتعاد عن منهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ونظير خرم إجماعهم على منهج القرآن في تفصيل ما هو مثبت من صفاته - تعالى -وإجمال ما هو منفي عنه، وقد نبه أئمة العلم إلى مغبة الوقوع فيما يخالف ذلك، كما حذروا من خطورة اتباع الظن وتقديم العقل على النص، ومن ترك التحاكم إلى ما أنزل الله على رسوله من وحي، ومن تحريف للكلم عن مواضعه لاسيما ما تعلق من ذلك بتوحيد الخالق - سبحانه -، فأوضحوا أن أهل الأهواء إذا وجدوا الأدلة على خلاف ما يعتقدون أو يتفق مع هواهم أولوها وصرفوها عن حقيقة معناها كما فعل المعتزلة في الأدلة المخالفة لأصولهم الخمسة وكما فعلت الجهمية في آيات الصفات(3).

ولعلنا نلحظ خطورة التعصب للرأي واتباع الهوى عندما نطالع بعضاً مما آل إليه حال أولئك المبتدعة وما وصلوا إليه من جرأة منقطعة النظير، ونذكر من ذلك ما رواه عبيد الله بن معاذ عن أبيه أنه سمع عمرو بن عبيد (إمام المعتزلة) يقول- وذكر حديث الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك.. الحديث)- «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا»، وفي معرض حديثه عن الصوفية القائلين بوحدة الوجود يحكي شيخ الإسلام ابن تيمية أشياء من هذا القبيل فيقول: «وحدثني الثقة الذي رجع عنهم لما انكشف له أسرارهم، أنه- يعني (التلمساني)- قرأ عليه (فصوص الحكم) لابن عربي، قال: فقلت له: فإذا كان الكل واحداً فلماذا تُحرِّم عليّ ابنتي وتحل لي زوجتي؟ فقال: لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت، الجميع حلال! لكن المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم».

هكذا ندرك إلى أي مدى يمكن أن يصل العدوان السافر والجرأة المتناهية على أحكام الشريعة وعلى رد النصوص الثابتة المحكمة والاعتراض عليها بفعل الهوى واتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، وذلك من دون شك علامة من علامات الفجور والزندقة، تزداد بازدياد الفساد والضلال والبعد عن منهج السلف الصالح.

نسأل الله - تعالى -أن يعصمنا من الزلل ويجنبنا الهوى، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

----------------------------------------

1 - ينظر الصواعق ص 510، ومعارج القبول 1/302، 305.

2 - ينظر الصواعق لابن القيم ص301، 61، 62.

3 - ينظر الاعتصام 1/249ومجموع فتاوى ابن تيمية 16/440.

 

http://www.almenhaj.net/TextSubject.php?linkid=7501