اسرق اسرق حتى يكتشفك الآخرون
نجوى عبد البر
مقولة نطق بها وزير ألماني في عهد أدولف هتلر (اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون)، ولكنني أقولها اليوم وحسب ما أراه حولي من أحداث (اسرق اسرق حتى يكتشفك الآخرون)، السرقة هي السرقة مهما اختلفت أو تنوعت تظل سرقة.
والكلمة أمانة، شأنها شأن كافة الأمانات، وقد أقسم بها الله - سبحانه وتعالى - (نون * والقلم وما يسطرون).
ولذلك حذرت كل الكتب المقدسة من تحريف الكلم أو سرقتها، والجدير بالذكر أن الكتب السماوية أيضا لم تسلم من التحريف والسرقة مثل التوراة والإنجيل وحتى القرآن الكريم يحاولون استنساخه من جديد وبرؤية عصرية تتمشى حسب أهواء البعض.
والكارثة أن السرقة تكون غالبا من كاتب كبير له شأنه في الحياة الثقافية والضحية كاتب زميل له، وهناك أيضاً سرقة الأبحاث العلمية ورسائل الدكتوراه والماجستير، حتى إن بعض الأساتذة يسرقون رسائل التلاميذ، وأيضاً لوحات المشاهير لم تسلم من ذلك مثل بيكاسو ودافنشي، وما فعله مارسيل دو شامب وإعادته رسم الموناليزا؛ وباء خطير ذلك الذي يجتاح الآن كل أوجه وأبجديات الحياة المعاصرة.
والحقيقة أننا كعرب لنا الريادة في كل شيء حتى السرقات الأدبية فقد بدأ الوعي بوجود هذا الداء المعتق العتيق منذ العصر الجاهلي وقد انتبه له البعض عندما أصدر بن طيفور 280هـ كتاب (سرقات الشعراء) خلال القرن الثالث الهجري عن سرقات البحتري من أبي تمام، وتبعه (السرقات) لابن المعتز 296هــ، ثم ابن وكيع 393هـ (المنصف في نقد الشعر وبيان سرقات المتنبي) فأثبت سرقة المتنبي لما يقرب من خمسين شاعر حسب قول المؤلف.
وإن اقتربنا من النثر لن نستطيع حصر ذلك لأنه صعب الاكتشاف، والتاريخ يخبرنا عن عبد الرحمن بن خلدون وتسلله لرسائل إخوان الصفا دون إشارة للمصدر.
وهناك فرق أكيد بين السرقة وبين الاقتباس، لكن المشكلة التي يقع فيها البعض أنه يقتبس دون الإشارة إلى المصدر الأصلي لاقتباسه هذا، فيقترب من منحدر السرقة وإن كانت المحاولة مغلفة بحسن النوايا والله أعلم بما في الصدور.
والاقتباس ليس تزويراً! فنحن أيضاً عندما نستشهد ببعض الآيات القرآنية أو الأحاديث يكون اقتباساً ولكننا نذكر اسم السورة ورقم الآية أو رقم الحديث ومصدره، ولا أرى حرجاً من أن يقوم أصحاب الفكر والأدب باقتباس كل ما هو جيد وممكن من الأفكار لإثراء الساحة الأدبية والثقافية، ولمَ لا؟! فهناك الاقتباس من الأدب الغربي وإخراجه بروح عربية شرقية، والعكس صحيح، والأمثلة كثيرة.
ولكن، الاقتباس بدون إشارة إلى المقتبس منه أو ذكر المصدر، هي سرقة صريحة وواضحة وضوح شمس أغسطس، والسرقة سلوك مشين في حد ذاته وانتهاك لأفكار الآخرين وحقوقهم الفكرية والتعدي عليهم وهو نوع من الغش المنهي عنه.
هناك أيضاً من يحترفون بتر النصوص وصناعتها من جديد، ولكن أعتقد أن ذلك لن يستطيع المضي قدما طويلاً ولن يستطيع ذلك المختلس الإبحار وتبين الصالح من الطالح في عالم الأدب والثقافة والفن وغيره.
أعتقد أن مثل ذلك النموذج من البشر لا ضمير لهم ولا حصيلة فكرية أو ثقافية، بل يجب بتر أصابعه ولا أكون عليهم متجنية أو قاسية الحكم.
ومن السرقات ما هو محمود وما هو مذموم مثل التنافس تماماً، وللسرقة الأدبية فنون أيضا تحدث عنها التاريخ ولعل أبرزها سرقات المتنبي وهو أحد أبرز شعراء العرب، وأبرز لصوص الشعر عبر التاريخ العربي، ولكنه كان يأتي على النص فيجاريه ولا يقترب من ألفاظه وإنما كان يزيد الفكرة أو الصورة الشعرية جمالاً فيتفوق على النص الأصلي ولذلك أدرجت سرقاته ضمن السرقات الأدبية المحمودة.
ولكن، الحسن بن يحيى الآمدى (أبو القاسم) في كتابه (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) في بيان تمحيص ونقد كل منهما وبيان سرقات كل منهما يقول ما مفاده: " إن سرقات المعاني لدى الشعراء ليست بالشيء المشين أو السيئ كلية ولكن قد تكون من النوع المحمود "
وهناك أيضاً خيط رفيع بين الاقتباس وتوارد الأفكار، مثلما حدث مع (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي "دانتي "، وعندما اعتبر البعض أن ما أخذه "دانتي" عن (رسالة الغفران) ما هو إلا توارد أفكار، ولكنها هي السرقة ولكنها غلفت بتوارد الأفكار.
والغريب في الأمر أنهم - وأحياناً البعض منهم - يخترعون سيلاً من التبريرات لفعلتهم هذه، والحق أن ما يأتون به من تبريرات وأسباب واهية لسرقاتهم هذه ما هو إلا عذر أقبح من ذنب.
والمشين في الموضوع، أن معظمهم أسماء لامعة وبعضهم من فئة الكاتب الواعظ الفذ الذي يتقمص دور حامى حمى الوطن والعروبة والأخلاق و الدين.
والمضحك أنك قد تجد النص المسروق وارد من سارق عن سارق..الخ، إلى أن تصل إلى الكاتب الأصلي بعد عمر طويل وتقصي وبحث مضني، فكما تورث العادات والتقاليد أصبحت السرقة تورث أيضاً.
وهناك أيضا ً من الزملاء على الساحة والمعروفة أسماءهم، ممن يسرقون المقالات الأجنبية وترجمتها وعرضها بنصها كما أنزلت (وشر البلية ما يضحك) أن يكون السارق علماً في عالم الأدب والمحافل الدولية بل أحيانا ًحائزاً على أرفع الجوائز الدولية، أو من إحدى العائلات الحاكمة، أو دكتور حامل لأرفع الشهادات العلمية! واللبيب بالإشارة يفهم.
ومن الأمثلة الكثيرة و التي قد أشير إليها على استحياء وقد وجدتها صدفة في موقع ينشر هذه السرقات ويرفقها بكافة الأدلة وبصورة الكاتب السارق، وحقيقة كم أصبت بمزيج من خيبة الأمل والألم والشفقة والنفور معا من هذه الأسماء الكبيرة اللامعة.
مقال مأخوذ عن رسام كاريكاتيري عراقي ونسب إلى الكاتب المختلس، و كاتبة تنشر مقال عن كاتب أجنبي ومن صحيفة أجنبية وتنقل منه فقرات بالنص دون الإشارة إلى الكاتب الأصلي.
صحيح أن الواقعة صححت بعد نشرها، وقام الموقع الناشر بتصحيح الوضع، ورد الحق إلى أصحابه، ولكن يتبقى أن هناك سرقة وسارق ومسروق، ولابد من عقاب رادع.
لا أدري حقيقةً كيف يجرؤ كاتب كبير وله اسمه على هذا العمل المشين والمدمر لتاريخه الأدبي؟؟، إنها اختلاسات وسرقات فكرية، هي بمثابة سرقة دم إنسان، عصارة فكره وخياله الذي أودعهم حروف تنطق بما في نفسه ويجول بخاطره، لا يصح أبداً - لمجرد أنها نشرت في موقع أو جريدة أو في أي مكان - أن يأتي من يستولى عليها، هكذا بجرة قلم.
لا يصح بأي شكل من الأشكال، القيام بهذه الممارسات غير الحضارية وغير الثقافية، والاستهانة بجهد الغير وما يتبع ذلك من استهانة واستخفاف بعقول القراء عندما يقدم لهم فكر مهلهلاً و مسروقاً.
أعتقد أنه قد آن الأوان لكي يكون هناك نوع من التضافر والتعاون والتنسيق بين المؤسسات العلمية والفكرية والثقافية من جهة وبين الإعلام من جهة أخرى، ومعهم مساهمة الجهود الذاتية الأهلية بكل تخصصاتها، ووضع قانون يعمل على حماية الملكية الفكرية ووقاية مقالات ونصوص الكُتاب من السرقة.
بل والأهم من ذلك تفعيل المادة القانونية الرادعة لكل من تسول له نفسه أن ينسب لنفسه ما ليس له، وأيضاً لا يجب إغفال مسئولية المواقع التي تقوم بالنشر إذ لابد وأن يكون هناك ضوابط وطرق تمحيص وتدقيق في نوعية المواد المنشورة ونوعية الكاتب الناشر، ومدى مصداقيته لدى الموقع أو الجريدة.
وأخيرا:
أضع فتوى لجنة الأزهر في اختلاس الأفكار والنصوص، جاء في الفتوى: « تفيد اللجنة بأن الاقتباس بكل أنواعه من كتاب أو مجلة أو مرجع جائز شرعاً، ولا شيء فيه، بشرط أن ينسب إلى مصدره وصاحبه عند الكتابة والتسجيل، ورده إلى مصدره الأصلي، أما النقل من كتاب أو مصدر أو مجلة عند التأليف ونسبة ما كتبه الكاتب، وما نقله عن غيره إلى نفسه فهذا أمر حرمه الشرع والقانون، وهو نوع من السرقة، أما النقل للأفكار وكتابتها وتطويرها وتزويرها بأفكار أخرى وتحديثها فليس في ذلك شيء، وذلك ينطبق على سرقة الأفكار والآراء العلمية والدينية بشرط أنه عند هذا السؤال تنسب الفكرة إلى مخترعها ومبدعها، وذلك لا يشبه في حكمه شرعاً حكم سرقة الأموال والمتاع من قطع اليد وإقامة الحد، وإن كان يجوز في ذلك التقدير إذا كان الحال كما جاء بالسؤال، والله - تعالى -أعلم».
يجب أن يكون هناك ميثاق شرف لأمانة الكلمة، تتبعه أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والإليكترونية خاصة ويكون له من الشفافية ما يكشف أية حروف تتسم بالزيف وموشومة بالوهم.
إنهم بالفعل لصوص الكلمة، وبكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان مختلفة، ولا جدال في ذلك، يسرقون الحبر ولكن يسرقون من قبله الدم والفكر والكرامة والعلم.
هذه النوعية من البشر نموذج صارخ وخير شاهد على الحقبة اللاخلاقية التي نعيش فيها بكل ما فيها من تخلف حضاري وديني وثقافي وقبلهم انحلال أخلاقي.
فمن القادر على حسابهم بل وردعهم؟ من؟ ..
11/12/1428هـ
20/12/2007 م