حزب الله خادم واحد والأسياد كُثر!!

3 صفر 1426هـ الموافق له 13مارس 2005 م

 

إن الخوض في الأزمة اللبنانية هو خوض في بحر متلاطم من علامات الاستفهام، والعلاقات المتشابكة على مدار السنين، بدءاً من الأطراف الدولية اللاعبة والإقليمية النشطة، وانتهاءً بالمحلية التي تمارس أدوارها ليس بمنأى بطبيعة الحال عن هذه الأطراف أو تلك.

وكان حزب الله أحد هذه الأطراف النشطة بقوة في الساحة الداخلية وتمارس دورها كما أكدنا ضمن فاعليات عديدة منها الدولي والإقليمي.

والمثير المدهش في شأن هذا الحزب - الذي يضرب بجذوره في عمق الدولة الفارسية الإيرانية، ويذهب ليشتبك بقوة ويكوّن أحد أدوات اللعب السورية في لبنان والمنطقة - قد أخذ بلب بعض المتحمسين متعجلي النظرة باعتباره أنموذجاً مثالياً للمقاومة الإسلامية, وباعتباره شديد النكاية بالعدو الإسرائيلي, وهو ما لم تستطع الجيوش العربية أن تفعله, ومن ثم يتبوأ حزب الله تلك المكانة التي تحتاج إلى تفصيل وبيان كبيرين قبل تسليم راية المقاومة الإسلامية إليه في ذهن الكثيرين!

ولقد أتت تلك النظرة من خلال اجتزاء الأحداث ورؤيتها من منظور منبت عن سياقها التاريخي, ودونما نظر إلى الخلفيات والأبعاد المحيطة لنشأة هذا الحزب، وحدود الأدوار المنوطة به, وهو ما يجافي ويغالط طبيعة التحليل السياسي بصورته الأكاديمية المعروفة.

وعلى ذلك فقد رأينا أن نقف لنلقي الضوء على قدر من الإشكاليات المتعلقة بهذا الحزب ولا نغوص في الأعماق, كي يتسنى لنا أن نجلي قدراً من الحقائق لا أن نزيدها غموضاً, وهذا الذي نتعرض له يقف عند حدود ثلاثة عناصر:

الأول: نشأة الحزب وعلاقته بإيران.

الثاني: طبيعة الأدوار التبادلية بين الحزب وسوريا.

الثالث: حزب الله وعلاقته بالكيان الصهيوني.

 

نشأة الحزب وعلاقته بإيران:

يقول حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله: 'إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام, والدولة التي تناصر المسلمين والعرب [هكذا..], وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه، ونتواصل معه، كما أن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا'.

وفي أكتوبر من عام 1986 - بعد أربع سنوات من تكوين الحزب - راح قادته يعدون في طهران دستور الجمهورية الإسلامية اللبنانية المقبلة، ومما جاء في هذا الدستور: 'ينبغي تأليف حكومة إسلامية في لبنان كشرط لازم لوضع حدٍ للحرب الداخلية فيه'، وهنا ينتبه إلى أن الخميني هو المرجع بطبيعة الحال لهذه الدولة، وهو عندهم ظل الله في الأرض كلها، هذه - باختصار شديد - طبيعة العلاقة التي تحكم الحزب بإيران, فهي تدور على عدة محاور:

1ـ الحزب يرى في إيران الدولة الأنموذج للإسلام.

2ـ علاقة التعاون والصداقة هي العلاقة السائدة والمستمرة بين الطرفين.

3ـ يستمد الحزب شرعيته وغطاءه الديني من النظام الإيراني.

أضف إلى ذلك 'السخاء' المادي الذي تبديه إيران مع الحزب, حيث يُقدر دخـل الحزب من إيران عام 1990م بثلاثة ملايين دولار ونصف المليون, وخمسين مليون عام 1991م، وقُدِّر بمائة وعشرين مليوناً في 1992م، ومائة وستين في 1993م.

وتشير بعض المصادر إلى ارتفاع ميزانية 'حزب الله' في عهد رفسنجاني إلى 280 مليون دولار.

هذه المقدمة تبرز التساؤل المهم: لمن يعمل حزب الله 'اللبناني', وهو الذي يستمد شرعيته ونهجه وأمواله من إيران؟!

والسؤال الذي ينافس هذا في مضمار الأهمية: ما الذي يبغيه النظام الإيراني من حزب الله اللبناني؟!

والوقوف على إجابة السؤالين تدعونا إلى التعرض لسياق تاريخي يبرز بجلاء ما لعبته إيران من أدوار لجمع كلمة الشيعة في لبنان بغيه تحقيق أهدافها.

فلقد مثلت المدارس الدينية في قم بإيران دوراً بارزاً في هذا المجال, حيث شكلت نقطة الالتقاء، وأرست شبكة من الولاءات السياسية بين القيادات الدينية الشيعية في كل من إيران والعراق ولبنان, بهدف إقامة كيان شيعي يضم البلاد الثلاثة.

وكانت الحالة اللبنانية هي الحلقة الأضعف في بناء 'الدولة الشيعية الكبرى', وكانت الفرصة مواتية عقب وفاة المرجعية العلمية لشيعة لبنان عبد الحسين شرف الدين [1958م], حيث طلب آل شرف الدين أحد أقربائهم المجيء إلى صور لخلافة عبد الحسين في هذه المرجعية؛ حيث إنه قد نص على شخص محدد لخلافته، وكان جد هذا القادم هو عبدالحسين العاملي من بين مجموعة من علماء جبل عامل الذين التحقوا ببلاط الدولة الصفوية ليساعدوها في ترسيخ المذهب الشيعي في إيران, كما كان والده أحد الآيات الكبار في إيران.

ولد هذا المرجع في قم بإيران عام 1928م، وتخرج من جامعة طهران كلية الحقوق والاقتصاد والسياسة، وبالرغم من ذلك فقد حصل على لقب 'الإمام'، كان هذا الرجل هو موسى الصدر والذي تربطه صلة مصاهرة مع الخميني.

وكانت شخصية الصدر وبداياته ودوره وتحالفاته مثار كثير من التساؤلات؛ إذ أحاطها الغموض الشديد، وعلامات الاستفهام الكثيرة, وهو ما لفت نظر بعض المرجعيات الشيعية, والتي عبرت عن ذلك بقولها: إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان وفي الخارج.

انضوى إلى الصدر وإلى حركته معظم العلماء الشيعة اللبنانيين, واتخذ لإجلاء صورة الطائفية الشيعية وترسيخها أمرين مهمين:

الأول: تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:

وسعى الصدر من خلاله إلى الانفصال التام بالشيعة باعتبارها طائفة مستقلة عن المسلمين السنة في لبنان، حيث كان للجميع مفتٍ واحد، ودار فتـوى واحدة، وكان المفـتي وقتـها هو الشيخ حسن خالد - رحمه الله -, وادعى الشيعة أن الشيخ حسن خالد رفض التوصل إلى عمل مشترك معهم.

كانت الفكرة المبيتة بليل هي إنشاء 'المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى' عام 1966م، ووافق مجلس النواب اللبناني على إنشائه، واختير الصدر رئيساً للمجلس، وبهذا أصبحت الشيعة طائفة معترفاً بها رسمياً في لبنان كالسنة والموارنة.

وأصبح هذا المجلس المرجعية السياسية والدينية الجديدة التي تهتم بكل ما يتعلق بالشيعة اللبنانيين، وبجميع شؤون حياتهم ومماتهم، وتحولت المرجعية بهذا المجلس من مرجعية فردية إلى مرجعية مؤسسية.

 

الثاني: تأسيس حركة المحرومين:

وأخذت هذه الحركة بالسمة الاجتماعية، والمناداة بتحسين أحوال الشيعة في لبنان، وخاصة سكان الجنوب، ووضع لها الصدر شعارات براقة، وكان لشعار 'الحرمان' دوراً جامعاً؛ في تجميع فئات الشيعة وصهرها في بوتقة خرج من عباءتها عقب ذلك حزب الله.

ونختم هذه الفقرة بما أجاب به أحد قادة الحزب وهو إبراهيم الأمين حينما سئل: أنتم جزء من إيران؟ فكان رده: 'نحن لا نقول: إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران'.

يمكن القول إذن: إن حزب الله 'صناعة إيرانية' صرفة, وما حاد الحزب قيد أنملة عن خدمة هذا السيد, حيث يدين له بالنشأة والتمويل.

 

طبيعة الأدوار التبادلية بين الحزب وسوريا:

فهم طبيعة هذه الأدوار يقتضي منا الوقوف على ما بين إيران وسوريا من قواسم ومصالح مشتركة عبرت عن نفسها مؤخراً في إعلان مشترك بين البلدين يشير إلى أن الاعتداء على سوريا هو بمثابة اعتداء على إيران والعكس, وأن إيران تقف مع سوريا إزاء الضغوط التي تتعرض لها لإجبارها على الانسحاب من لبنان.

نقول: إنه منذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام 1979م اعتبر الأسد مصادقته شيئاً استراتيجياً تقتضيه مصالحه العليا, فأوفد وزير خارجيته في ذلك الوقت عبد الحليم خدام إلى طهران فـي أغسطس سنة 1979م، وأعلن أن الثورة الإيرانية هي 'أعظم حــدث في تاريخنا المعاصر'، وافتخر بأن سوريا قد دعمتها 'قبل قيامها، وأثناء اندلاعها، وبعد انتصارها'، وتناغمت ثورة الخميني مع هذا العزف السوري, حيث كان لكل طرف منهما عدة دوافع تسوقه لكي يوثق التحالف مع الآخر، وقد تشعبت هذه العوامل, ويمكن بيانها كالتالي:

أولاً: بالنسبة لسوريا:

يمكننا أن نجمل العوامل التي دفعت سوريا إلى احتضان الثورة الإيرانية والتهليل لقدومها في النقاط الآتية:

ـ  قدر أن يكون توقيت الثورة الإيرانية متزامناً مع إحساس سوريا بالعـزلة، وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد 'إسرائيل'، وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979م, وعلى ذلك وجدت في تحالفها مع إيران عوضاً عن خسارتها لمصر.

ـ وكانت سوريا قلقة أيضاً لكون مصر سوف تجر في أعقابها أطرافاً عربية أساسية أخرى بما في ذلك الأردن, ما يؤدي إلى زيادة عزلتها، وإضعاف موقعها إزاء 'إسرائيل'.

ـ رغبة النظام السوري في حليف قوي داعم في مواجهة القوة المتنامية في العراق شكّل حافزاً إضافياً لسوريا للاندفاع بقوة نحو إيران.

ـ المعرفة المسبقة للنظام السوري بمدى التغلغل الإيراني في لبنان الذي شكّل عمقاً استراتيجياً لسوريا, ومن ثم كان الحرص السوري على مد الجسور مع شيعة لبنان، وحصوله على فتوى من موسى الصدر - تلميذ الخميني - بانتماء 'الحركة العلوية النصيرية' للمذهب الإمامي الشيعي, وهو ما يعنى قدراً من الشراكة المذهبية مع إيران من ناحية، ومع شيعة لبنان من الطرف الآخر.

 

ثانياً: بالنسبة إلي إيران:

تأتي اهـتمامات إيران بالتحالف ومد جسور التعاون مع سوريا متمثلة في عدد من النقاط:

ـ كانت إيران في حاجة إلى حليف يعتمد عليه بسبب رغبتها في الحفاظ على موطئ قدم مهم في المعسكر العربي يمهد ويفتح الطريق لتصدير الثورة.

- الحفاظ على علاقات جيدة مع سوريا قد منح إيران فائدة أخرى تمثلت في زيادة الضغوط على النظام العراقي.

ـ رغبة إيران في إحداث تحالف وتعاون مع النظام السوري يهيئ لها وضعاً مناسباً في لبنان بدلاً من فتح جبهة للصراع, لا سيما وأن قواسم مشتركة، ومصالح مجتمعة يمكن أن تلتقي عندها إرادتهما في هذا البلد.

ـ وعلى الصعـيـد الدولي كانت روابط سوريا الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قادرة على منح إيران القنطرة المناسبة للوصول إلى القوة العظمى الأخطر على حدودها المباشرة.

فإيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحـفـاظ على علاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

 

الحزب الخادم لكل الأطراف:

هذا الحلف الإيراني السوري وجد في لبنان - وفي حزب الله تحديداً - المطبخ المناسب لعقد الصفقات والاتفاقيات, ولم يكن لدى لحزب ما يعترض عليه, فقد أعد نفسه ليكون 'وكيلاً' لكل الأطراف الموائمة والمناسبة لتوجهاته, وليس أفضل من سوريا - صاحبة النفوذ القوى، والماسكة بزمام الأمور في لبنان -، وإيران - المرجعية والممولة بسخاء - ليكون وكيلاً لهما, أو قل مطبخاً مناسباً لعقد صفقاتهما.

فهذا وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في محادثات مع نظيره السوري فاروق الشرع يقـول: إن مصير إيران وسوريا ولبنان في مجال السياسات التي يتخذها البلدان الثلاثة مترابط بعضهم مع بعض.

ومن خلال المنطلق ذاته، يصرح السفير السوري وليد المعلم بأن حزب الله حركة مقاومة وطنية، ولن تكون عقبة فـي طريق السلام لأنه يلبي المصالح السورية واللبنانية، وإن قيادة الحزب تدرك بأن أي اتفاق مقبول من سوريا ولبنان يكون ملزماً لها.

فكان من الطبيعي والحال كذلك أن يكون 'حزب الله' ورقة من بين عدة أوراق تحتفظ بها سوريا لتناوش بها وتدفع عن نفسها.

 

هل إسرائيل أكثر أمناً بوجود حزب الله؟

استطاع حزب الله أن يحيط نفسه بهالة إعلامية ضخمة أبرزته كمحرر للأمة من رجس الصهاينة، وأنه إن تمكن من طردهم من أرض لبنان، فعما قليل ذاهب إلى الأقصى يحرره.

هذه الهالة الإعلامية تتصادم مع كثير من المعطيات الواقعية على الأرض من جهة الأثر الفعلي للحزب قي مقاومة العدو الصهيوني [ما هي عمليات المقاومة التي قام بها الحزب ضد 'إسرائيل' منذ انسحابها إلى مزارع شبعا؟], ودوره في إعاقة المقاومة السنية التي لا يأتي لها ذكر بالمرة في الآلة الإعلامية الخاصة بحزب الله, يقول الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام حزب الله، والذي صرح في حديث مع قناة الجزيرة الفضائية بقوله: 'إن حدود فلسطين مع لبنان أكثر أمناً من الحدود الفلسطينية المصرية، والحدود الأردنية الفلسطينية، والحدود السورية الفلسطينية, وهذا ما يشكر عليه الأمريكيون حزب الله'.

وقال: 'الإسرائيليون انتزعوا ما عرف بتفاهم نيسان [أبريل]، والذي أكد من خلاله الحزب الامتناع عن ضرب الأهداف الإسرائيلية في فلسطين, وبات الحزب يقاوم داخل الأرض اللبنانية فقط, فإذا هناك جنود إسرائيليون في لبنان هو له حق أن يقاتلهم, وليس له حق أن يقاتل داخل فلسطين, يعني موضوع تحرير فلسطين وما شابه ذلك موضوع شُطب من خريطة الحزب'.

وعبر عن طبيعة المشكلة الحادثة بحراسة الحزب للحدود بقوله: 'لو أن غير شباب حزب الله على الحدود لكان الأمر مختلفاً، كان كثير من الناس يستطيعون اختراق الحدود، والقيام بعمليات ضد العدو الإسرائيلي, لكن الحزب بما لديه من كفاءة ومن إمكانيات هو الأقدر على الحماية, وهنا المصيبة، وهنا الكارثة، نحن نحمي لهم الحدود ونحرسها'.

من هنا فنحن نستطيع بلورة دور حزب الله في الدور والشأن اللبناني، والمصلحة اللبنانية الشيعية فقط.

وقد يكون صواباً أن الحزب يقوم بعمليات ضد الاحتلال, ولكنها في النهاية تأتي خدمة لهذا الطرف أو ذاك, ولا تمارس في إطار وجوب منابذة العدو وطرده من ديار المسلمين، فالممارسات التي تحكم الحزب هي ممارسات سياسية بالدرجة الأولى، تحكمها المصالح السياسية ولا يحكمها فكر المقاومة بالمعنى المتكامل.

وحسبنا أن نكون قد ألقينا الضوء على واحدة من معضلات الحالة اللبنانية وأكثرها تأثيراً ونفوذاً, فإنه بالفعل حزب واحد, ولكن أسياده كُثُر.

المصدر         :             http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=350