المهدي المنتظر حقيقته، وصفه، وقت خروجه

 

 من دلائل إيمان العبد بالله - سبحانه وتعالى-: إيمانُه بالغيب الذي جاء به الوحي من عند الله - تعالى -، ومن عند رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كان إيمانُ العبدِ بالغيب أقوى كان إيمانُه بالله - تعالى - أكمل. وجميع ما جاء في الوحي من المغيبات فهو واقع لا محالة، وإن أنكر ذلك من أنكره من عُبَّاد العقول، ومنكري الغيب.

ومما جاء به الوحي ما يقع في آخر الزمان من الحوادث العظمى، وعلامات الساعة الكبرى، من ظهور الدجال، ونزول عيسى - عليه السلام - وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها.. وقبل ذلك كله: خروجُ المهدي، ومبايعةُ المؤمنين له، وحربه على الكفر وأهله، وصلاته بعيسى بن مريم - عليه السلام -.

وقد تواترت الأحاديث بخروج المهدي في آخر الزمان؛ كما قال الحافظ أبو الحسن الآبري: "قد تواترت الأخبار، واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى - عليه السلام - يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه" (1).

 

كما جزم بتواتر أحاديث المهدي البرزنجي في: الإشاعة (87)، والسفاريني في: لوائح الأنوار البهية (2-80)، والشوكاني في كتابه: التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح، كما نقله عنه القنوجي في كتابه: الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة (114)، وذكر تواترها أيضاً القنوجي في: الإذاعة (112)، والكتاني في: نظم المتناثر من الحديث المتواتر (229)، فكل هؤلاء الحفاظ وغيرهم جزموا بتواتر الأحاديث الواردة في شأن المهدي المنتظر حتى قال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة".

وقد بينت السنة النبوية اسمه، ووصفه، ونسبه، ووصف الحال التي تكون عند خروجه، وماذا يعمل، وكم يبقى في الأرض؟!

 

اسم المهدي ونسبه ووصفه:

اسم المهدي محمد بن عبد الله، أو أحمد بن عبد الله الهاشمي كما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذهبُ أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" (2).

وهو من نسل فاطمة بنت محمد - رضي الله عنها -، كما في حديث أم سلمة - رضي الله عنها -، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقول: "المهدي من عترتي من ولد فاطمة" (3).

وبالتحديد من ولد الحسن بن علي - رضي الله عنهما -، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وفي كونه من ولد الحسن سرٌ لطيف، وهو أن الحسن - رضي الله تعالى عنه - ترك الخلافة لله؛ فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق.. وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه" (4).

وقد جاء في حديث عند أبي داود في سننه (4290) أن علياً - رضي الله عنه - نظر إلى ابنه الحسن وذكر أن المهدي سيكون من ولده؛ ولكن الحديث منقطع لأنه من رواية أبي إسحاق السبيعي عن علي  - رضي الله عنه - ولا تثبت له رواية عنه، فهو رآه ولم يرو عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - تعالى - تعليقاً على هذا الحديث بعد أن ذكره: "وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حَسَني لا حُسيني؛ لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق وإن لم يكونا نبيين؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -يقول لهما: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" ويقول: "إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق" (رواه البخاري: 3371) وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو يخطب على المنبر والحسن معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (رواه البخاري: 2704). فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبّق أمره مشارق الأرض ومغاربها كان من ذرية إسماعيل فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر الخلفاء يكون من ذرية الحسن" ا ه. (5).

وأما صفته فجاءت في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف... " (6).

يكون من سائر الناس، فيصلحه الله - تعالى - فجأة إذا أذن بخروجه، كما جاء في حديث علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المهدي منَّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" (7).

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "أي: يتوب عليه ويفقهه ويلهمه رشده بعد أن لم يكن كذلك"(8).

وأما حال الأرض وقت خروجه فمليئة ظلماً وجَوْرًا، ومهمته: إقامة العدل، ورفع الظلم؛ كما جاء في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرضُ ظلماً وعدواناً قال ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً" (9).

وجاء في وصفه أنه كريم يحثو المال، ولا يعده عدًا؛ كما في حديث جابر - رضي الله عنه - قال: "يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَلِ العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مُدْيٌ، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَلِ الروم، ثم سكت هنيّة ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا، ولا يعده عدًا" (10).

يحكم في الناس سبع سنين، تعم الخيرات فيها أرجاء الأرض، وتكثر البركات، ويعز الله الإسلام، كما في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: "يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثرُ الماشية، وتعظمُ الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً، يعني: حججاً" رواه الحاكم، وفي لفظ لابن أبي شيبة: "وتعيش أمتي في زمانه عيشًا لم تعشه قبل ذلك"(11).

 

وقت خروجه وأعماله:

يكون ظهور المهدي قبيل خروج الدجال، ونزول عيسى - عليه السلام -، وإذا نزل عيسى - عليه السلام - لقتل الدجال صلى خلف المهدي، ثم يقود عيسى المهدي ومن معه من المسلمين لقتل الدجال؛ كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريم فيكم، وإمامكم منكم" (12).

وفي مسند الإمام أحمد: "فإذا هم بعيسى بن مريم فتقام الصلاةُ فيُقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فيصل بكم"(13)، وهذا الإمام الذي يصلي بهم هو المهدي؛ كما جاء صريحًا في حديث جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ينزلُ عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال فصل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أميرُ بعض؛ تكرمة منه لهذه الأمة" (14).

ويكون خروجه عقب فتنة تمحص الناس، وتميز خبيثهم من طيبهم، وتظهر مؤمنهم من منافقهم؛ كما جاء في حديث علي موقوفًا: "ستكون فتنةٌ يُحصَّل الناسُ منها كما يُحصّل الذهبُ في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، وسبُّوا ظلمتهم؛ فإن فيهم الأبدال، وسيرسل الله عليهم سَيْبًا أي عطاءً من السماء فيفرقهم حتى لو قاتلتهم الثعالبُ غلبتهم، ثم يبعث الله عند ذلك رجلاً من عترة الرسول - صلى الله عليه وسلم -في اثني عشر ألفًا إن قلَّوا، وخمسة عشر ألفًا إن كثروا، أمارتهم أو علامتهم: أمِتْ أمِتْ، على ثلاث رايات، يقاتلهم أهل سبع رايات، ليس من صاحب راية إلا وهو يطمح بالملك، فيقتتلون ويُهزمون، ثم يظهر الهاشمي فيردَّ الله إلى الناس إلفتهم ونعمتهم، فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال" (15).

وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفاً: "لا تمضي الأيام والليالي حتى يلي منا أهل البيت فتيً لم تُلْبسه الفتن ولم يُلْبسها. قال: قلنا: يا عباس، يعجز عنها مشيختكم وينالها شبانكم؟! قال: هو أمر الله يؤتيه من يشاء".

وفي رواية "كما فتح الله هذا الأمر بنا فأرجو أن يختمه الله بنا" (16).

 

الواجب على من أدرك المهدى:

من أدرك زمان المهدي فإنه مأمور أن يبايعه ولو لحقه من هذه المبايعة مشقة وعنت وأذى؛ كما جاء ذلك في حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يُقتله قوم" ثم ذكر شيئًا لا أحفظه فقال: "فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي" (17).

وقد جاءت أحاديث أخرى بأوصاف أخرى لكنها ليست ثابتة، وهو خارج لا محالة حتى ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ كما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي".

 

مواقف الناس من الاعتقاد في المهدي:

وقف الناسُ في قضية المهدي، وما ورد فيه من أحاديث ثلاثة مواقف:

الموقف الأول: موقف قوم قبلوا فيه الضعيف والموضوع من الأحاديث؛ بل ووضعوا أحاديث من عند أنفسهم، ونزّلوها على أشخاص من أشياخهم، فاعتقدوا فيهم المهدوية؛ فأخطأوا في ذلك، وأضلوا العامة. وما من فرقة من الفرق التي ضلَّت في هذا الباب إلاَّ وفيها أدعياء ادعوا لأنفسهم المهدوية، ولبسّوا على الناس وأضلوهم. وبعض الفرق الضالة عطلوا الشعائر العظيمة كالحج والجهاد وغيرها بحجة أنها لا تصح إلا خلف المهدي.

 

وممن ادعى المهدوية:

1 المختار ابن أبي عبيد الثقفي، وكان ناصبيًا خبيثًا، وادعى المهدوية في محمد بن الحنفية الذي تبرأ منه ومن أكاذيبه، وكان المختار يتعاطى الكهانة، ويدعي نزول الوحي عليه(18).

2 الجارودية من فرق الزيدية: وهم أتباع أبي الجارود زياد بن أبي زياد الهمذاني الكوفي الرافضي، وهم ينتظرون خروج محمد بن عبد الله النفس الزكية الناسك الزاهد؛ إذ إنه اختفى مع أخيه إبراهيم خوفاً من المنصور العباسي، وقد تلقب بالمهدي، وهجم على المدينة فاستولى عليها، وبايعه أهل المدينة، قال ابن كثير: "تلقب بالمهدي طمعاً في أن يكون المذكور في الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا ما تمناه فإنَّا لله"(19).

فأرسل إليه المنصور جيشًا فهزمه وقتله في رمضان عام 145ه، فطائفة من الجارودية ينتظرون خروجه مرة أخرى، كما ينتظره طائفة المحمدية من الإمامية، والمغيرية من الرافضة، ويعتقدون أنه حي مقيم في الجبال، وأنه سيخرج في آخر الزمان.

3 الكاملية من الإمامية: وينتظرون رجعة علي - رضي الله عنه -(20).

4 الباقرية من الإمامية: وينتظرون محمد بن علي بن الحسين المكنى بأبي جعفر الباقر(21).

5 الإسماعيلية: فإن طائفة منهم ينتظرون إسماعيل بن جعفر بن محمد(22)، وطائفة أخرى من الإسماعيلية يجعلون المهدوية في ابن إسماعيل المذكور سابقاً محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد(23)، وكذلك القرامطة أتباع حمدان أو الفرج ابن عثمان المعروف بقرمط وهم أيضًا ينتظرون محمد بن إسماعيل بن جعفر(24).

6 الإمامية الإثنا عشرية: وهم جمهور الشيعة، وينتظرون محمد بن الحسن العسكري، ويزعمون أنه اختفى في سرداب في سامراء(25).

7 العبيديون الباطنيون أتباع عبد الله بن ميمون القداح: ادعى أنه هو المهدي المنتظر(26).

وقد ادعى المهدوية أناس كثيرون منهم: الحارث بن سريج عام 116ه المقتول سنة 128ه، ومحمد بن عبد الله بن تومرت المغربي وادعى المهدوية في رمضان 515ه في خطبة خطب بها الناس فبايعوه ومات سنة 524ه، والخليفة العباسي المهدي المتوفى سنة 169ه.

قال شيخ الإسلام: "لما كان الحديث المعروف عند السلف والخلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال في المهدي: "يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي" صار يطمع كثير من الناس في أن يكون هو المهدي حتى سمى المنصور ابنه محمدًا، ولقبه بالمهدي، مواطأة اسمه باسمه، واسم أبيه باسم أبيه، ولم يكن هو الموعود به"(27).

وقبل أربع وعشرين سنة، أي: رأس هذا القرن الهجري ادعى المهدوية محمد بن عبد الله القحطاني، واعتصم بالحرم المكي مع جماعة يرأسها جهيمان العتيبي، ولم يكون هو الموعود به.

وبعض من ادعوا المهدوية تعاطوا السحر والكهانة والعرافة؛ وذلك لإيهام العامة بأن ما يجري على أيديهم من السحر هو من كرامات المهدوية؛ فضلوا وأضلوا، وأكلوا أموال الناس بالباطل، وأفسدوا عقائدهم، واستعبدوهم لأنفسهم.

ومضى في التاريخ رجال كان فيهم صلاح وخير ظنوا في أنفسهم المهدوية، فمنهم من كتمها فلم يضرَّ الناس شيئًا، ومنهم من أظهرها وادَّعاها إمَّا بمنامات أو ظنون أو أوهام؛ فجرّوا على الأمة وبالاً عظيمًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وأعرف في زماننا غير واحد من المشايخ الذين فيهم زهد وعبادة يظن كل منهم أنه المهدي، وربما يُخاطَب أحدهم بذلك مرات، ويكون المخاطب له بذلك شيطان وهو يظن أنه خطاب من الله، ويكون أحدهم اسمه أحمد بن إبراهيم فيقال: محمد وأحمد سواء، وإبراهيم الخليل هو جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبوك إبراهيم فقد واطأ اسمك اسمه، واسم أبيك اسم أبيه"(28).

الموقف الثاني: لكثرة من ادعوا المهدوية حتى إنهم فاقوا من ادعوا النبوة في عددهم فإن فريقاً من المسلمين أنكروا حقيقة المهدي، وردوا أحاديثه الصحيحة؛ لأنهم رأوا أن فكرة المهدوية قد جعلت كثيرًا من الناس يدعونها، ويُضلِون بها العامة.

ولا شك في أن هؤلاء أخطأوا، وجازفوا برد نصوص صحيحة صريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا فيه من الخطر على عقيدة المسلم ما فيه، والله - تعالى - يقول: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" "النور: 63"، فليس من حق أحد أن يرفض شيئاً جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -بسبب فئة من الناس فهموه خطأ، وهل هؤلاء سينكرون النبوات بحجة أن فريقًا من الناس قد ادعوا النبوة!

ثم إن من هؤلاء المنكرين للمهدوية غلاة يدعون العقلانية، قد أنكروا المهدي والدجال ونزول المسيح ابن مريم - عليه السلام -؛ إنكارًا للغيب، وعدم إيمان إلا بالمحسوسات والمشاهدات، ومن أنكر الغيب كفر.

وممن أنكروا المهدي، وردوا أحاديثه: المؤرخ ابن خلدون فقد ضعف أحاديث المهدي في تاريخه (1-574 575)، وتبعه على ذلك كثير من الكتاب؛ لأنهم يراجعون كتب ابن خلدون فيما يتعلق بالعمران والدول والحضارات والتاريخ، فأخذ كثير منهم فكرة الإنكار عنه.

وأنكر المهدي أيضاً: محمد رشيد رضا في تفسير المنار (9- 501 504)، والشيخ المحمود قاضي قطر سابقاً؛ مضعفًا لأحاديثه.

 

أقسام من أنكروا المهدي:

الملاحظ أن من أنكروا المهدي على أقسام ثلاثة:

القسم الأول: ضعفوا أحاديثه كما فعل ابن خلدون وكذا المحمود قاضي قطر، واحتجوا بأن أحاديثه لم تخرج في الصحيحين، وأنها لا تخلو من مقال.

القسم الثاني: ليس لهم أي علم بالحديث وأسانيده؛ لكنهم أنكروا المهدي فرارًا من التشبه بالرافضة، وزعمًا أن إثباته يؤكد معتقد الرافضة في غيبة مهديهم؛ كما هو صنيع محمد رشيد رضا، وأحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام"، والمؤرخ محمد بن عبد الله عنان في كتابه "تراجم إسلامية"، ويذكر هؤلاء أن سبب اختراع المهدوية سياسي، وأنه كان بسبب ذهاب الخلافة من آل البيت إلى الأمويين، فاخترع آل البيت ومن ادعوا مشايعتهم فكرة المهدوية؛ وذلك لاسترجاع الخلافة، أو أن مخترعيها قصدوا منها جمع الناس على كلمة سواء تتلخص في الولاء لآل البيت.

وهذا المسلك خطير جدًا، وفيه اتهام للصالحين من آل البيت ولا سيما الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي وهم من آل البيت مثل: علي وابن عباس - رضي الله عنهم -، على أن كثيرًا من أحاديث المهدي رواتها من غير آل البيت فبطلت حجتهم، وخطورة هذا المسلك في كونه يطعن في بعض الصحابة، ولا شك في أن الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - طعن في الدين؛ لأنهم حملته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونقلته إلينا، ثم إن من طعن فيهم فقد خالف صريح القرآن؛ إذ إن عدالتهم منصوص عليها فيه في أكثر من آية.

فإن زعموا أن من وضع أحاديثه من آل البيت كانوا بعد عصر الصحابة. فجواب ذلك: أن من جاءوا بعد عصر الصحابة من آل البيت إما أن يكونوا ثقاتاً صالحين، فاتهامهم بوضع الحديث اتهام باطل لا موجب له، ويلزم منه رد أحاديث صحيحة بمجرد الهوى والظن. وإن كانوا غير صالحين ففيه اتهام لأئمة الحديث الذين نقلوا أحاديثه وصححوها بقبول أحاديث من لا يقبل حديثه؛ وفي ذلك إسقاط للسنة كلها، ويلزم منه رد أحاديث أخرى في غير المهدي أسانيدها مثل أسانيد حديثه أو أقل منها وهذا باطل، على أنه وردت أحاديث في شأن المهدي ليس في أسانيدها أحد من آل البيت فبطلت هذه الحجة.

القسم الثالث: ليس لهم علم بالأحاديث وأسانيدها؛ لكنهم ظنوا أن فكرة المهدي مأخوذة من أهل الكتاب، وبعضهم بالغ فأنكر الدجال ونزول المسيح عيسى ابن مريم بحجة أن هذه العقائد موجودة عند اليهود والنصارى، ويحتمل أن المسلمين أخذوها عنهم؛ كما قال محمد محي الدين عبد الحميد: "يرى بعض الباحثين أن كل ما ورد عن المهدي وعن الدجال من الإسرائيليات"(29).

وقال رشيد رضا بعد أن طعن في كثير من أحاديث المهدي من جهة الإسناد: "وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون له أكثر، والشبهة فيه أظهر؛ ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما، وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية؛ إذ تصدى كثير من محبي الملك والسلطان، ومن أدعياء الولاية وأولياء الشيطان لدعوى المهدوية في الشرق والغرب... " وقال أيضاً: "وإذا تذكرت مع هذا أن أحاديث الفتن والساعة عامة، وأحاديث المهدي خاصة، كانت مهب رياح الأهواء والبدع، وميدان فرسان الأحزاب والشيع".

وقد استمات في رد هذه الأحاديث ولم يستقص كل ما ورد في المهدي من أحاديث، وإنما نقل بعضاً منها ورده، وقبل ذلك رد حديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي خرّجه مسلم في صحيحه، وقبل ذلك ألمح إلى رد كل ما جاء في الفتن. فقال: "واعلم أيها المسلم الذي يجب أن يكون على بصيرة من دينه أن في روايات الفتن وأشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه ولو إجمالاً حتى لا تكون مقلدًا لمن يظنون أن كل ما يعتمده أصحاب النقل حق" انظر: تفسير المنار (9-488).

وهكذا يردون الأحاديث الصحيحة بأوهام خاطئة، وظنون فاسدة نسأل الله العافية. وما ذكره الشيخ محمد رشيد رضا ينطوي على مغالطات كثيرة لا يتسع هذا المقال للبسط فيها، ومن ذلك:

1- دعوى التعارض التي ذكرها في أحاديث المهدي غير مسلمة وقد جمع العلماء بينها.

2- ذكره أن المنكرين للمهدي أكثر من المثبتين غير صحيح؛ بل جمهور علماء السنة يثبتون المهدي، ويذكرونه في عقائدهم التي يكتبونها، وكيف يزعم أحد أن المنكرين للمهدي أكثر من المثبتين له وقد ذكر الشوكاني وقوفه على خمسين حديثاً في شأنه منها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، فيكفي إثباتاً لبطلان تلك الدعوى أن رواة هذه الأحاديث أكثر من خمسين بل من مئة بالنظر إلى رجالات أسانيدها وجلهم من علماء الحديث وأئمته، ومن أين للمنكرين مئة عالم بل خمسين بل عشرة ينكرونه، وهم ممن يعتد بقولهم؟!!

3- عدم إخراج الشيخين لأحاديث المهدي لا يسوغ إنكاره؛ لأن الشيخين لم يستوعبا كل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يدعيا ذلك بل صرحا بخلافه وتركا أحاديث كثيرة صحيحة لم تكن على شرطهما، ولو صحت هذه الحجة لتم رد كثير من فروع الشريعة، وتفصيلات العبادات والمعاملات؛ إذ إن السبيل إليها أحاديث في المسانيد والسنن والمعاجم والأجزاء والمشيخات، ولم تخرج في الصحيحين أو أحدهما.

4- ذكره أن أحاديث المهدي كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية... الخ، لو صح ذلك سبباً فإنه لا يُسوِّغ رد الصحيح من الأحاديث، كيف وهو لا يصح سبباً؛ فإن سبب ذلك هو الجهل والهوى، ولو علم الناس السنة، وتجردوا من الهوى لما وقع ذلك، ووقوع الفتنة بسبب فهم خاطئ لأحاديث صحيحة لا يصلح حجة لرد تلك الأحاديث، أوليس الخوارج قد فتنوا بنصوص الوعيد، والمرجئة بنصوص الوعد، والمعطلة والمشبهة بنصوص الصفات بسبب فهمهم الخاطئ لها فهل يعني ذلك رد تلك النصوص؟! ولو جاز رد النصوص الثابتة بسبب فهم بعض الفرق الخاطئة لها، وإفراطهم أو تفريطهم فيها لكان ذلك باباً واسعاً لرد الشريعة كلها بأصولها وفروعها؛ إذ إنه ما من نص قرآني أو نبوي أفاد حكماً شرعياً إلا وله معارضون ومحرفون، يكونون على طرفي نقيض. نسأل الله - تعالى - الهداية والتوفيق، والموافاة على الحق المبين.

الموقف الثالث: وقف بين مدّعي المهدوية وبين منكريها أهلُ الحق والإيمان، الذين أثبتوا ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -من أخبار المهدي، وآمنوا بذلك وصدقوه؛ لوروده عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينساقوا خلف كل دَعِيٍ يدعي المهدوية.

كما أيقنوا بأن وقوع ذلك غيب لا يعلم وقته إلا الله - تعالى - شاء، وأنه قدر نافذ يقضيه الرب - جل وعلا - متى شاء، وليس لهم أن يستعجلوه، أو يخلعوه على أحد من الناس.

إن الواجب على كل مسلم أن يؤمن بالغيب المثبت في الكتاب وصحيح السنة، ولا يستعجل ظهور هذا الغيب أو وقوعه؛ لأنه ليس له، بل هو أمر كوني خاضع لإرادة الله - سبحانه وتعالى-، وليس للبشر فيه حيلة لا من حيث وقوعه أو دفعه ولا من حيث تقديمه أو تأخيره، وكل ذلك ليس إلينا، وما علينا إلا الإيمان والتسليم، مع السعي الجاد لإقامة دين الله - تعالى -، والدعوة إليه، والاشتغال بالباقيات الصالحات.

ونحمد الله - تعالى - على أن لم يكلفنا البحث في الغيبيات، أو محاولة كشفها وإظهارها، أو معرفة وقتها؛ فذلك لله - سبحانه - وليس إلينا، والمطلوب منَّا قضاء عمرنا فيما ينفعنا في الدنيا والآخرة كما قال الله - سبحانه -: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" "الحجر: 99".

 

ـــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- التذكرة للقرطبي (2-723)، وفتح الباري لابن حجر (6-494)، وفتح المغيث للسخاوي (3-41)، والإشاعة في أشراط الساعة للبرزنجي (87).

2- أخرجه أحمد (1-448)، وأبو داود في كتاب المهدي من سننه (4282)، والترمذي في الفتن باب ما جاء في المهدي وقال: حسن صحيح (2230)، والطبراني في الكبير (10-164 167)، والصغير (2-148)، وصححه الشيخ شاكر في شرحه على المسند (3572 3573).

3- أخرجه أبو داود في كتاب المهدي من سننه (4284)، وابن ماجه في الفتن باب خروج المهدي (4086)، والطبراني في الكبير (23-267)، والداني في السنن الواردة في الفتن (565)، والحاكم (4-557)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6610)، وقال في السلسلة الضعيفة (1-93): "هذا سند جيد رجاله كلهم ثقات، وله شواهد كثيرة".

4- المنار المنيف في الصحيح والضعيف (139).

5 - انظر: رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر، ضمن جامع المسائل المجموعة الثالثة (4-99) من مطبوعات المجمع الفقهي.

6- أخرجه أبو داود في كتاب المهدي من سننه (4285)، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بضعف عمران ولم يخرج له مسلم (4-557)، وعمران هو القطان، وقد توبع بأسانيد أخرى، قال ابن القيم في المنار المنيف (131): "رواه أبو داود بإسناد جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6612).

7- أخرجه أحمد (1-84)، وابن أبي شيبة في مصنفه (37633 37634)، وابن ماجه في الفتن باب خروج المهدي (4085)، وأبو يعلى في مسنده (1-359)، وأبو نعيم في الحلية (3-177)، وفي أخبار أصبهان (1-170)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (645)، والألباني في صحيح الجامع (6611).

8- النهاية في الفتن والملاحم (1-31).

9- أخرجه أحمد (3-36)، وأبو يعلى (987)، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (4-557)، وصححه ابن حبان (6823).

10- أخرجه مسلم في الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (2913).

11- أخرجه أحمد (3-26 27)، وابن أبي شيبة (37627)، وله شواهد منها: حديث مجاهد عن أحد الصحابة كما عند ابن أبي شيبة في مصنفه ولفظه: "إن المهدي لا يخرج حتى يقتل النفس الزكية... وذكر في آخره بركة الأرض، ونزول القطر... " ومن شواهده أيضاً: حديث أبي سعيد عند الحاكم بلفظ: "يخرج في آخر أمتي المهدي... " (4-558)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي..

12- أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب نزول عيسى بن مريم - عليهما السلام - (3449)، ومسلم في الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -(155 246).

13- هذه الرواية أخرجها أحمد (4-216 217)، والحاكم (4-478).

14- أخرجه الحارث بن أبي أسامة التميمي في مسنده كما في المنار المنيف لابن القيم برقم (336)، وقال ابن القيم بعد ذكره: وهذا إسناد جيد.

15- أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4-553).

16- أخرجه ابن أبي شيبة (37630)، وأبو عمرو الداني (559)، والبيهقي في الدلائل (6-517)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (6-245): هذا إسناد جيد.

17- أخرجه ابن ماجه في الفتن، باب خروج المهدي (4084)، والبيهقي في الدلائل (6-515)، والداني (548)، والحاكم وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (4-464)، وقال ابن كثير في النهاية بعد أن ذكر إسناد ابن ماجه: وهذا إسناد قوي صحيح (1-31)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات (3-263).

18- انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1-129)، والفرق بين الفرق للبغدادي (47).

19- البداية والنهاية (10-84).

20- كما في الفرق بين الفرق (54).

21- الحاوي للسيوطي (2-158).

22- كما في مقالات الإسلاميين للأشعري (1-100) والفرق بين الفرق (63).

23- الملل والنحل (1-137).

24- مقالات الإسلاميين (1-101).

25- انظر: الفصل لابن حزم (4-181).

26- انظر: منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية (4-211).

27- منهاج السنة النبوية (2-132).

28- منهاج السنة النبوية (4-211).

29- انظر: تعليقه على العرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي ضمن الحاوي للفتاوي (2-166).

*للاستزادة في هذا الموضوع راجع ما يلي:

1 المهدي المنتظر للدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي، وهو أجود ما وقفت عليه في هذا الموضوع.

2 الرد على من كذب الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد.

3 كتب أشراط الساعة وهي كثيرة.

 

 

http: //jmuslim. naseej. com                   المصدر: