لم يقتلوك . . . بل خلدوك ( في رثاء شهيد الأمة )

رياض سالم عمر

 

يا دم (الحسين) سال أمام أعين خاذليه

يا جسد (زيد) غرس في السّماء فلمّا أراد الذلّ أن يراه (رفع رأسه)

سيّدي:

اليزيديّون ينتشرون كالنّمل في أوكار الهزيمة

وأبناء العلقمي يسوقون أعناقنا إلى المقصلة

وجيوش هولاكو تجثم على صدورنا، لهم أسماؤنا، ويحملون جلودنا

والجسد الكبير لم يعد يعرف حتّى (نفسه)

سار فيه الخنوع مجرى الدّم

والنّبض أصبح طبلاً لكلّ طاغية

والآمال جفّت في بيداء الذل العربي.... من المحيط المخذول إلى الخليج الخنوع

وزحفت الرّمال مبتلعة أحلامنا، وغدونا كالتّراب..... فداست علينا أقدام الغزاة

وفي هجيراء الخنوع رحلت الكرامة..... تبخّر الإباء فترك القلوب مأوى للانكسار

وفي فيافي الهوان... تاهت عزّتنا... ضاعت ومحيت آثارها...

وفي وسط هذه الفلاة...

كنتَ أنت واحة العطاء..... كنتَ أنت رواء أفئدتنا التي أعطشتها سلاسل الهزائم

يا سيّــدي...

أنــت لم تـمـت...

يا سيّــــدي...

هم يرهبون ذاك الرّأس الشّريف، لم يبق من جسدك إلا(القمّـــة) لأنّ الله أراد

لك أن تحيا (قمّـــة) لكرامتنا...

لأنّ الله - سبحانه -.... أراد أن تكون (قمّـــة) في الحياة وما بعد الحياة...

وأسألك:

سيّدي: أللصّمود لون؟

فكأنّي بك تقول: نعم. أحمر قانٍ!!

ثمّ تأبى إلا أن تكون إجابتك (فعلاً) ينثر الإجابة (حمراء) فتصل إلى (قلب) كلّ مسلم.

ألا فلتعلم.... يا من سكنت قلوبنا.... أنّ إجابتك (تتدفّق) في أوردتنا.... وتنبض بها (قلوبنا).

وأسألك:

أللحقيقة جسد؟

فتقول: إن لم تكن جسداً..... فهي ميتة

وإن لم تكن شهادة...... فهي زور!!!

سأسألك وأسألك يا سيّدي...... سألحّ في السّؤال..... حدّ المرض/ الهوس/ الجنون/الموت

سألحّ....... سأكرّره..... لماذا أجبتنا (شهادة)؟

لماذا........؟

هاأناذا..... كنت أسافر من صفحة... إلى صفحة.....

(الشيخ استشهد......)

وأتأكّد..... تسافر العيون.... وخلفها قلب يخفق..... يخفق ألماً/ذلاً/قهراً

(سأصرخ...... لمَ كانت إجابتك (شهادة)؟)

أتسمعني..... أنت تسمعني.....

(كان يا ما كان...... كانت قرى تحتضنها الجبال..... وأخرى ممدّدة على السّهول.... تزيّن شعرها بأشجار الزّيتون..... وأخرى يغسل البحر أقدامها كلّ يوم........ وهناك رائحة البخور تعبق... شذى مرور الأنبياء..... أقدامهم مرسومة..... آثارهم يتضوّع بها المكان مسكاً/فجراً...)

لكنّي أريد سماع صوت الشّيخ.....

يا شيخ..... لمَ....

(وهناك وقف عجوز ينتظر رفاقه، ليبدأوا حديث الذكريات.....

وأمٌّ تعجن أرغفة الخبز..... قوت رجالها المنهكين.......

وزوجة تسمّرت عيناها على الطّريق..... لتلثم زوجها وهو قادم.....

وفتاة صغيرة تلعب..... تقف.... فتتلفّت..... تلعب كرّة أخرى..... تقف.... يدور رأسها الّصغير... تبحث عن أبيها.... لتحيط عنقه بيدين من أرجوان......

وشيخ..... يؤذن.....

الله أكبر.... الله أكبر

.....

... حيّا على الصّلاة...

... حيّا على الفلاح...

... يرفع يديه.... يدعو...

يسبل عينيه...... يلتفت إلى الباب.... ينتظر قدوم المصلّين.....

وأصوات الأطفال..... تقرع الصّمت..... تجوب المكان.... بهجة... وفرحة

ينتظرون.... الصّوت.....

آباؤكم قد قدموا..... هلمّوا إلى الغداء.....

......... لكن....

لم يأتِ أحد!

.... انطفأ كل شيء.....

..... لم يعد أحد!!! )

سأصرخ بالسّؤال....... أجبني.... يا شيخ.... لمَ..؟

(وتناثرت القرى..... رحلت في قلوب الرجّال....

رحلت.... حكايات تنثال من أفواه الشّيوخ...

ودموعاً تنساب من أعين النّساء...

..... وحلماً.... كالضّباب.... في صدور الأطفال...

والقبيلة... القبيلة.... وقفت تشاهد...

وامرؤ القيس يقول:

اليوم خـمـر.... وغداً خــمــر....

... وأقيمت الحانات..... على ضفاف النيل ودجلة والفرات.....

... ومن لم يكن لديهم نهر..... سافروا إلى مضارب (العهر)....

.... وسافر النفط..... ليشرب به الأمير خمراً..... في مضارب (بني الأصفر)...

.... وابتلعت الهزائم الرّجولة..... وفي الحانة صاح مخمور بعد أن أهين:

ألا لا يعلم الأقوام أنّا **** تضعضعنا وأنّا قد ونينا

وامتلأت الحانات (شعراً) و(خطباً)......

..... وخرجت القبيلة..... مخمورة... عيونها لا ترى سوى سيقان (المومسات)....

... وغرقت السّبيل في ظلام الليل البهيم......

... وأخرجت القبيلة (البوصلة).... ورأى سكران الإبرة تشير إلى (الغرب).....

ورأى آخر.... (مطرقة ومنجلاً).....

وانقسمت القبيلة..... فصرخ فيهم عجوز:

مادمتم لا تحدّثون أنفسكم (بغزو)..

فاختاروا من (الحانات) ما شئتم!!.....)

.... لن أبتلع الصّمت... يا سيّدي.....

.... أتسمعني..... أكرّر..... لمَ...؟

(ابتلّت لحية العجوز.... تذكّر شجرة الزيتون.... غرسها.... وجذرها ما زال مبتلاّ... يسأل:

من سيسقي زيتونتي؟

اقتلع قبل أن يرى ساقها تصعد في السّماء.....

من سيسقيها.....؟

وهناك.... كانت الزيتونة... تشرب الدّماء....!!

ويصرخ المكان.... صرخات (دير ياسين) تشق الفضاء....

.... تتدحرج الرؤوس..... أمام أعين النّساء....

.... لتشهد الأم رأس وليدها الذي كان ملء كفّها.... يحزّ من مكانه....

.... وتشهد الفتاة.... يد أبيها التي كانت تداعب خصلات شعرها الكستنائي....

.... مضرّجة بالدّماء.... مقطوعة من الرسغ.... الرسغ... الذي كان يحمل ساعته...

.... يرى فيها وقت عودته.... وأوقات الصّلاة.....

..... ويزداد العويل.....

وتنتكس الراية في حزيران.... لأنّ اسم الله لم يكن عليها...

.... وينبت الحقد في صدور..... والذل في صدور..... ينبت كالوليد.... ليخرج سفّاحاً... يحيا على الجثث والدّماء... ويأتي أيلول محمّلاً بالمجازر....

وتستـنجد (عين الحلوة) و (تل الزعتر).... فيجيب الذلّ العربي... بـ(صبرا وشاتيلا)...

... ويقترب من الشّاشة وجه أمّ.... أطفأه خذلان القبيلة.... وتصرخ:

وينكم يا عرب.......؟

.... هنا كانت بيوت..... هنا كان أطفالي يلعبون.....

... هنا كان رضيع... معلّقاً بثدي أمّه.... سال دمه على صدرها يكتب (هزيمتكم)...

... و(ذلّكم).... ومأساة الضّعينة.....

لديّ تسعة أطفال..... خمسة فتيان.... وأربع فتيات....

... وزوجي كان في المخبز.... وكان لديّ أبوان.... وجيران في قلوبهم خضرة الحقول...

... غيّبوا جميعاً في لحظة عين..... ولم يبقَ أحد...... (تلبّدت عيناها بالدّموع)... تشير بأصابع مرتعشة:

نعم.... صوّر.... صوّر.... يابنيّ.... هذه الأقمشة..... تحتها أهلي.... وجيرتي.... وعشيرتي...

... لا.... لا.... لا تعرّي جثّته.... ابقِ عليه مسجّى.... أودّ الاحتفاظ بـ(صورته) كما أتذكّرها...

... أرجوك.... لقد شوّهوه....

صوّر.... دعني أبتعد قليلاً.... هل انتهيت...... أهذه النّهاية..... أهلي يحملهم شريط أسود...

تقول... ماذا...؟.... آه.... ستعلّقون الصّور.... ليشهد العالم مأساتنا؟

علّقها يا بنيّ..... فبعد خذلان قبيلتي لا يهمّني (عالمك)....

لا... لن أسأل.... وينكم يا عرب؟... لا... لن أسأل.... )

...

(أطلال القرى المهدّمة..... بدأت تنطق..... الحجارة.... بدأت تؤذّن... حيّا على الجهاد....

... أكفّ الأطفال.... النّساء.... الفتية..... الفتيات..... تنطق بالصّخور...

لا... لم تخذلنا الحجارة..... خذلنا (الزّير) هذه المرّة.....

.... رضي بالصّلح..... رغم تحذير شاعرنا له ألاّ يصالح.... نعم رضي....

(فقأوا عينيه) (ودم أخيه صار بين عينيه ماءً) (1) وحتّى لا ينظر في عيون الذين لا يستطيع حمايتهم..... زجّ بهم في السّجون.... والهزيمة التي كانت تتستّر بالليالي.... أصبحت عارية اليوم.... وتسابق العبيد.... يحمّصون (البنّ) ليصنعوا القهوة للغازي... لسيّدهم الجديد... وأمامه فتحوا جميع (الخيام)...

وأعطوه حقّ الاختيار..... لا.... لم يروا في عينيه أجساد الأطفال.... ولا أعراض النّساء...

لم يروا في عينيه... رؤوس الرّجال.... ولا أطلال القبيلة..... لأنّهم كانوا ينظرون إلى التّراب... رؤوسهم منكّسة.... بدون مشنقة.... ينتظرون الإشارة ليذبحوا من ينادي:

حيّا على الجــــــــهـــــــاد ِ....)

...........

(رؤوس تقبّل الأرض.... سجوداً لله..... وتزهق النّفوس.... والجباه ما تزال ساجدة...

أب نحيل..... وبخصره ضمّ إليه طفله..... ينادي:

الولد..... الولد....

والطفل يصرخ...... بابا.... بابا....

والرصاصات القاتلة تطفىء شمعة في عمر الزهور...

وفجوة في صدر (إيمان) وهي في حجم البراعم....)

.... ويأتي صوت نحيل.... يشق المسافات.... يحطّم الصّمت.... وجدران الخنوع

(بنيّ..... أما زلت تنتظر الإجابة......)

كان صوت الشّيخ... نعم... صوته

(أما زلت... تبحث عن الجواب...؟)

كلاّ... يا سيّدي.... لن أسأل....

... لن أكرّر السّؤال......

.... لن أنتظر الإجابة.....

.... ليس ثمّة من إجابة.....

.... سأروي الأرض..... حتّى تنبت السّيوف....

سأسقيها.... دمي........

.... لينبت السّيف (أحمر).... يحمل الموت لأعدائي....

.... ولجسدي... (الشّهادة).

 

ـــــــــــــــــ

1-راجع قصيدة أمل دنقل(لا تصالح).

 

 

http: //www.alasr.ws                 المصدر: