صبرا آل ياسين
من فضلك توقف قليلاً أيها التاريخ
د. عبد الله بن فرحة القرني
إهداء إلى القائد الدكتور الرنتيسي، وخالد مشعل، وجميع عائلة الثريا.
بيان عاجل من أجل الحرية:
من دم القسام نبت القائد العظيم أحمد ياسين
ومن دم ياسين ينبت المحرر المنتظر.
بيان للعدالة العالمية المغتصبة:
من فوهة البندقية التي قتلت عز الدين القسام انطلق الصاروخ الأمريكي الذي اغتال نبتة القسام الأحمدية.
الآنَ! استلم حافظ العهد في المحمدية وسام الشهداء من الدرجة الأولى بعد أن انتظره في الطابور الصباحي ستًّا وستين سنة.
عندما نودي بأسماء أبنائه وأحبائه الذين صنعهم على عينه وتأخر النداء باسمه ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وظن أن العفو الرباني انتبذه للوراء بجنحة أو تفريط، فنادى في الظلمات: أملي أن يرضى الله عني.
وكان الله قد أمهله حتى تنتظم السرايا وتكتمل الكتائب التي ورثها في العهد القسامي؛ فقسم تركته بين أبنائه، وانقسم هو في بضع قيادات بعد أن قدح لهم زناد الفكر فأشعلوا النار في أوراق الإرهاب الصهيوني.
كما أن الله أحياه حتى فنيت أعضاؤه، ولم يستأثر له من الحياة إلا بكلمات لا تكاد تفهم، إذا نطق بواحدة منها أعلنت الجريمة العالمية حالة التأهب القصوى في أوكارها العسكرية.
ولئن قتلته الجريمة العالمية مرة واحدة، فلقد غزاها وقتلها في إشاراته وكلماته ألف مرة.
نبتة القسام امتحنه الله بالداء العضال - وكان يسعه ما يسع المعذرين - فتجاسر على كل معضلة، شاكراً لأنعم ربه، فلم يختر إحدى الحسنيين، وإنما اختار الحسنيين معاً، الصفِ الأول في الجهاد والأولِ في صلاة الفجر، واستهم عليهما بصاروخ أمريكي، وترك المخلفين إلى مغانم كثيرة يأخذونها، فكل إلى ما هاجر إليه.
وإذا كانت الأجساد تتعب في مراد العظماء؛ فإن أجساد الشهداء تفنى في مراد الله. فلقد أراد الله للشيخ أن يسلك الوعر الذي يعطب الجسد فسلك، وأن يهلك روحه في كيد أعداء ربه فهلك.
الآنَ! أراقوا دم ياسين الزكي في التراب المقدس؛ فالأرض تنبت بالمجاهدين، والشهداء، والقنابل، والدهن، وصبغ للآكلين.
الآنَ! ترقد النبتة القسامية في التراب المقدس.
والآنَ! تضيء كلماته ومواقفه في أرواح المؤمنين بالله من أبنائه وأحبائه في الشرق والغرب.
عندما بدأ ياسين العبور من بوابة المستقبل فجر الاثنين غرة صفر من عام: 1425هـ، استوقفه الحارس الذي يدقق في هويات الزعماء ليعلق على صدره وسام الشرف، وطلب من البقية الانصراف فوراً والعودة إلى أصلاب الزمن للتخلق هناك من جديد.
الآنَ! يتوجه القادة للمحاكم السياسية ليفسخوا خطوبتهم من القيادات العليا، فلقد وجدوها بعدك ثيباً.
الآنَ! تحتفل الجريمة العالمية، ويغرد إبليس العالم الصهيوني لاستشهاد ياسين، ولم يعلموا أنهم يحثون سراياه للسير قُدماً، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
والذي يحدد قيمة السعادة المطلقة والشقاء غير المحدود، إنما هو تباين فلسفة الحياة والموت بين أمتين، في وجهتين مختلفتين قضت نظريات العلم أنهما لا يلتقيان، فلسفةٍ تقوم على الضجر من الحياة واستثقالها، وحب الشهادة في سبيل النعيم الأبدي، وفلسفةٍ تقوم على حب الحياة الفانية والتترس بها في سبيل الشقاء الأبدي. وتبعاً لهذه وتلك؛ فإن فلسفة الفرح والحزن كفيلة بأن تكون متباينة أيضاً، وحتى الشعور بالموت يصبح أشد تبايناً من سابقه، لأنه يتحول إلى لذة في حياة الشهيد يتغنى به، ويبحث عن مظانه، ويستعجل الأيام إليه بين خوف ورجاء. أما في حياة الشقي فإن تذكر الموت يلد موتا آخر، والفرار منه مطلب سرمدي فهو يفر من موت إلى موت، لهذا يطرب السفاح المجرم ونستبشر، ولكن فارق الحقيقة من الوهم كامن في عواقب الأمور لا في عوارضها الظاهرية.
تخيلوا بعد هذا العمر الطويل والشيبة في الجهاد أن الشيخ ياسين مات ميتة بكماء كما يموت الجبناء، ميتةً لا يزيد خبرها على ما بين الفجر حتى يضع الناس ثيابهم من الظهيرة، ولكن ربه أراد أن يرفع شأنه في العالمين؛ فاختار له ما اختار لخير أنبيائه - صلى الله عليه وسلم -.. اختار للشيخ منهحاً قِـيَماً كمنهجه، واسما كاسمه، وميتة كميتته، فقد قتلهما اليهود، الرسول - صلى الله غليه وسلم - بالسمِّ، وهؤلاء بصاروخ أمريكي، فكما قَتل شرُّ البشر خيرَ البشرية في ذلك الزمن، قَتَلَ شرُّ الناس خيرَ الناس في هذا الزمان.
قد يسأل إنسان عن سر الجاذبية في شخصية الشيخ أحمد ياسين، ومع أنها مزيج من طراوة دين وحسن خلق؛ إلا أن العناية الإلهية أودعت سرًّا عظيمًا من الجاذبية في عجزه الجسدي، وبالدقة في التباين الصارخ بين قدرته على القيادة وعجزه عن الحركة، وقوة رأيه وضعف قواه، وفتوة هيبته وشيخوخة لحيته، وأريحيته للناس وضجره بأعضائه، وعطائه للأمة وامتناعه عن الأخذ، وفوق ذلك كله حركة الروح الخفيفة وجمود الجسد الكلي، ولم يقف سرُّ الجاذبية في شخصيته على المستوى الأممي عند هذا الحد، ولكنة تعداها إلى التناقض الفاضح بين طبيعة الأشياء وما ينبغي أن تكون عليه، كما هو جمود الواقع عندما تصلبت الكراسي السياسية المثقلة بالأرطال البشرية، وتحرك كرسي الشيخ ياسين السياسي، وكانت جميعها فارهة على حين كان كرسيه طبياً من النوع الذي يلقى به للمعاقين ابتغاء الحسنة!
ألم ترو إلى شعبه العظيم كيف أمسك بقايا كرسي الشيخ وانتزع منها القوة الروحية ولوح بها فانجذب لها العالم في أنحاء الدنيا؟ ألم يلفت أنظاركم كم التقط المصورون من آلاف الصور في ملايين النسخ الصحفية، وكم كتبوا من التعليقات؟ ألم تزدد جاذبيته أكثر في اللحظات الأخيرة؟ ألم تشعروا بالحزن نحو كرسي الشيخ؟!
تلك هي القدرة الإلهية التي وهبت العجز الجسدي صفة الجمال الجذاب، حتى إنه كلما ازداد ضعفاً ازداد جاذبية، وتأججت ذروتها عندما حمي الوطيس في ختام التسابيح الأخيرة.
فهنيئاً وصبراً لياسن وآل الثريا.
7/3/1425
26/04/2004