معوق الحركة ... ومعوقو الإرادة

الأستاذ محمد الهادي الحسني

 

هذا العنوان أوحاه إليَّ صديق ليس من أصحاب الأقوال، ولا من ذوي الأموال، ولكنه مستور الحال، يسعى على زُغب صغار، وهو مهموم - شأن كل ذي قلب حي - بوضع الأمة التي هو جزء منها، وهو يقصد بمعوق الحركة الشهيد الشيخ أحمد ياسين، قعيد الكرسي المتحرك منذ مدة طويلة، ويقصد بمعوقي الإرادة أولئك الملوك، والرؤساء، والأمراء، العرب، الضخام الأجسام، الذين إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، ولكنهم - لموت قلوبـهم، وانعدام ضمائرهم - خشب مسندة.

لقد صدق صديقي، وأصاب كبد الحقيقة في هذا الوصف، وهذه المقارنة. فالشيخ أحمد ياسين المريض، المقعد، لم يلق المعاذير، ولم يقعد مع القاعدين، ولم يتخلف مع الخوالف، بل تحدى الأمراض والإعاقة، وتصدر الصفوف، وقاد الزحوف، فتسنم ذرى المجد.

وأما كبراؤنا من ملوك، ورؤساء، وأمراء، ذو البطون الواسعة، والمناكب العريضة، والرؤوس الكبيرة، والأموال الكثيرة، فهم كهشيم تذروه الرياح.

إن كرسي الشيخ أحمد ياسين المهترئ أشد رهبة في قلوب اليهود من عروش حكام العرب الوثيرة، المذهبة، وإن عباءة الشيخ أحمد ياسين البسيطة، التي لا يتجاوز ثمنها دراهم معدودة أغلى عند الله وعند المسلمين من كل ما يملكه حكامهم. وإن شسع نعلي الشيخ أحمد ياسين أثمن من سيارات حكامنا الفارهة المكيفة.

لم يكن الشيخ أحمد ياسين عندما يتحدث يرغي ويزبد، ويصيح، ويلوح بيديه، بل كان هادئاً كالطود العظيم في رسوخه، وكالإعصار المدمر في جهاده... كان يتكلم قليلاً ويعمل كثيراً، أما حكامنا فقد ملأوا الدنيا جعجعة وصياحاً، واحتكروا الصحف والمجلات، والتلفزات والإذاعات، ظناً منهم أن ذلك يقربـهم منا، فازدادوا عنا بعداً، فلم ينالوا منا حباً، ولم ينالوا من أعدائنا احتراماً.

لم يكن الشيخ أحمد ياسين يملك طائرات ولا دبابات، ولا مدافع، وإنما كان يملك قلباً حياً، وإرادة قوية، وعزماً صلباً، فأرهق إسرائيل، وأذاقها الحنظل، وقذف الرعب والهلع في قلوب اليهود، وأطار النوم من عيونـهم، وأقض مضاجعهم، كل ذلك بعدد قليل من المجاهدين، وبأسلحة بسيطة، وذلك ما لم يفعله حكامنا الذين يزينون صدورهم بأوسمة قصديرية، ويملكون جيوشاً جرارة، وأسلحة فتاكة، ولكنهم استعملوا ذلك كله في قهر الشعوب، وإذلالها. فما أحقر الرئيس أو الملك، الذي يهين جندياً من الجنود، فضلاً عن ضابط سام، بتركيعه ليقبل يده، الملوثة بدماء الأبرياء، المتسخة بسرقة مال الأمة.

لقد أظهر استشهاد أحمد ياسين قيمته في أعين المسلمين، ومكانته في قلوبـهم، فخرجوا يشيعون ما بقي من جسده الطاهر إلى جنة عرضها السموات والأرض، بينما لا يستطيع حكامنا جمع عدد من الناس إلا بالوعود الكاذبة، والأماني الخادعة، ليصفقوا لهم، ويهتفوا بحياتـهم.

وها هي علامة من علامات تكريم الله - عز وجل - لهذا العبد الصالح المجاهد، فقد اتخذه شهيداً، إذ قتله أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وقد قتلوه وهو على طهارة، بعد أن فرغ من أنبل عمل، وهو مناجاة ربه في صلاة الفجر، وإن قرآن الفجر كان مشهوداً، فقد خرج من بيت الله ليدخل جنة الله بإذن الله.

وإن يقتل اليهود الشيخ أحمد ياسين فقد قتلوا أنبياء الله من قبل، وليس غريباً ولا عجيباً أن يفعلوا ذلك، وهم الذين قالوا: ((إن الله فقير ونحن أغنياء))، وقالوا: ((يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا))

ولئن مزق اليهود المجرمون جسد الشيخ أحمد ياسين الضعيف، وأزهقوا روحه الطاهرة، فإنـهم لن يستطيعوا أن يقتلوا مبادئه الشريفة، وقيمه النبيلة التي غرسها في القلوب، وزرعها في النفوس، وإن أشباله الصيد سينتقمون منهم، وسيثأرون له، وسيحررون فلسطين من النهر إلى البحر، ويطهرون المسجد الأقصى والقدس الشريف، تلك أمنية الشيخ أحمد ياسين، وذلك وعد الله، ولن يخيب الله أمل عبده الصالح، ولن يخلف وعده الصادق.

ليس غريباً أن يضيق اليهود الأشرار بالشيخ أحمد ياسين الخير، وأن يتحرج اليهود الخبيثون بالشيخ أحمد ياسين الطيب، وأن ينـزعج اليهود اللصوص بالشيخ أحمد ياسين الشريف.

أما حكام العرب، فقد كان الشيخ أحمد ياسين لهم ناصحاً أميناً، ودلهم على تجارة تنجيهم من عذاب أليم، ومن لعنة إلى يوم الدين، وذلك في الرسالة التي أعدها لتوجيهها إليهم في قمتهم القادمة في تونس، فهل يرتفعون إلى مستوى رجولة الشيخ أحمد ياسين؟ وهل يستجيبون له، وقد دعاهم لما يحييهم؟ وهل يقبضون قبضة من شهامته، ويقتبسون شعاعاً من نور عزته؟ أم يظلون في غيهم سادرين، وفي لهوهم غارقين، وبشعوبـهم عابثين، ولأعداء الأمة خاضعين، وللشيطان متبعين؟.

رحم الله الشيخ أحمد ياسين، وأنزل عليه شآبيب رحمته، وأفرحه بلقاء محمد وصحبه، وأفرغ صبراً على آل ياسين، وجميع المسلمين …

 

 

http://www.alsunnah.org                        المصدر: