قمة تونس.. نتائج دون المتوقع

ياسر الزعاترة

 

من الواضح أن مخرجات قمة تونس قد جاءت نتيجة مساومات وتجاذبات كثيرة باتت تسم الوضع العربي برمته بعد عام على احتلال العراق، وفي ظل هجمة أمريكية شرسة، يمكن القول إنها بدأت منذ هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة، ولم تتوقف فصولها إلى الآن.

خلال هذه المدة تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق جملة اختراقات في الجسم العربي، حيث تمكنت من زرع فريق يمكن القول إنه أقرب إلى رؤاها، سواء كان عن قناعة أو رغباً ورهباً، والحال أن قمة تونس قد جاءت نتاج مساومة بين الفريقين لم تبتعد عنها الأيدي الأمريكية، كما لم تغب عنها الأصابع الإسرائيلية التي سجلت حضوراً هي الأخرى، بل لعله الحضور الأبرز كما سيتبين لاحقاً.

 

حضور بحذر:

جاء الزعماء العرب إلى القمة وفي ذهن كل واحد منهم مخاوفه من المواقف النهائية من القمة إلى جانب مطالبه منها، وهنا يمكن القول إن ثمة فريقاً جاء وفي ذهنه حكاية الإصلاح التي فجرت القمة في المرة الماضية وأجلتها إلى الموعد الجديد، فيما جاء آخرون وفي ذهنهم تمرير عدد من المواقف التي تريدها الولايات المتحدة إما لحسابها أو لحساب الدولة العبرية، وأقله تجنب مواقف أخرى من النوع المرفوض من قبلهما.

حكاية الإصلاح على النمط الأمريكي كانت هاجس عدد من الدول العربية، سيما بعد أن تحدثت الدوائر الأمريكية عن آليات لمراقبة التطور في عملية الإصلاح، الأمر الذي يجله سيفاً مسلطًا على تلك الدول ليس لجهة الإصلاح الحقيقي، وإنما بهدف الابتزاز، كما هي الطريقة الأمريكية المعروفة.

 

شعارات الإصلاح والوضع الراهن:

في هذا السياق يمكن القول إن الفريق المذكور قد سجل نجاحاً مقبولاً بالنسبة إليه وذلك بتحويل وثيقة الإصلاح إلى وثيقة "التطوير والتحديث والإصلاح"، والخلاصة هي جعل الإصلاح ذاتيًّا ومتدرجاً وفق الحاجات المحلية بعيداً عن الوصاية الخارجية. 

لا يعني ذلك بالطبع أن رافعي شعار الإصلاح في القمة والوضع العربي عموماً هم دعاة إصلاح حقيقي سيحيل بلادهم إلى ديمقراطيات على النمط الأوروبي؛ فذلك ما لا يصدقه أحد بحال من الأحوال، بل إن جردة حساب لبضاعة هؤلاء في العناوين المذكورة إنما تؤكد أنهم لا يملكون من الديمقراطية سوى القشور الخارجية، فيما تبدو سياساتهم الخارجية منسجمة إلى حد ما مع المصالح الأمريكية.

لعل ذلك هو ما يفسر مواقف الجماهير العربية المنحازة إلى حد ما إلى جانب الفريق الرافض للإصلاحات على النمط الأمريكي على رغم أن الإصلاح هو مطلبها الملح، لكن إدراك حقيقة النوايا الأمريكية يجعل المواطن العربي يفضل أنظمة أقل انبطاحاً أمام المطالب الأمريكية مقابل أخرى تمارس ذلك الانبطاح في وضح النهار أحياناً، وتحت الطاولة أحياناً أخرى، والسبب هو إيمانه بأن الجميع يشتركون في رفض الإصلاح الحقيقي الذي يعني مشاركة شعبية وتداولاً على السلطة، مع أن ذلك لا يعني أن الأنظمة العربية متساوية في مستوى تعاطيها مع المطالب الأمريكية أو في مستوى تعاطيها مع قصة الإصلاح ومطالبه.

نجحت صفقة الإصلاح مقابل تنازلات جوهرية في السياقات الأخرى لعل أهمها ما يتصل بالصراع العربي الصهيوني، وقد برز على هذا الصعيد الموقف الجديد المتعلق بالعمليات ضد المدنيين، والذي يعني بكل وضوح تلك العمليات الاستشهادية التي تنفذها المقاومة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ولعل أسوأ ما في الأمر أن الموقف الجديد قد جاء بعد أسابيع من موجة الاغتيالات بحق قادة حماس، وفي ذات الوقت الذي كان فيه شارون يمارس أبشع الانتهاكات في قطاع غزة،
لا شك أن هذا التحول يشكل انتصاراً أمريكياً إسرائيلياً، وتراجعاً عربياً كبيراً، فهو إنجاز بالنسبة لتل أبيب لأنه سيؤثر على أسوأ أنواع العمليات التي أقلقتها خلال السنوات الماضية، لا سيما وهي في سياق انتظار رد قوى المقاومة على عمليات الاغتيال، وعلى الجرائم في قطاع غزة، أما بالنسبة لقوى المقاومة فسيشكل الموقف الجديد عبئاً سياسياً عليها من حيث إنها ستكون في وضع حرج إذا هي خالفت الإجماع العربي الرسمي في هذه المسألة.

من زاوية أخرى جاء الموقف العربي مما يجري في العراق هزيلاً إلى حد كبير، حيث اكتفى بالكلام التقليدي حول وحدة العراق، وضرورة عودة السيادة إلى أبنائه، وفيما أدان العمليات التي تستهدف المدنيين العراقيين، لم يشر إلى المقاومة العراقية، وحق العراقيين في الدفاع عن أرضهم؛ بل إن تكريس وجود مجلس الحكم الانتقالي كممثل للعراق في وقت فقد فيه مصداقيته وبات التمثيل الحقيقي للعراقيين يتواجد خارجه؛ إنما يؤكد منحى التراجع المشار إليه.

لقد جرت أحداث كثيرة في الساحة العراقية منذ شهور وحتى الآن لم تجد صداها بأي حال من الأحوال في البيان الختامي للقمة، منها على سبيل المثال اتساع دائرة المقاومة لتشمل الشيعة أيضاً، وفضائح الأمريكيين الكثيرة، أما الأهم فهو ما أشرنا إليه ممثلاً في غياب مجلس الحكم عن دوائر التأثير في الساحة العراقية خلافاً لما كان عليه الحال قبل شهور.

و الأهم من ذلك كله في السياق العراقي والفلسطيني هو عدم انعكاس الأزمة وحالة الضعف التي يعيشها النظام السياسي الأمريكي وكذلك الإسرائيلي على مختلف الصعد على البيان الختامي مع أنه بالغ الأهمية من حيث قدرته على حفز المواقف العربية نحو مسارات أفضل في تحدي الغطرسة التي يمارسانها بحق الأمة.

أما الأسوأ من ذلك كله فهو أن المساومة التي تمت في أروقة القمة بين الفريقين المشار إليهما لن تنعكس على سلوك الولايات المتحدة السياسي حيال الدول العربية المستهدفة بسياسة الإخضاع، وقد تجلى ذلك في الخبر الذي أشغل القمة لبعض الوقت ممثلاً في دعوة عدد من القادة العرب إلى حضور قمة الثماني الكبار التي ستعقد في ولاية جورجيا في الثامن من حزيران المقبل، فيما يمكن وصفه بأنه تأكيد على مسار الإصلاح واستمرار لمنهجية الضغط على المترددين في سلوك سبيله، مع ضرورة التذكير مرة أخرى بما ذكرناه سابقاً حول الإصلاح المقصود أمريكياً!

 

هزلية النتائج:

من هنا يمكن القول إن إيجابية انعقاد القمة كمؤشر على حياة النظام العربي الرسمي، وإن كان في غرفة الإنعاش وتحت الأجهزة، إلا أن ضعف وهشاشة الوضع الأمريكي والإسرائيلي كان ينبغي أن يدفع نحو مواقف أفضل، لكن الأسوأ الذي تابعناه هو أن المواقف لم تمكث على حالها القديم، وإنما تراجعت خطوات إلى الوراء.

تبقى الدراما الليبية التقليدية التي يقدمها القذافي على مسرح القمة كل مرة، وهي دراما يمكن القول إنها من النوع الرديء الذي يخدم الاستراتيجية الأمريكية لشرذمة الوضع العربي بكل وضوح، فيما تسيء إلى الشعب الليبي وإلى الأمة، وإن قدمت بعض الفكاهة لمواطن عربي يداهمه الاكتئاب من جراء ما يتابعه من أحداث!.

المصدر     :     http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?catid=79&artid=3769