تأملات حول استشهاد أحمد ياسين
محمد كمال منصور
اختار الله للشيخ أفضل ما يحبه له ويرضاه وهي الشهادة - إن شاء الله -، أي الحياة الأبدية لقوله - تعالى -: ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)).. أي أن الشهادة روح متجددة في الأمة لا تتوقف بدليل استبشار السابقين من المجاهدين بالذين لم يلحقوا بـهم والذين تركوهم وراءهم، ودم الشهيد فيه بركة تترك آثارًا من الخير العام الذي يتجاوز حتى اللحظة الراهنة إلى المستقبل، ولذلك قال - تعالى -: ((وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء)) فالشهادة غاية في ذاتـها لا يدركها إلا أصحاب القلوب المؤمنة المجاهدة، وسجل حياة الشيخ حافل بسيرة إنسان كان يلاحق الشهادة فكتبها الله له، فليهنأ الشيخ بـها في دار الخلود.
أسس الشيخ (- رحمه الله -) منذ عام 1987 حركة المقاومة الإسلامية المعروفة باسم حماس، وذلك لمقاومة العدوان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين وأطلق الانتفاضة الأولى، ومنذ ذلك الوقت ويعرف بأنه الأب الروحي لحركة "حماس"، عمل في التدريس وحمل عبء الدعوة للإسلام الصحيح بشموله ووسطيته في قطاع غزة، وأسس شبكة من العمل الأهلي إلى جانب العمل الدعوي في القطاع لمعاونة أسر الشهداء والمعتقلين، وترأس المجمع الإسلامي في غزة.
وكانت خطبه الدعوية للجهاد تمثل إزعاجًا للمحتل الصهيوني فاعتقلته عام 1982 ووجهت إليه تـهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة وأصدرت عليه حكمًا بالسجن لمدة 13 عامًا، لكن أطلق سراحه عام 1985 في صفقة لتبادل الأسرى مع العدو الصهيوني، ثم عاد للعمل الجهادي فتعرض بيته للمداهمة والتفتيش، وفي عام 1989 أعيد اعتقاله مع مئات من أعضاء حركة "حماس" وصدر عليه حكم جديد بالسجن مدى الحياة لكنه أفرج عنه في عملية تبادل أخرى لأسرى جرت بين الأردن والكيان الصهيوني عقب المحاولة الفاشلة لاغتيال "خالد مشعل" في عمان، والمثير أن الشيخ لم يتعرض فقط لظلم الصهاينة ولكن السلطات الناصرية اعتقلته عام 1965 بتهمة الانتماء للإخوان، وظل حبيسًا لشهر ثم أفرج عنه، كما تعرض لظلم السلطة الوطنية الفلسطينية التي فرضت عليه الإقامة الجبرية عدة مرات.
يعتبر الشيخ شاهدًا على مأساة فلسطين منذ عام 1948 حيث شهد هزيمة الجيوش العربية، وعاش الشيخ حياة قاسية بعد هجرته مع أهله إلى غزة. وتحمل الشيخ مسئولية أسرته التي كان عددها سبعة أفراد بالعمل في المطاعم. ولكنه شق طريق التعليم وسط هذه المصاعب، وكان الشيخ رياضيًا من طراز فريد لكنه تعرض عام 1952 لحادثة كسرت فقرات عنقه وأصابته بالشلل بقية حياته، وعمل الشيخ بمهنة التدريس وشارك في الأحداث العامة التي عاشها قطاع غزة، فحياته حافلة بالعمل الجاد والالتزام بقضايا أمته، ثم وهذا هو الأهم حمل قضية دينه وإحيائه وبعثه من جديد في فترات عرفت ظلمات محبطة، لكن الله قدر له أن يكون مشاركًا في غرس العمل الإسلامي المقاوم في قطاع غزة وفي فلسطين، فكان الشيخ رمزًا تاريخيًا ودينيًا وكان عامل توازن هام في الساحة الإسلامية والفلسطينية حافظ لحماس على دورها كقوة مدافعة وحامية للأمة وليست ساعية لمطلب فئوي أو حزبي، لذا كان الشيخ يعتبر أن الانخراط في أي نوع من الصراع الداخلي بين حماس وأي فصيل فلسطيني آخر خطًا أحمر لا يجب أبدًا لحماس أن تتخطاه، لذا خسرت حماس بعض المكاسب الداخلية الضيقة؛ لكنها كسبت أفئدة كل الفلسطينيين وكسبت الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت أحد المقاصد الإجرامية للكيان الصهيوني ليفتتها ويشعلها حربًا أهلية داخلية حتى يشكك في رمزية الجهاد الفلسطيني ويشكك في رمزية المقاومة الفلسطينية باعتبارها حركة تحرير ومقاومة في وجه عدو مجرم مغتصب.. قضيتها هي تحرير أرضها وناسها وزرعها وكرامتها من هذا المغتصب الغاشم.
كان الشيخ كما عرف من خبراته وتاريخه يعي جيدًا أن الحكومات العربية والجيوش العربية لن تحرر فلسطين لذلك لا بد من إثبات حركة مقاومة شعبية مؤسسة على أسس عقدية إسلامية بدلاً من المناهج العلمانية المستوردة التي قامت عليها الجيوش العربية ثم قامت عليها حركة فتح بعد ذلك.
وكان الشيخ موضع إجماع لأنه اتسم بالزهد الشديد فكما ذكرت ابنته "أنه كان مشغولاً بتجهيز بيت الآخرة"، وكان يؤمن بأن قدر الله غلاب وأن ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكان يستخف بتهديدات العدو له بالموت حتى يعلم الشباب الجرأة والإقدام في طلب الموت في سبيل الله.
كان يهزه ويحزنه موت المجاهدين، فعندما توفي الشيخ "صلاح شحادة" بصاروخ أطلق عليه يزيد وزنه على طن، أوصى الشيخ بألا يصنع له عزاء ولا ترفع له صورة، وشيعه الشيخ على كرسيه ولم يركب سيارة من شدة حزنه عليه.
إن حياة الشيخ كانت ملكًا لمن منحه إياها ثم كانت ملكًا لأمته لم يبخل بـها، لقد كان الشيخ تواقًا للخلود وللدار الآخرة ((وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون))، والشهداء هم النور والكرامة والعزة المطبوعة بالنور على جبين الأمة إلى يوم القيامة.
أسباب اغتيال الشيخ:
لم تكن المرة الأولى التي يتعرض فيها للاغتيال، بل حاول العدو الصهيوني قتله في سبتمبر 2003 حين أغارت مروحية على شقة كان موجودًا بـها مع إسماعيل هنية وأصيب بجروح طفيفة، وقبل قتله قال رئيس الأركان الصهيوني "إن مؤسس حركة حماس الشيخ ياسين يعتبر هدفًا لعملية تصفية". وقال "إنـهم لن يميزوا بين القيادة السياسية والعسكرية لحماس". بيد أن الشيخ الذي كان عمره (65 عامًا) اعتبر أن الجهاد واجب على كل المسلمين رجالاً ونساءً، مؤكدًا أنه لا يخاف الموت، بل يطلب الشهادة، ورفض أن يعطي هدنة وقال "نرفض الهدنة لهذا العدو ما لم يقدم التزامات محددة بزوال الاحتلال والاستيطان ووقف العدوان، وأشار إلى أن الهدنة في الظروف الحالية معناها استسلام، ولن نرفع الرايات البيضاء إطلاقًا. وفي تقديرنا أن الصلابة التي مثلها الشيخ "أحمد ياسين" كرمز للمقاومة هي أحد أهم الأسباب التي دعت "شارون" ليشرف بنفسه على اغتياله، وهذا هو نفسه ما قاله عبد العزيز الرنتيسي: "استشهاد الشيخ ياسين يأتي في إطار استهداف الإسلام في فلسطين"..
ولكن ما هي الأسباب التكتيكية وراء عملية اغتيال الشيخ؟:
يمكن أن نوردها في الآتي:
1 - ضرب القيادات والرموز الفلسطينية في قطاع غزة قبل أن يتركها الجيش الصهيوني وفق الخطة أحادية الجانب التي أعلنها السفاح شارون، وذلك حتى لا يبدو أن الجيش الصهيوني قد هزم وفر أمام ضربات المقاومة الموجعة التي تلقاها من حركة المقاومة الإسلامية حماس.. وهذا ما قاله وزير الداخلية الصهيوني أفراهام بوراز: "حماس كثفت في الفترة الأخيرة هجماتـها لتثبت أنـها قادرة على طرد إسرائيل من قطاع غزة".
2 - يربط العدو الصهيوني بين قوة الحركة وقوة القيادات والكوادر الموجهة لحركتها لذا فهو يخاف أن يترك غزة مكررًا ما حدث في لبنان قبل ذلك حين ترك ما أطلق عليه وقتها (فتح لاند) فهو يخاف أن تكون غزة هي الأرض التي يمكن لحماس أن تتخذ منها قاعدتـها المحررة وأرضها الخالصة لتؤسس أعمالها المقاومة ضد الكيان الصهيوني. ومن المعروف أن قطاع غزة يتسم بوفرة القيادات الكثيفة التي توجه العمل العسكري الجهادي في فلسطين، بينما تتسم الضفة الغربية بكثافة الكوادر العاملة.
3 - يريد المجرم شاورن أن يقول إن بلاده تقاوم الإرهاب، وأنـها قوية في مقاومته، خاصة بعد تفجيرات مدريد وتراجع أسبانيا عن المشاركة في الحرب على العراق باعتبارها حربًا غير مبررة، ويحاول شارون أن يعطي صورة لرموز المقاومة في العقل الغربي والصهيوني بأنـهم رموز إرهابية وليسوا رموزًا للمقاومة، إنه يريد أن يقول إن الكيان ليس معتديًا وأن اليهود ليسوا محتلين، وإنما الذين يقاومونـهم هم الإرهابيون؛ أي تلويث صورة المقاومة، ويدعمه في ذلك بوش وإدارته الذي قال "إن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها وأن الفلسطينيين توفر لهم خريطة الطريق الأمن".. فالاستقواء الإجرامي لشارون جزء من استغلال اللحظة الراهنة لتلويث صورة المقاومة، وفي نفس الوقت استغلال الدعم الأمريكي لإقدامه على أكثر صور الإرهاب قتامة، وهي قتل الشيخ ياسين الرجل المقعد الذي كان خارجًا من الصلاة وأطلقت عليه هليكوبتر صهيونية ثلاثة صواريخ مرة واحدة أودت بحياته وأصابت آخرين معه. وكل العالم أدان عملية اغتيال الشيخ ياسين ما عدا أمريكا.
4 - يريد المجرم الصهيوني شارون أن يترك التأثير للصورة التي تم بـها قتل هذه القيادات نوعًا من الخوف في نفوس الجماهير وفقدان الثقة في خطة المقاومة وتوريث الإحباط واليأس لعموم الجماهير في فلسطين والعالم العربي والإسلامي، وفي نفس الوقت يعطي إيحاءً للتيارات الدينية المتشددة بأن يده لا تزال طايلة، كما يريد شارون أن يؤسس لوجود قوى عميلة في قطاع غزة ترى أن خط المقاومة يمثل خطرًا على وجودها، فهو يدرك أن الصراع مستمر وأن الضرب بقوة بقتل قيادات حماس سوف يقود إلى تيارات في القطاع بعد الانسحاب تكون تابعة أو عميلة لأنـها تخاف من تحمل تبعات المقاومة.
مستقبل الوضع الفلسطيني:
يضع الكيان الصهيوني على قوائم الاغتيال للقيادات الفلسطينية أكثر من 80 قيادة، وهو ينتهز الفرصة التاريخية المتمثلة في "الحرب على الإرهاب" وفرصة الانتخابات الأمريكية التي تتسول رضا اللوبي الصهيوني، وفرصة الضعف العربي الرسمي المريع، ومن ثم فهناك مرحلة صعبة قادمة بالنسبة لحركات المقاومة في فلسطين هذه الخطة تفترض الأخذ بخطوات لمواجهتها هي:
1 - التمسك بالميراث التاريخي والشرعي الذي أكد عليه الشيخ أحمد ياسين قبل موته والمتمثل في رسالته إلى القمم العربية التي انـهارت والتي تتمثل في أن أرض فلسطين هي أرض إسلامية اغتصبت بقوة السلاح من قبل الصهاينة اليهود، ولن تعود إلا بكل الوسائل المشروعة والمتاحة للمقاومة، وهي وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منه حتى لو كنا لا نملك القوة اللازمة لتحريره. وأن الجهاد في فلسطين حق مشروع للشعب الفلسطيني، وأن وصفه بالإرهاب من قبل أعداء الله لهو ظلم عظيم يرفضه شعب فلسطين وكل الشعوب العربية والإسلامية، وطالب بوقف التطبيع وإغلاق السفارات والقنصليات والمكاتب التجارية وتفعيل المقاطعة العربية.
2 - التمسك بالوحدة لحركة المقاومة الإسلامية باعتبارها ضرورة شرعية وحتمية جهادية لا يجوز التضحية بـها أو التفريط فيها لأن الوحدة وروحها هي التي تمثل الأرض الصلبة لتحمل كيد الأعداء ومكرهم.
3 - اعتبار الوحدة الفلسطينية بعامة مطلبًا لأي حركة مقاومة، لأن الوحدة الفلسطينية هي خط أحمر وأن أحد أهداف الصهاينة هي شق هذه الوحدة ودفع الفصائل نحو حرب يكون حصادها لصالح اليهود.
4 - البحث عن تكتيكات عسكرية تتصل بحماية القيادات والحفاظ عليهم، خاصة وأن هناك تحول في الاستراتيجية الصهيونية التي تقصد جميع القيادات بلا فرق بين عسكري وسياسي.
5 - الثبات على خيار المقاومة، لأنـها حق مكفول في كل الشرائع والمواثيق، العمليات الاستشهادية التي تعطي الأمل للناس أن المقاومة مستمرة، وفي نفس الوقت تضع الحكام العرب أمام مسئولياتـهم الحقيقية لدعم حركات المقاومة.
والله إن دم كل شهيد يتحمل وزره وإثمه الحكام العرب الذين باعوا أنفسهم لأعداء أمتهم، فأهانوا أنفسهم وتركوا شعوبـهم فريسة وحدهم في الميدان.فلينـزاحوا عن صدور هذه الأمة التي فرضوا عليها فرضاً وليتركوا الشعوب تختار سبيل العزة والكرامة التي يطلبه منها دينها وواقع حالها...