ما وراء استشهاد أحمد ياسين
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لقد اعتاد المؤرخون أن يؤرخوا لمعالم وأحداث بارزة حدثت وبقي لها صدى وتأثير، وكان يوم الاثنين 22/3/2004 يوماً له ما بعده، إذ اهتز فيه العالم حينما صدموا بهول الفاجعة التي نزلت ليس بشعب فلسطين فحسب، بل بالأمة العربية والإسلامية، ألا وهي جريمة اغتيال شيخ المجاهدين ومفجر الانتفاضة الفلسطينية الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله - على يد من قال الله فيهم: " أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ".
إن الله - تعالى - أحيا بالشيخ أحمد ياسين هذه الأمة من بعد أن فقدت الثقة بنفسها فارتمت في أحضان القوى العظمى ترجو منها النجاة، فلم تجد منها إلا كل غدر وخديعة وانحياز إلى العدو الصهيوني، لذا نجد الولايات المتحدة استخدمت حق الفيتو في مجلس الأمن (40) مرة، منها (28) مرة لصالح العدو الصهيوني.
لقد خرج هذا القعيد، الذي لا يتحرك إلا رأسه، فعلمنا أن القوة ليست بالجسام الضخام ولكن بقوة العقيدة وارتفاع الروح المعنوية والثقة بنصر الله - تعالى -، فكان آية في التحدى والثبات والشجاعة، بل أصبح كرسيه المتحرك رمزاً للكبرياء والأنفة والعزة والإباء، وفيه قال القائل:
كرسيك المتحرك اختصر المدى
وطوى بك الآفاق والأزمــــانا
علمته معنى الإباء فلم يكـــن
مثل الكراسي الراجفات هوانا
معك استلذ الموت، صار وفـاؤه
مثلاً، وصار إباؤه عنــوانا
إنني أرفض أن ننظر إلى الشيخ المجاهد أحمد ياسين بنظرة العطف والشفقة لأنه مريض مقعد... إن هذه النظرة لا تتفق ولسان حال هذا العملاق في الزمن الذي كثر فيه الأقزام، إنه بطل اهتزت لذكائه وثباته وجهاده وشجاعته الدنيا.. إن الحركة التي أسسها هذا الجبل والروح التي بثها في نفوس الشعب الفلسطيني أطارت عقل شارون وعصابة شارون.
لقد تكبد الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة من جراء الانتفاضة الأخيرة، التي ما فتىء الشيخ أحمد ياسين يذكيها ويقودها، خسائر لا تكاد تصدق، إذ أن واحداً من بين كل ثلاثة صهاينة يعاني من اضطرابات وصدمات نفسية، كما أن واحداً من بين كل ستة صهاينة يتعرض لعملية فدائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن الخسائر الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الأخيرة جاوزت (17) مليار دولار، والخسائر اليومية تربو على (30) مليون دولار، وأن (50) ألف شركة تجارية أغلقت أبوابها حتى عام 2003، وأن (66%) من إجمالي المنشآت السياحية تم إغلاقها، وأن الإيرادات السياحية تراجعت من (7) مليار دولار في التسعينيات لتصل إلى (500) مليون دولار فقط، كما أن الكيان الصهيوني خسر أربعة ملايين سائح، وأن الاستثمارات الأجنبية تراجعت من (11، 3) مليار دولار في النصف الأول من عام (2000) إلى (2، 7) مليار دولار في عام (2003)، وأن معدل النمو تراجع من (6، 4%) في عام (2000) إلى صفر في الربع الأول من عام (2003)، وأن القيمة السوقية للاسهم تراجعت أيضاً من (108) مليار دولار إلى مليارين دولار فقط، فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة وعدد الفقراء من الصهاينة اليهود وكذلك ارتفاع نسبة الفارين من اليهود إلى خارج الكيان الصهيوني... فهل بعد ذلك يمكن أن يستهان بعملاق مثل هذا؟!!
إنني أدرك أن شارون مجرم محرب، بل وجميع الصهاينة اليهود في فلسطين هم مجرمون ومعتدون، وأنهم جميعاً لا يساون عجلة كرسي الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله -، ولكني أظن أننا بحاجة إلى سبر أغوار مشكلتنا والنظر إلى سببها الحقيقي، وما الذي جعل العصابة الصهيونية تتجرأ علينا وتقوم بهذه المجازر وتقتل هذا البطل المقعد بهذه الصورة البشعة.
إن من الواضح لكل متأمل في واقع الأمتين العربية والإسلامية أن المشكلة الحقيقية ليست في الكيان الصهيوني وإجرامه فحسب، وليست فقط في الدعم اللامتناهى والضوء الأخضر الذي تقدمه الولايات المتحدة للصهاينة اليهود، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في أمتنا العربية والإسلامية وفي تخلي الأنظمة عن قضيتنا المحورية، تخليها عن شعب عربي مسلم يقتل ويشرد ويذبح وتنتهك كل حرماته، فما أدرى ماذا تصنع الدول العربية والإسلامية؟! وإلى متى لا تحسن غير الشجب والاستنكار وربما بعض الكلمات العنترية التي ملها الشارع العربي والإسلامي والتي لا هدف من روائها إلا التنفيس عن الآهات التي امتلأت بها القلوب؟! ومتى تثبت لنا هذه الدول أنها على مستوى التحديات الكبرى للأمة؟ ومتى تتخذ القمم العربية والإسلامية قرارات غير تقليدية تعبر بها عن ضمير هذه الأمة وعن ما يجيش في نفوس شعوبها؟ إنه من المؤسف أن الأمة كلها أصبحت تعرف مسبقاً ما هي القرارات التي ستصدرها أية قمة عربية أو إسلامية، إنها قرارات لا تكاد تحيد عن الشجب والتنديد والاستنكار، ولكن ما الفائدة من ذلك كله، وصدق المثل العربي الذي يقول: " أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل ".
إنني أعتقد أنه لا حل لمثل هذه الجرائم إلا بأن نلتفت كثيراً إلى أنفسنا ونصلح الخلل الذي ينخر في جسدنا... إننا نرى الجرائم ترتكب في حق إخواننا الفلسطينين ولا زلنا نوالى اللقاءات والزيارات المشبوهة للكيان الصهيوني، ولا زال أملنا في التسوية السلمية مع العدو الصهيوني كبير، وكأنه لا حل إلا بالرضوخ للممارسات الشارونية وللتعليمات الأمريكية.
لا زال البيت العربي والإسلامي مليء بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، وكذلك مليء بالانتهاكات التي لا حصر لها لحقوق الإنسان وللحريات، كما أن السجون مليئة بمعتقلي الرأي وسجناء الكلمة. لا زال الفساد يضرب أطنابه في كثير من الدول العربية والإسلامية، ولو رجعنا إلى ما تنشره منظمة الشفافية الدولية، والتي مقرها في ألمانيا، عن هذا الفساد لوجدنا ما تشيب له الرؤوس.
نحن نلوم السفاح شارون على جرائمه، ولا نلوم أنفسنا، فبعض ما يمارسه شارون للأسف يمارس في بعض الدول العربية، ولا يمكن أن يحترمنا الآخرون إلا بعد أن يحترم الفرد عندنا وتصان كرامته ويعطى حقوقه.
إن التأثر باستشهاد هذا المجاهد البطل لا ينبغي أن يكون لحظياً ومؤقتاً، فما هو بإنسان عادي، إنه رمز الانتفاضة المباركة وعنوان إبائها وثباتها، كما أنه مرجع رئيس للأمة العربية والإسلامية في صراعها مع العدو الصهيوني ورقم صعب لا يستهان به في هذه المعادلة.
إننا بحاجة أن نعيد النظر في تناول الجرح الفلسطيني الذي لا زال ينزف منذ ما يزيد من نصف قرن، فحل هذه القضية يحتاج - في ظني- إلى مسائل خمس رئيسة وهي:
1. رؤية استراتيجية للصراع مع هذا العدو ومن يقف وراءه منطلقة من عقيدة هذه الأمة ومبادئها وقيمها.
2. تفكير أفقى يقوم على تناول الخيارات المتعددة والبعد عن التفكير الرأسي الذي لا يعرف إلا خياراً واحداً لا ثاني له (وهو خيار التسوية السلمية الذي ثبت فشله الذريع)، فالتفكير الرأسي لا يأتي بالحلول وإنما هو نوع من التفكير المتخلف الذي يحبس العقول في سجن انفرادي لا مخرج منه.
3. قادة صادقون مخلصون لأمتهم وقضيتها المحورية ذووا إرادة وشجاعة وذكاء وجد واجتهاد لحل هذه القضية.
4. وحدة عربية وإسلامية، وتنسيق عال المستوى بين العرب والمسلمين ضد الكيان الصهيوني ومن يسانده ويقف وراءه.
5. التحام قادة العرب والمسلمين مع شعوبهم الذي هو المصدر الحقيقي لقوتهم بعد قوة الله - تعالى - والكف عن افتعال الصراعات الداخلية والتعدي على الحقوق والحريات.
وأخيراً لا أجد ما أودع به شيخ المجاهدين إلا قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حينما قال: أشرفُ الموتِ موتُ الشهداء، وأقول ما قاله الشاعر الفذ صالح العشماوي في شيخ الانتفاضة:
ستظل نجماً في سماء جهادنا
يا مقعداً جعل العدو جبانا