مقالات 5596
خطب 560
فتاوى 675
بحوث ودراسات 459
كتب 38
قائمة الكتَاب 2218
 
نوازع الخير والشر
Share |
350

نوازع الخير والشر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه و نستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن محمد عبد ه ورسوله صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

يوجد عند الإنسان نوازع للخير ونوازع للشرّ، والنفس منها المطمئنّة ومنها الأمّارة بالسّوء، وثمّة أمور تزكّي النفس وتصلح القلوب، وأمور أخرى تقعد بالنفس عن المعالي، وتفسد على القلب صلاحه، وتضعف من سيره إلى الله، والشيطان حاضر في معترك الصراع بين شهوات النفس وهوى القلب، وقيم الإسلام ومكارم الأخلاق، وعلى قدر المجاهدة والصبر واليقين تتغلّب إحدى القوّتين على الأخرى، (قوّة الخير و قوّة الشّرّ).

معاشر المسلمين: حريّ بنا أن نقف على شيء من أمراض القلوب ومعوّقات النفوس عن الصلاح، وأنواع من العلاجات النافعة والمدافعات المشروعة.

أيّها المسلمون: الداء والدواء، والمرض والعلاج يجمعها النبيّ- صلى الله عليه وسلم - في قوله: ((ثلاث منجيات: خشية الله في السرّ والعلن، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وثلاث مهلكات: هوى متّبع، وشحّ مطاع، وإعجاب المرء بنفسه)) حسّنه الألبانيّ في الصحيحة (1802) وفي صحيح الجامع(2025).

وحين نبدأ من حيث انتهى الحديث، فالعجب آفة خطيرة، وهو مدخل للكبر، وهو راع إلى نسيان الذنوب، فبعضها لا يذكرها المعجب، وبعضها لا يستغفر منها لاستصغاره إيّاها، وبالعكس ترى المعجب يستعظم أعماله، ويغترّ بنفسه، ويأمن مكر الله، المعجب بنفسه يمنع نفسه من السؤال للآخرين عمّا جهله، ولا يستشير غيره فيستفيد من رأيه ومشورته، وأشدّ أنواع العجب ما كان ناشئاً عن العلم والفقه، قال - تعالى -: ((أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)) (فاطر: 8).

قال ابن مسعود- رضي الله عنه-: ((الهلاك في اثتين: القنوط والعجب)).

وقال مطرّف بن عبد الله: لأن أبيت نائماً وأصبح نادما، أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا.

وحين يرتبط الكبر بالعجب فأعلى درجات الكبر: ردّ الحقّ واحتقار الناس، قال - عليه الصلاة والسلام - معرّفا الكبر: ((هو بطر الحقّ وغمط النّاس)).

إنّ الكبر داء عضال يستمن المتكبّر ورما..ويرى النّاس أمثال الذّرّ، إنّه ينازع الله في كبريائه وردائه..

ولذا كانت عاقبة المتكبّرين وخيمة عند الله، ((لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر)) رواه مسلم(91).

وحال المتكبّرين يوم القيامة يرثى لها، ((يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صورة الرّجال يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن في جهنّم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار طينة الخبال)) أخرجه الترمذيّ في صفة القيامة ح 2492، وأحمد6639، وحسّنه الألبانيّ في صحيح الجامع (رقم 96، 78).

أيها الناس: كم في حياة الإنسان من غمط للناس حقوقهم، وردٍّ للحقّ وبطر؟ وإذا كان هذا سائغا عند الأمم التي لا تدين بالإسلام، (وليس بعد الكفر ذنب) فكيف يسوغ عند أهل الإسلام، والمورد الزلال فيهم ينهى عن الكبر ويذمّ المتكبّرين، ((فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) (الزمر: 72). ((أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)) (الزمر: 60).

((فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ)) (الأحقاف: 20).

رأى رجل رجلا آخر يختال في مشيته، فقال له: يا عبد الله، هذه مشية يبغضها الله، فالتفت إليه الرجل وقال: ألا تعرفني؟ قال: بلى، أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل الخرأة.

وقال الأحنف لرجل فيه كبر: عجباً لابن آدم يتكبّر وقد خرج من مجرى البول مرّتين.

وقال الحسن- رضي الله عنه-: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيديه كلّ يوم مرّتين، ثمّ يعارض جبّار السموات والأرض (أنظر إحياء علوم الدين 4/ 136، و انظر سر نفسك، أحمد الزهراني/ 20-22).

ومن آفات النفس الحسد، والتعوّذ منه وارد في القرآن، والحسد صفة إبليس الملعون، وأوّل قتل في الأرض كان سببه الحسد، وما ردّ أهل الكتاب الحقّ بعد معرفته إلّا بالحسد، ((وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)) (البقرة: 109).

أيها المسلمون: وسوء الظنّ بالناس مرض يستفحل، وتصنيفهم هوى وتخرّصا ظلم بيّن، فكيف إذا تعدّى إلى السّخريّة واللمز والنبز بالألقاب، وفي التنزيل: ((لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)) (الحجرات: 11).

إن الحياة لا تستقرّ مع سوء الظّنّ، وإنّ السعادة لا تحلّ في مجتمع الساخرين الشّاكّين، وفرق بين الثقة بالناس وحسن الظّنّ بهم، وبين البلاهة والتغفيل وعدم تمييز الخبيث من الطيّب.

الشحّ والحرص البخل أدواء قاتلة وعواقبها وخيمة، تمنع حقوق الله، ويستصعب صاحب الشحّ أن يجبر قلوب المنكسرين، أو أن يطعم الجائعين، أو يدخل البسمة على البائسين، بل يصل الشّحّ والطمع إلى منع حقوق الله، وربّما كانت الرّدّة عن الدّين بسبب البخل بمنع الزكاة الواجبة وإنكارها.

وحبّ الرئاسة والتصدّر في المجتمع لغرض الإطراء والثناء شهوة خفيّة، وسبب للكبرياء والتعالي، وسبيل للتنازل عن مكارم الأخلاق من العدل والمساواة، والتواضع وخفض الجناح، وهو وسيلة يدخل الشّيطان منها للأنفة من قبول الدين.

عباد الله: هذه أدواء على المسلم أن يحذر منها، وتلك موبقات جدير بأصحاب النفوس الكبيرة أن يتخلّصوا من تبعاتها..

إنّها شهوات وأمراض قد تخدع النفس صاحبها بأنها علامة الرجولة، وميدان للعظمة، وسلّم للوصول للرتب.. وما هي في الحقيقة إلّا قواطع عن الصلة بالخالق والخلق.

وإذا تعلّقت نفسك بشيء من هذه الموبقات فصِلْها بالمنجيات الماحيات، وفضل الله عظيم، فالحسنة بعشر أمثالها، وخاب وخسر من فاقت آحاده عشراته، والفطرة تتجه للخير، والطاعة نور في الوجه وسعادة في الحياة، والمعصية ظلمة ونكد.

ويجد المرء مع الصدق والمجاهدة من دوافع الخير أضعاف ما يجده من دوافع الشّرّ، وتستريح النفس لداع الهدى أكثر من استجابتها لدوافع الفجور، ويجد المرء الصالح من ثناء الناس ومحبّتهم أضعاف ما يجده المرء الطالح من ثناء المفسدين ومحبّتهم، وفوق ذلك وأعظم فالميزان دقيق والحكم عدل، ((فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)) (الأنبياء: 94).

الخطبة الثانية

أيها المسلمون: ومع الأدواء دواء، وثمّة علاجات مشروعة لدفع نزوات النفس ومدافعات لعلاج الذنوب.. وأوّل ما ينبغي أن يدركه العبد أن لا ينظر إلى صغر المعصيّة بل ينظر إلى عظمة من عصي، (وهكذا كان يقول السلف) وإذا وقع العبد في ذنب فلابد أن يبقى على باله، يخاف من آثاره ويستغفر ربّه، ويدافع الهوى الداعي إلى المعصيّة.

يقول ابن الجوزي - رحمه الله -: تأمّلت وقوع المعاصي من العصاة، فوجدتهم لا يقصدون العصيان، وإنّما يقصدون موافقة أهوائهم، فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بالمخالفة فإذا به ملاحظتهم كرم الخالق وفضله، ولو أنّهم تأمّلوا عظمته وهيبته ما انبسطت كفٌّ بمخالفته، (صيد الخاطر: 193).

أيها المسلم: إيّاك ومحقرات الذنوب فإنهن كما قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم -: ((يجتمعن على الرجل حتّى يهلكنه)).

يا عبد الله: ومن الأدوية الناجحة لعلاج المعصية أن تبادر بعد وقوعها إلى عمل حسنة حتّى تمحها، وهكذا أوصى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ((وأتبع السيّئة الحسنة تمحها)).

فمن ضعف في جانب المحذور فلا ينبغي أن يضعف في جانب المأمور.

وفي هذا يقول الغزالي - رحمه الله -: (اعلم أن الواجب على العاصي أن يبادر للتوبة والندم والاشتغال بالتفكير بحسنة تضاده، فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين، فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن يبادر بالحسنة السيّئة ليمحها.

يا مسلمون: إذا كانت الطاعات كفّارات ومطهّرات ورافعات للدرجات، فعليكم بالصلاة فهي كالنهر الجاري عند باب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرّات، فهل يبقى من درنه شيء؟ ((وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)) (هود: 114).

ولا تملّوا معاشر المذنبين من الاستغفار، جاء رجل للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه، قال يغفر له ويتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال: يكتب عليه، قال ثم يستغفر منه ويتوب، قال يغفر له ويتاب عليه ولا يملّ الله حتّى تملّوا)) (أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 59 وصححه ووافقه الذهبيّ).

أيها المؤمنون: أمّا الشيطان فهو يغوي ويغري ويفتن... ولكن كيده ضعيف، وليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكّلون، وهو يخنس عند الذكر ويتقهقر حين الصلاة، ويتراجع ويبلس مع الاستغفار والاستعاذة، وأوراد الليل والنهار أسوار منيعة دون اقتحامه، وتلاوة القرآن تفرّه وتطرده، وإصلاح ذات البين تهد أركانه وتفرّق جنده... ألا فاستعينوا بهذه الأدوية على إبطال خطواته وإفشال وسوسته.

إخوة الإسلام: جاهدوا أنفسكم على الطاعة وعن المعصية، وروّضوها على الصبر واليقين، واعلموا أنّ الله ضمن لكم الرزق فلا تقلقوا، ولم يضمن لكمن الجنّة فلا تغترّوا، وكلّ نعيم دون الجنّة فان، وكلّ بلاء دون النار عافية.

تأمّل في نفسك يا عبد الله وقد قيل: النفس كالرحى تطحن كلّ شيء، فمن الناس من تطحن رحاه حبّا مباركا ينفع الناس، ومنهم من تطحن رحاه ترابا، فإذا جاء وقت العجن تبيّن له حقيقة طحينه... ولكن هيهات.. فانظر ماذا تطحن نفسك؟

يموت المحسن حين يموت فيبكيه أهل السماء والأرض، ويموت الفاجر يوم يموت فيستريح الناس ويفرحون بموته... والموعد يوم الجنائز، والناس شهود الله في أرضه.

وكم في خروج الناس للجنائز من عزاء للكرماء.. ومن ردّ الجميل للأوفياء، ألا فاصنع لنفسك العزاة قبل الموت، واختر لنفسك خير المنزلتين ما دمت قادر على عمل الصالحات.

ثمّة خصال يذكر بها الإنسان بعد موته كالجود والكرم والإحسان للخلق، وبذل الجاه، ودعم مشاريع الخير، والعطف على الأقارب والمحتاجين.

لقد شهدنا جنائز ضاقت بهم المساجد الكبرى على سعتها، وقد يكون فيمن شهدوا الجنازة من لم يعرفهم صاحب الجنازة، ولكنه الإحسان والبذل والخير يعرّف من لم يكن يعرف، وهل الدنيا إلّا ساعات ومواقف وحكايات وذكريات، ينتقل بعدها المرء إلى عالم آخر، رهين بما كسبت يداه، خلوا من المال والولد إلّا ما قدّم من ماله، وخلّف من ذرّية صالحة تخلف بعد مماته، أو علم ورّثه يستفيد الناس منه، ألا كم في الموت من عبرة، وكم في الجنائز من تذكرة، اللهمّ ارحم موتى المسلمين واخلفهم في عقبه في الغابرين، اللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم، واغفر اللهمّ لنا ولهم يا ربّ العالمين.

http://www.islamlight.net المصدر