
|
مقالات 5596
خطب 560
فتاوى 675
بحوث ودراسات 459
كتب 38
قائمة الكتَاب 2218
|
فوائد السفر ومساوئه
إن السياحة في الأرض والتأمل في عجائب الكون مما يزيد العبد معرفة بربه - عز وجل - ويقينًا بأن لهذا الكون مدبرًا لا ربّ غيره ولا معبود بحقّ سواه. المسافر إذا سافر يتأمل ثم يتدبّر، وبعد ذلك كلّه يخشى الله - سبحانه -، وذلك حين يرى عجيب صنع الله في الكون وعظم قدرته، "صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" [النمل:88]، ولقد أنكر الله على من فقد هذا الإحساس: "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ" [يوسف: 105]. السفر ـ عباد الله ـ يعرّي الإنسان من الأقنعة التي كانت عليه، وكانت تحجب طبيعته، بل ما سمّي السفر سفرًا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، المرأة تسمّى سافرة إذا كشفت عن وجهها، وتسمّى المِكنسة مسفِرة لأنها تسفر التراب عن وجه الأرض. وتختلف مطالب الناس من السفر، فذاك طالب علم، وآخر سائح، وثالثهم طالب مال، بل إن من الناس من لا يجد رزقه إلا في السفر والذهاب والإياب، وعلى كلٍّ فإن السفر كغيره من الأمور ذو محاسن ومساوئ، فمن محاسنه أنه يفرّج الهم، فإن الله - سبحانه - قضى أن الملازم لمكان واحد أو طعام واحد يسأم منه، ولذلك اتُّخذت ألوان الطعام، وأطلِق التزويج بأربع نسوة، ورسم التنزُّه والتحوُّل من مكان إلى آخر. في السفر ـ عباد الله ـ اكتساب المعيشة، تقول العرب: "البركات مع الحركات"، ويقول أحدهم: "صعود الآكام وهبوط الغيطان خير من القعود بين الحيطان". ما اكتُسبت العلوم والآداب والأخلاق إلا بالسفر، جابر بن عبد الله الصحابي الجليل سافر في طلب حديث واحد، ويقول أحد السلف: "لولا التغرّب ما ارتقى دُرّ البحور إلى النحور". ومن فوائد السفر أنه يرفع الإنسان من الذلّ إلى العزة إذا كان بين قوم لئام، فهذا رسول الله ناله من مشركي مكة ما ناله، فخرج منها مهاجرًا، وقال وهو على راحلته بعد أن خرج منها: ((والله، إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرِجت منك ما خرجت))، فهاجر إلى طيبة لما نبا المقام، فكان من أمره ما كان، ثم عاد إليها وفتحها الله عليه. جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إني أريد سفرًا فأوصني، قال: ((عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف)) رواه أهل السنن، وروى أبو داود والنسائي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ودع عبد الله بن عمر عند سفره فقال: ((أستودع اللهَ دينك وأمانتَك وخواتيم عملك)). قال الشافعي - رحمه الله -: تغرب عن الأوطان تكتسب العلا * * * وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريجُ همٍّ واكتسابُ معيشة * * *وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجد فإن قيل في الأسفار ذلٌ وشدةٌ * * *وقطعُ الفيافي وارتكابُ الشدائد فموت الفتى خير له من حياته* * * بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد وقال الثعالبي: من فضائل السفر، أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومن بدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله - تعالى -. ولهذا لما سئل الشعبي عن هذا العلم الغزير الذي وهبه الله، من أين لك هذا العلم؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد. يقول ابن الجوزي: إن الكلب قال للأسد: يا سيد السباع، غيّر اسمي فإنه قبيح. فقال له: أنت خائن لا يصلح لك غير هذا الاسم. قال: فجربني، فأعطاه شقة لحم، وقال: احفظ لي هذه إلى غد وأنا أغيّر اسمك. فجاع وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر، فلما غلبته نفسه قال: وأي شيء باسمي وما كلب إلا أحسن اسم، فأكل. وقد حث النبي –صلى الله عليه وسلم - على الرُّفقة في السفر، فقال: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي ومالك وصححه الألباني. قال أحد الشعراء: فسر في بلاد الله والتمس الغنى * * تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا ولا ترض من عيش بدين ولا تنم * * وكيف ينام الليل من كان معسرا قال الشافعي: سافر تجـد عوضـاً عمـن تفارقـه ** وانصَبْ فإن لذيذ العيش في النصـب إني رأيـت وقـوف المـاء يفسـده ** إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطـب والأسدُ لولا فراق الأرض ما افترست ** والسهم لولا فراق القوس لم يصـب والشمس لو وقفت في الفلك دائمـة ً ** لملها الناس من عجـم ومـن عـرب والتبر كالترب ملقـى فـي أماكنـه ** والعود في أرضه نوع من الحطـب فـإن تغـرب هـذا عـز مطلـبـه ** وإن تغـرب ذلـك عـز كالـذهـب وقال: فالعنبر الخام روث فـي مواطنـه ** وفي التغرب محمولُ على العنـق والكحل نوع من الأحجار تنظـره ** في أرضه وهو مرمي على الطرق لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـه ** فصار يحمل بين الجفـن والحـدق ولكن السفر له مساوئ فهو قطعة من العذاب. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال: ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله)). سئل إمام الحرمين: لِمَ سمّى النبيّ السفرَ قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: "لأن فيه فرقة الأحباب"، ويقول الحجاج بن يوسف: "لولا حلاوة الإياب لما عذَّبت أعدائي إلا بالسفر". وعارض بعضهم السفر فقال: تخلف عن الأسفار إن كنت طالبا * * * نجاة ففي الأسفار سبع عوائق تفكر إخوان وفقد أحبــــــــــــة * * * وتشتيت أموال وخيفة ســــارق وكثرة إيماش وقلة مؤنـــــــــس * * * وأعظمها يا صاح سكنى الفنادق فإن قيل: في الأسفار كسب معيشة * * * وعلم آداب وصحبة فائـــــــق فقل كان ذا دهرا تقادم عهده * * * وأعقبه دهر كثير العوائـــــــــــــق قيل لبعض الحكماء: إن السفر قطعة من العذاب..فقال: بل العذاب قطعة من السفر. ونظمه من قال: إن العذاب قطعة من السفر= يا رب فاردد لي إلى ربق الحضر وكان الحجاج يقول: لولا فرحة الإياب.. لما عذبت أعدائي إلا بالسفر. وكان بعض الحكماء يقول: السفر والسقم والقتال ثلاثة لثلاثة: السفر سفينة الأذى، والسقم حريق الجسد، والقتال يثبت المنايا. قال بعض الحكماء: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه، فهو ذابل لا يثمر وذاوٍ لا يزهر. قال أحد الشعراء: يا نفس ويحك في التغرب ذلة * * فتجرعي كأس الأذى وهوان وإذا نزلت بدار قوم دارهم * * فلعن عليك تعزر الأوطان قيل: الغريب كاليتيم العظيم الذي ثكل أبويه، فلا أم تربيه ولا أب يرأف عليه. وكان يقال: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك. قال البستي: لا يعدم المرء كناً يستكن به * * * ومتعة بين أهليه وأصحابه ومن نأى عنهم قلت مهابته * * * كالليث يحقر لما غاب عن غابه جاء في كتاب اللطائف والظرائف للمقدسي قول أحدهم: ومن ينأ عن دار العشيرة لم يزل * * عليه رعود جمة وبروق وكان يقال: الغريب كالوحش النائي عن وطنه فهو لكل رام رمية، ولكل سبع فريسة ولكل كلب قنيصة. وكانت العرب تقول: الغربة ذلة والذلة قلة، وكان يقال: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة. قال الطائي: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * * * ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى * * * وحنينه أبداً لأول منزل وقال آخر: وإن اغتراب المرء من غير خلة * * ولا همة يسمو لها لعجيب وحسب الفتى ذلاً وإن أدرك المنى * * ونال الثراء أن يقال غريب وبعد أن استعرضنا محاسن السفر ومساؤه كان لزاماً علينا أن نبين آداب السفر وأحكامه. لِلسَّفَرِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: 1- يَنْبَغِي للمسافر أَنْ يَبْدَأَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَيَخْرُجَ مِنْ مَظَالِمِ الْخَلْقِ، وَيَقْضِيَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ دُيُونِهِمْ عليه، وَيَرُدَّ الْوَدَائِعَ لأصحابها إن كان قد استودعه أحد شيئاً، وَيَسْتَحِل كُل مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ فِي شَيْءٍ أَوْ مُصَاحَبَةٌ، وَيَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا، وَيُوَكِّل مَنْ يَقْضِي مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَائِهِ مِنْ دُيُونِهِ، وَيَتْرُكَ نَفَقَةً لأَِهْلِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ إِلَى حِينِ رُجُوعِهِ. 2- وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَسْتَخِيرَ اللَّهَ - تعالى -قبل سفره، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ الْفَرِيضَةِ، في غير وقت الكراهة، ثُمَّ يَدْعُوَ بِدُعَاءِ الاِسْتِخَارَةِ. 3- وَيَنْبَغِي إِرْضَاءُ وَالِدَيْهِ وَمَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِرُّهُ وَطَاعَتُهُ. 4- ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَافِقَ فِي سَفَرِهِ مَنْ هُوَ مُوَافِقٌ رَاغِبٌ فِي الْخَيْرِ كَارِه لِلشَّرِّ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَافِقَ فِي سَفَرِهِ جَمَاعَةً. 5- ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَإِنْ فَاتَهُ فَيَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ بَاكِرًا. ودليل الْخَمِيسِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: (أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ) أخرجه البخاري، وَفِي رِوَايَةٍ: (أَقَل مَا كَانَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ إِلاَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ. 6- وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الأُْولَى: "قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، وَفِي الثَّانِيَةِ: "قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ". 7- ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَجِيرَانَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ وَسَائِرَ أَحْبَابِهِ وَأَنْ يُوَدِّعُوهُ، وَيَقُول كُل وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: "أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، وَيَسَّرَ الْخَيْرَ لَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ". 8- ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَمِّرَ الرُّفْقَةُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَفْضَلَهُمْ وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا وَيُطِيعُونَهُ. 9- ويُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُكَبِّرَ إِذَا صَعِدَ الثَّنَايَا وَشَبَهَهَا، وَيُسَبِّحَ إِذَا هَبَطَ الأَْوْدِيَةَ وَنَحْوَهَا، وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَال: (كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا) أخرجه البخاري. 10- وَيُسْتَحَبُّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى قَرْيَةٍ يُرِيدُ دُخُولَهَا أَوْ مَنْزِلٍ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا. 11- ويُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَدْعُوَ الله - تعالى -فِي سَفَرِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ، لأَِنَّ دَعْوَتَهُ مُجَابَةٌ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ) أخرجه الترمذي. 12- ومن السُّنَّةُ لِلْمُسَافِرِ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يُعَجِّل الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّل إِلَى أَهْلِهِ)أخرجه البخاري، وَيُكْرَهُ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ طُرُوقًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ فِي اللَّيْل، بَل السُّنَّةُ أَنْ يَقْدَمَ أَوَّل النَّهَار، وَإِلاَّ فَفِي آخِرِهِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رضي الله عنه- قَال: (كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَطْرُقُ أَهْلَهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُل إِلاَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً) أخرجه البخاري. • أحكام السفر: السَّفَرُ في الشريعة الإسلامية مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَهُوَ لاَ يُنَافِي شَيْئًا مِنْ أَهْلِيَّةِ الأَْحْكَامِ وُجُوبًا وَأَدَاءً مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، فَلاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ نَحْوِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِكَمَالِهَا، لَكِنَّهُ جُعِل فِي الشَّرْعِ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا - يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهَا؛ لأَِنَّ السَّفَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ فِي الْغَالِبِ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ السَّفَرِ نفسه سَبَبًا لِلرُّخَصِ، وَأُقِيمَ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ، للقاعدة الفقهية الكلية: (إذا كانت علة الحكم غير ظاهرة أو غير منضبطة ألغيت وأنيط الحكم بما هو مظنة له. إلا أن للسفر المثبت للرخص شروطا لا بد من توافرها فيه، فإذا لم تتوافر في المسافر كلها لم يرخص له في شيء، وأهم شروط السفر المثبت للرخص ما يلي: أ - أَنْ يَبْلُغَ الْمَسَافَةَ الْمُحَدَّدَةَ شَرْعًا، وهي لا تقل عن /85/ كم في أغلب أقوال الفقهاء، سواء كان السفر في البر أو البحر أو الجو. ب - الْقَصْدُ: فقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّفَرِ، فَلاَ قَصْرَ وَلاَ فِطْرَ لِهَائِمٍ عَلَى وَجْهِهِ لاَ يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، وَلاَ لِتَائِهٍ ضَال الطَّرِيقِ، وَلاَ لِسَائِحٍ لاَ يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ أَمِيرٌ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ أَوِ الْمُكْثُ، وَمِثْلُهُ طَالِبُ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلاَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، وَإِنْ طَال سَفَرُهُ. ج - مُفَارَقَةُ مَحِل الإِْقَامَةِ: حيث يُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ الْمِصْرِ الذي يقيم فيه، فَلاَ يَصِيرُ مُسَافِرًا قَبْل الْمُفَارَقَة، ولا يكفي خروجه من منزله. د - أَلاَّ يَكُونَ سَفَرَه في مَعْصِيَةٍ الله - تعالى -، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وذهب البعض إلى مجاوزة هذا الشرط، والترخيص لكل مسافر إذا استوفى في سفره الشروط السابقة. الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِي السَّفَرِ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسَافِرِ كثيرة أهمها: أ - امْتِدَادُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: فقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ السَّفَرَ يَمُدُّ مُدَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ من يوم وليلة للمقيم إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا للمسافر. ب - قَصْرُ الصَّلاَةِ وَجَمْعُهَا: فقد أَجْمَعُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قَصْرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ. ج - سُقُوطُ وُجُوبِ صلاة الْجُمُعَةِ: فقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْقَامَةَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمُسَافِرِ، ولكن يصلي بدلاً منها الظهر، ولو صلى الجمعة جاز. د - التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ: فلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، ومثله السيارة والطائرة والباخرة، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -: (أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ) متفق عليه. هـ - جَوَازُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ هُوَ مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ - تعالى -: "وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ".
www.islamselect.com
المصدر
|